رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عبدالباقي خليفة 28 يونيو، 2010 0 تعليق

الحجـــاب امتحان للعلمانية أم للديمقراطية والحريات العامة .. كوسوفا نموذجاً؟

 يوم الجمعة 18 يونيو 2010 م تظاهر الآلاف من المسلمين في كوسوفا (2.5 مليون نسمة)  احتجاجا على قرار الحكومة حظر ارتداء الحجاب في المدارس العامة، باقتراح من المؤسسات الدولية العاملة في البلاد؛ حيث لا تزال كوسوفا رغم إعلان استقلالها سنة 2008 تحت الوصاية الدولية، ممثلة في الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي. وقد خرج المتظاهرون من المساجد رافعين لافتات كتب عليها: «لا للتمييز ضد المسلمين» و«العهد الشيوعي الظلامي انتهى» و«لا تستخدموا دولتنا ضدنا» و«الحجاب حق أساسي من حقوق الإنسان والحريات العامة» و«الحجاب حق ديمقراطي». وجابت المظاهرات العديد من الشوارع ووقفت طويلا أمام مبنى وزارة التعليم التي وافقت على منع الحجاب.

 وتتم هذه الإجراءات التي أصبحت عالمية وتستهدف الإسلام والمسلمين، وسط جدل حاد بين من يعد منع الحجاب إجراء علمانياً يمثل محكا لعلمانية الدولة، وبين من يراه امتحاناً حقيقياً للديمقراطية والحريات العامة، ومنها الحرية الدينية، وهي أم الحريات . وقد بدا الأمر حرباً سافرة على المظاهر الإسلامية وتفريغاً للإسلام من أحكامه وتشريعاته، وليبقى مجرد اعتقاد باهت، يقف عند القول ولا يتجاوزه للعمل، ولا سيما أن بعضهم يتحدث عن فصل العقيدة عن الشريعة، والقول عن الممارسة، والاعتقاد عن السلوك.

أغلبية يراد لها أن تكون مضطهدة:

يمثل المسلمون، الألبان والبوشناق، في كوسوفا نحو 98 في المائة من عدد السكان، والبقية صرب (120 ألف نسمة)، وهناك بعض الكاثوليك من الألبان. ولكن الظلم والاضطهاد لا ينال سوى المسلمين، سواء في كوسوفا أم في غيرها من الدول، فلا أحد مثلا يتحدث عن حجاب الراهبات، ولا عمامة السيخ، ولا تنورة الإيرلنديين، ولا طاقية اليهود، رغم أن ما يلبسه هؤلاء ليس تشريعا دينيا في عرفهم، كما هو الحال مع الحجاب مثلا. وكانت كوسوفا قد شهدت كغيرها من الدول حالات منع المحجبات من مواصلة دراستهن بالحجاب، مثل الطالبة (داشورية)، التي تزاول تعليمها في الصف الرابع الثانوي في مدرسة (كوفينيد ليشيه) بمدينة (فيتيا)، ولم يشفع للطالبة تفوقها في الدراسة؛ إذ إن المعايير تتعلق بما في الرأس باللباس، كما يقولون، بل استخدمت هذه المقولة ضدها، في قلب للحقائق والواقع، فإذا كان المهم ما في الرأس لماذا تمنع لأنها محجبة؟! وهي متوقفة عن الدراسة منذ فبراير الماضي. ورغم تقدم المشيخة الإسلامية وأسرتها بشكوى للإدارات التعليمية ومنظمات حقوق الإنسان، مطالبين بضمان حرية التدين، كما هو الحال لغير المسلمين في البلاد، إلا أنها لم تظفر بالإنصاف المطلوب. وقال والدها: إن ابنته متفوقة في دراستها، ومن الظلم وقفها عن الدراسة بسبب الحجاب؛ لأن الذين وراء البحار يريدون ذلك. وقال نجاة خليلي عضو المجلس الإسلامي في كوسوفا (المشيخة): إن «الاتحاد قلق جدا بخصوص القضية فأمر الحجاب واجب شرعي إسلاميا، ومن أساسيات حقوق الإنسان، وهذه من السوابق الخطيرة في كوسوفا».

أريتا حليمي تعبر عن المأساة:

تعد (أريتا حليمي) (17عاما) نموذجا للمحجبة المضطهدة في كوسوفا، بتوصيات من المراكز الأوروبية، التي تعمل على القضاء على المظاهر الإسلامية، والتشريعات الإسلامية التي تحدد سلوك الإنسان المسلم، رجلا كان أم امرأة. وقالت (أريتا حليمي) في تصريحات صحافية بعد منعها هي الأخرى من مواصلة دراستها بسبب الحجاب: إن «عناصر الأمن قالوا لي إنه لا يمكنني الدخول إلى المعهد بالحجاب، وأردفت: قالوا لي إنهم تلقوا التعليمات من مدير المدرسة، وقد رفضت نزع الحجاب،» ومنذ ذلك الحين لم أتمكن من العودة إلى المعهد». و(أريتا) ليست من أسرة محافظة، بل اختارت بنفسها طريقة حياتها، حيث لديها 4 شقيقات غير محجبات. وكأن الحرص على تعرية المرأة، أو وضعها في قوالب معينة، أولى من التحصيل العلمي، بينما كان الواجب ترك الناس وما يدينون به دون تدخل في اختياراتهم وما يدينون به إيمانا وفهما وسلوكا.

بقي القول: إن المحكمة في كوسوفا حكمت لصالح أريتا، وطلبت إلى إدارة المعهد إعادتها، لكن ذلك لم يحصل، فهناك من يرى أن علمانية الدولة تعني تجريد الإنسان من سلوكه الذي تحدده معتقداته الدينية، أي أن يتخلى الإنسان عن الجانب التطبيقي في معتقده، لا سيما إذا كان هذا الإنسان مسلما. وعدت أمانة المظالم التابعة لوزارة العدل في كوسوفا، منع أريتا حليمي من العودة لدراستها بعد صدور قرار قضائي بذلك، «انتهاكا للدستور، وتأكيداً على عدم فعالية النظام القانوني، وأن هناك جهات فوق القانون»،  فالذين يصرون على منع الحجاب في المعاهد التعليمية والكليات، يسوغون ذلك بعلمانية الدولة. وكانت مدارس عدة قد منعت المحجبات من مزاولة دراستهن، منذ إعلان الاستقلال سنة 2008م. ويرى بعضهم بأن القول بحياد العلمانية، يفرض احتراماً متساوياً لجميع المعتقدات الدينية، إلا إذا كانت العلمانية تعني اضطهاد المسلمين ومنعهم من الحرية الدينية،فالمتدينون جزء من المجتمع ويشتركون مع غيرهم في المواطنة وفي الحق في العيش وفق معتقداتهم، التي لا تضر الآخرين، ولا سيما أن الدستور ينص على أن كوسوفا «دولة محايدة» في المسائل الدينية. فالتعليم وحرية المعتقد ليسا نقيضين، والتدخل في لباس الأشخاص ينفي حيادية العلمانية، بل ينفي إيمانها بأن الدين مسألة شخصية.

تسويغات متهافتة:

يعتقد بعضهم أن واضعي الدستور في كوسوفا كانوا على عجلة من أمرهم في التأكيد على علمانية الدولة «تفاديا لأي اتهامات بمحاولة إقامة دولة إسلامية». وهو ما يكشف عن مدى التدخل الغربي في الشؤون الإسلامية، ويضع أسئلة عدة حول الإجراءات التي تقوم بها بعض السلطات في العالمين العربي والإسلامي، كتونس، ضد الحجاب وعلاقتها ببعض الدوائر الدولية، والمجموعات المأزومة في الداخل. وتعتقد المشيخة الإسلامية في كوسوفا أن منع الحجاب «مساس مباشر بأهم مقومات حقوق الانسان، فالحجاب ليس رمزا وإنما تشريع الزامي للمؤمنات».

بقي القول: إن المعاهد في كوسوفا، قبلت من الفتيات المحجبات، أداء الامتحانات، وهو ما تحرم منه الفتيات في تونس. وقد عبرت المحجبات في كوسوفا عن إصرارهن على حقهن في ارتداء الحجاب؛ وقالت إحدى المحجبات: «لن أنزع حجابي؛ لأنه جزء من هويتي». وعندما أثار بعضهم مسألة وضع النصارى للصليب، لم يرفض المسلمون ذلك، وقالوا: ليعبر كل عن معتقده بدون أي قمع أو اضطهاد. بل إن النصرانيات يضعن الصليب، ولكنهن لا يبرزنه، والحجاب ليس رمزا وإنما التزام ديني، ومن يرتدينه يعتبرنه فرضا دينيا، حتى وإن لم ير الآخرون ذلك، فهم ليسوا مراجعها الدينية، فضلا عن أن يكونوا متدينين أصلا.

العلمانية تؤكد معاداتها للتشريع الإسلامي:

ويقول بعضهم: إن العلمانية ليست ضد العقيدة وإنما تستبعد التشريع الإسلامي، أي إنهم يريدون أن يفصلوا الاعتقاد عن العمل؛ إذ إن تحريم الخمر تشريع، والحجاب تشريع، وصوم رمضان والصلاة والحج تشريع، وفصل القول عن العمل، هو إفراغ للإسلام من مضامينه، وهذا أمر لن يقبل به المسلمون أبدا وإذا كانت العلمانية هي فصل القول والاعتقاد عن العمل، فهي ضد الدين بدون أي محاولات للتعمية والاختفاء وراء الكلمات الملتوية، وكأن ارتداء الحجاب في كوسوفا، قد أثار مقولة «العلمانية في امتحان»، ورد أنصار الحجاب بأن «الديمقراطية والحريات العامة والحرية الدينية في صلبها في امتحان»، بل هناك من أنصار الحجاب، من رفع شعار: «الإنسانية في امتحان) معتبرا أن الهجمة على الحجاب «تعبير عن ضيق أفق، وعن كراهية دينية، وعودة بالعالم إلى عهود الظلم والقهر بأسماء خداعة»، ومن الخداع ما ذكره أحد أنصار فصل التشريع عن الدين، وهو وزير الثقافة التونسي السابق عياض بن عاشور حيث قال في كتاب له صدر حديثا: إن «الدين كتشريع يجب تطبيقه، ينبغي فصله عن الدولة» وإن المزج بين التشريع والدولة لا يتطابق مع (الحداثة).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك