رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 29 نوفمبر، 2015 0 تعليق

الحرب على المؤسسات الفلسطينية… لماذا؟!

في الكيان اليهودي يوجد أكثر من (40000) منظمة غير ربحية، وهي تفوق منظمات العالم العربي والإسلامي بأسره وجمعياتها. وبلغت ميزانية المشروعات التي تدخل في هذا الإطار 11 مليار دولار

 لا شك أن ذلك العمل العنصري يستهدف الوجود العربي في الداخل الفلسطيني، ومعاقبة المؤسسات الفلسطينية

 

عندما تبنت بريطانيا المشروع الصهيوني بإقامة وطن قومي لليهود وإلغاء حقوق أهل فلسطين في أرضهم والحلول مكانهم في الفترة مابين 1917 إلى 1948؛ كان الهدف الأول للاحتلال البريطاني دعم إقامة المؤسسات المدنية الصهيونية ودعم العصابات المسلحة وتدريبها وتوفير العتاد لها.

     ورافق ذلك تدمير العمل المؤسسي الفلسطيني، وعرقلة جميع المؤتمرات والاجتماعات التي عبرت عن رفضها لوعد بلفور ولقرار الانتداب وللمشروع الصهيوني، ولاحقت كل القيادات الإسلامية وتجمعاتهم ومؤسساتهم وكل من التف حولهم؛ وطاردت العمل الجهادي ضد مشروعها على أرض فلسطين، وعمدت القوات البريطانية إلى إعدام أي مقاوم للوجود اليهودي والبريطاني في فلسطين.

     ووقفت بريطانيا موقفا عدائياً من المجالس والهيئات الفلسطينية جميعها، وكان أبرزها الموقف من المجلس الإسلامي الأعلى الذي انتخبه الفلسطينيون لإدارة المحاكم الشرعية والأوقاف والشؤون الإسلامية في فلسطين عام 1922م، فلاحقت رئيسه محمد أمين الحسيني لعرقلة جهوده في الدفاع عن فلسطين وتبيان حقيقة المشروع البريطاني وتمكينهم لليهود لإقامة كيانهم على تلك الأرض المباركة.

وردا على تأسيس المجلس الإسلامي أصدرت بريطانيا في 1922 كتابا أبيض اشتمل على (دستور) فلسطين الذي نص على تكوين مجلس تشريعي لفلسطين من 22 عضواً، منهم 10 إنجليز و8 مسلمين و3 من النصارى و2 من اليهود على أن يكون المندوب السامي رئيساً للمجلس!!

والعداء استمر كذلك للهيئة العربية العليا لفلسطين، وأشاعوا حول المؤسسات الفلسطينية الكثير من الأكاذيب لقطع صلتهم مع امتدادهم العربي والإسلامي للتشكيك في قياداتهم وانتماء مؤسساتهم.

     والخلاصة أن مشروع ضرب العمل المؤسسي الفلسطيني مشروع بدأته بريطانيا في ظل انتدابها على فلسطين، وأكملت المسيرة دولة الاحتلال الصهيوني، وعملت بمكر وخداع ودهاء لسلب أهل فلسطين من المؤسسات والهيئات والجمعيات، ومازال مسلسل إغلاق المؤسسات المدنية والتطوعية والخيرية والثقافية والعلمية والمؤسسات الفردية وغيرها مستمر.

     ولم تتوقف حرب الاحتلال على المؤسسات والجمعيات حتى بعد قيام السلطة الفلسطينية عام 1994م، ذلك عبر القرارات العسكرية بإغلاقها أو مصادرتها أو حرمانها من الرخص وعدها خارجة عن القانون، ولم تسلم لجان الزكاة في المجالس القروية من الإغلاق ومصادرة الممتلكات والمداهمة واعتقال أعضائها.

ماذا وراء تفريغ القدس من المؤسسات الفلسطينية ؟!

تعد القدس من أكثر المناطق والمدن في فلسطين التي تم تفريغها من المؤسسات الفلسطينية عبر الكثير من القرارات والإجراءات التي اتخذتها مؤسسات الاحتلال بذرائع وحجج هدفها: «طمس العمل المؤسسي والمدني والاجتماعي الفلسطيني في القدس»!!
والمؤسسات التي لم يصبها داء الإغلاق، أسهم الجدار العازل في إخراجها من القدس قسراً!! ونقلت مقراتها من القدس وضواحيها لتستطيع تحقيق ولو الجزء اليسير من أهدافها التي أنشأت من أجلها، بعد أن مُنع أعضاؤها من الوصول للقدس ممن لا يحمل هوية مقدسية.

وفي الوقت نفسه أسهم الممولون الغربيون في عدد من المؤسسات والمراكز الأهلية المقامة في القدس، بتقديم الإغراءات لنقل المقرات والعمل في مدن الضفة وبالذات في رام الله، بحجة أن الجمهور المستفيد موجود فيها، وصعوبة وصول الأعضاء إليها!!

     بعضهم يحمل السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير جزءاً من مسؤولية عدم الحف اظ على وجود المؤسسات الفلسطينية في القدس؛ بسبب تسريع عملية نقل بعضها إلى المدن الأخرى، ورفع الدعم والموازنات لتلك المؤسسات؛ مما أسهم في إغلاق بعضها، وإهمالها في عدم متابعة الإغلاق قضائياً وقانونياً برفع القضايا وتوكيل المحامين من أجل إعادة إحيائها، وتزامن كل ما سبق مع رفض الاحتلال إعطاء أية تراخيص جديدة لإقامة مؤسسات فلسطينية في القدس.

فتجفيف موارد الجمعيات والمؤسسات المقدسية، وملاحقة الأجهزة الأمنية والعسكرية اليهودية للعاملين فيها واعتقالهم، ومداهمة مقراتهم ومنازلهم لفرض حالة من الرعب والتخويف، وملاحقة التمويل الشعبي لتلك المؤسسات ومحاصرة أنشطتها الخارجية.
لاشك أن تلك المؤسسات والجمعيات لها أثرها على الشارع الفلسطيني والمقدسي بالخصوص، والتي تحسست حاجاتهم وآلامهم، وعملت على تثبيتهم على أرضهم، أريد لها أن تكون ضحية من ضحايا الاحتلال لإذلال هذا الشعب وجعله بلا مقومات للحياة والاستمرار.

     ووصل الأمر أن منعوا مراكز المخطوطات في القدس من جلب المواد التي ترمم بها المخطوطات الإسلامية والتراثية؛ مما يزيد من تعرضها للتلف يوماً بعد يوم، فضلاً عن الممارسات الصهيونية للتضييق على المؤسسات العلمية والأكاديمية في القدس، وفي النهاية تسلب تلك المخطوطات وتصبح أسيرة الجامعة العبرية في القدس ليحققها باحث يهودي، ويدس السم بالعسل كما حصل في مخطوطة فضائل بيت المقدس لأبي بكر الواسطي!!

     أما في الكيان اليهودي فيوجد أكثر من (40000) منظمة غير ربحية، وهي تفوق منظمات العالم العربي والإسلامي بأسره وجمعياتها. وبلغت ميزانية المشروعات التي تدخل في هذا الإطار 11 مليار دولار في سنة واحدة، ويشكل الدعم الحكومي معظم موارد تلك المنظمات؛ حيث وصل الدعم الحكومي إلى 65%. ويعمل الكيان الغاصب على دعم القطاع المدني والخيري شريكاً للقطاع الحكومي والتجاري في عمليات التنمية , فللقطاع التطوعي جامعاته ومراكز بحوثه ودراساته ومستشفياته وشركاته الاستثمارية ومدارسه!!

أما في عالمنا العربي والإسلامي فإن نظرة الكثيرين للعمل المدني والتطوعي ومؤسساته لا تتعدى كونها نوعاً من المظاهر، وتضييعاً للأوقات والجهود، وهذه النظرة لها انعكاساتها السلبية على تقييم وتقدير الخدمات التي تقدمها المؤسسات المدنية والتطوعية.

المؤسسات العاملة من أجل الأقصى في قائمة الإرهاب:

 

     على الرغم من تزايد الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى، والتضييق على الوجود العربي في القدس، أدرجت الولايات المتحدة الأميركية قبل ثلاث سنوات تقريباً، (مؤسسة القدس الدولية) و(مؤسسة وقفية رعاية الأسرة الفلسطينية اللبنانية) على لائحة ما يسمى بـ(الإرهاب)، بزعم علاقتهما بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وجمع أموال لصالحها.

وفي ذلك الوقت أصدرت مؤسسة القدس الدولية بياناً جاء فيه: «إن هذا القرار هو قرار سياسي جائر ولا يستند إلى أي أدلة أو حقائق، وهو انصياع للإملاءات الإسرائيلية على الإدارة الأمريكية، وامتداد للقرار الإسرائيلي الصادر عام 2009 والقاضي بحظر المؤسسة.

ولا شك أن هذا الإجراء جزء لا يتجزأ من الحملة الصهيونية الرامية إلى تهويد القدس ووضع اليد على مقدساتها الإسلامية.

حظر الحركة الإسلامية هل هو آخر المطاف ؟!

     قبل أيام استدعت أجهزة أمن الاحتلال الشيخ رائد صلاح -رئيس الحركة الإسلامية في المناطق التي احتلت عام 1948م- ونائبه الشيخ كمال خطيب، ومسؤول ملف القدس والأقصى، وأبلغتهم بقرار حظر حركتهم ومؤسساتها العاملة كلها  من أجل القدس والمسجد الأقصى، وترادف ذلك مع مداهمة قوى الأمن مكاتب الحركة في مدينة أم الفحم وصادرت بعض الملفات والأجهزة.

     ذلك القرار بوصلته المسجد الأقصى، فقد أغلق الاحتلال جميع الدوائر ذات الصلة بالمسجد الأقصى من المسلمين، وحيد الضفة الغربية وقطاع غزة، ومنع سكانهما من دخول القدس والصلاة في الأقصى، وبالتالي تخلص من كافة الخنادق المحيطة بالقدس، والآن جاء دور الخندق الأخير وهو الحركة الإسلامية بمؤسساتها وأنشطتها الفاعلة لحماية المسجد الأقصى، ليشرع الاحتلال في مرحلة جديدة من الاقتحامات والصلوات التلمودية في المسجد الأقصى.

     فقد ملأت الحركة ومؤسساتها الفراغ الذي خلفته مؤسسات منظمة التحرير المحظورة في المدينة، وأهمها (بيت الشرق) وتحديداً بعد انتفاضة النفق ولاحقاً انتفاضة الأقصى، ولكنها لم تنشط يوماً في أعمال عنف فمهامّها المنوطة بها متوقفة على توفير خدمات دينية وتعليمية للمواطنين العرب داخل الخط الأخضر وحسب.

     فقد نجحت الحركة إلى حد ما في التصدي للانتهاكات المتعاقبة التي تقوم بها سلطات الاحتلال وقطعان المغتصبيين للمسجد الأقصى، وكشف الممارسات الصهيونية عبر وسائل متعددة، ودفعهم لتواجد «المرابطين والمرابطات» في المسجد الأقصى، الذين نجحوا في جعل مهمة المتدينين والمغتصبين اليهود صعبة إلى حد كبير.

     ولا شك أن ذلك العمل العنصري يستهدف الوجود العربي في الداخل الفلسطيني، ومعاقبة المؤسسات الفلسطينية، ومنعها من مواصلة دورها لحماية المسجد الأقصى، ونشاطها في تعزيز المسجد الأقصى بالمصلين والمرابطين وحلقات القرآن والدروس العلمية. فمنع المرابطين والمرابطات من التواجد في المسجد الأقصى، وعُدَّ الجلوس في بسطات العلم في ساحات المسجد الأقصى أمر محظور، ويعاقب عليه قانون الاحتلال!!

     وكشف القرار زيف مزاعم الديمقراطية وحرية التعبير والعمل السياسي التي يروجها الكيان الغاصب لنفسه، وجاء التوقيت لذلك الإجراء الصهيوني لاستغلال الأجواء التي نجمت عن هجمات باريس الأخيرة، والبحث عن ضحية جديدة يضيفها إلى قائمة ضحاياه، التي أراد تغييبها ليستمر وجوده على هذه الأرض.

في الختام أرى أن تطور الأحداث في فلسطين، أثر جداً على القرارات الصهيونية والتي هي أشبه بإعلان حرب على المجتمع العربي، من أجل تجريده من حقوقه التنظيمية والسياسية والدينية، وأظن أن الأيام القادمة ستحمل الكثير من التبعات لتلك القرارات.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك