رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سحر شعير 28 مايو، 2018 0 تعليق

الجود في رمضان.. كيف يؤثر في الأبناء ؟


إذا كان شهر رمضان الكريم هو شهر التربية العملية التطبيقية بامتياز فإن من أعظم وسائل تلك التربية هو التدريب العملي على الجود والعطاء؛ فشهر رمضان هو شهر التكافل والتضامن الاجتماعي بجانب أنه شهر التربية الروحية والأخلاقية والسلوكية، ومن معالم ذلك الشهر العلاقات التكافلية القوية بين أفراد المجتمع -الأغنياء والفقراء-؛ فالدعوة للبذل والعطاء سمة بارزة في شهر الصيام، وهو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد كان أَجْوَد بِالْخَيْرِ في هذا الشهر مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ؛ فإلى هذه السطور لنتعرف على الفوائد التربوية لخُلق الجود والعطاء.

الحس الاجتماعي

- تنمية الحسّ الاجتماعي والحدّ من النزعة الفردية: قلوب الصغار رقيقة لينة، تتأثر بقوة، وتتشكل بحسب القدوات المؤثرة فيها من حولها، والحياة الاستهلاكية التي يعيشها الصغار تجعلهم مشغولين دائماً بعدد من الطلبات، ويريدون من الآباء تلبيتها؛ لذلك لابد من تعويدهم مبكراً على الانشغال بالمحتاجين من حولهم، وألا يكون أحدهم أنانياً فردياً، يضع حاجاته الشخصية في المقام الأول، وينسى أخاه المسلم المحتاج؛ فهذا الخلق ليس له وجود في الإسلام، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به». (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

     وعندما يرى الأطفال آباءهم وهم يتحينون رمضان ليخرجوا صدقاتهم وزكاة فطرهم يتعلم الأبناء منهم كيف يتفاعل المسلم مع أخيه المسلم المحتاج، أو الذي يمر بضائقة، وكيف يحب المسلم السعة والكفاية لأخيه، ولاسيما إذا كان الآباء حريصين على تعلم أبنائهم هذا الأمر، وتدريبهم عملياً على المشاركة في إعداد الصدقات وترتيبها مع الوالدين أو الأشقاء الأكبر سناً وتوزيعاها.

السلف وأبناؤهم

- السلف يدرّبون أبناءهم على الصدقة: كان السلف يعتنون بتدريب أبنائهم على أعمال الخير والعبادات كلها، ومن أجلِّها الصدقات، فحديث المربي مراراً لولده عن الصدقة وفضلها لا يعدل تدريبه عملياً على إعدادها وإعطائها للفقير، وما في ذلك من تعليمه الأدب في التعامل مع المساكين عند أداء الصدقة إليهم، وبالطبع لابد أن يكون ذلك تحت الإشراف والرقابة المباشرة للوالدين، ومثال ذلك:إعطاء الطفل صدقة في يده كي يناولها للمسكين بنفسه، أو اصطحابه عند توزيع الصدقات؛ مما يكون له أكبر الأثر في انطباع نفسه على الرحمة بالفقراء والعطف عليهم.

ولعل في مسلك عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- ما يشهد لذلك: «فقد جاء سائل إلى ابن عمر فقال لابنه: أعطه ديناراً» - التمهيد لابن عبد البر 4/256-.

البدء بالأقربين

- البدء بالأقربين في العطاء والجود: يرتبط شهر رمضان بصلة الأرحام ارتباطاً وثيقاً، ولا شك أنّ الطفل الذي نشأ في أسرة متماسكة ومترابطة يكون أكثر استقراراً نفسيًا وذهنيًا وعقليًا من الطفل الذي تربى في أسرة مفككة، لا تعرف صلة الرحم في رمضان ولا في غيره.

     وقد جعل الله -تعالى- حق الأقارب المحتاجين في الصدقة مقدماً على غيرهم، وذلك وفاء بحق الرحم بين أهلها، والواجب التربوي هنا أن نبين للابن أن للقريب حقا في الصدقة والصلة أكبر من غيره، قال -تعالى-: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} (الإسراء:26) فنصطحبه أو نرسله للأقارب بالصدقة في صورة الهدية المعتنى بها، ونجعل لهم الأولوية في الدعوة على الإفطار أو إرسال طعام الإفطار لهم كهدية أيضاً، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا»، فكم تترك هذه الأعمال من أثر طيب في نفس الأبناء، وتزرع فيهم الخلق النبيل والقيم السامية؛ مما يؤثر تأثيراً كبيراً على مستقبلهم بوصفهم أفرادا صالحين مصلحين -بإذن الله تعالى.

المشاركة في العمل الخيري

     أثر مشاركة الأبناء في العمل الخيري لمسجد الحيّ: حضور الطفل للصلوات مع والده في مسجد الحيّ، يهيئ له أيضاً التفاعل الجيد مع جيرانه، ومعرفة الفقير والمحتاج، ومعرفة الغني الذي يتوقع أن يساهم في تلك الأنشطة، ومن خلال المشاركة العملية بالترتيب مع إمام المسجد تتكون لدى الطفل طاقة هائلة ورغبة كبيرة في إيصال النفع لإخوانه. إننا بذلك لا نربي الأبناء على حب الخير فقط ولكن نؤسس لصحتهم النفسية السليمة، ولا شك أن جود النفس بالصدقة الجيدة من الكسب الحلال من أكبر أسباب انشراح الصدر وطمأنينة النفس، وقد أثبتت الدراسات أن الشباب والناشئة الذين درجوا على الاشتراك في الأعمال الخيرية التطوعية يتمتعون بالاستواء النفسي، ويكونون أقل تعرضاً للأمراض النفسية مثل القلق أو الاكتئاب.

التحذير من المن

     التحذير من المنّ بالعطاء: يحذر المربي ولده من محبطات الصدقة، فقد حذرنا الله -عز وجل- من محبطات الصدقة، مثل:المن، والأذى، والرياء، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (البقرة:264).

     فالمَنّ: هو ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها مثل أن يقول: قد أحسنت إليك، وأعطيتك كذا وكذا، وقيل المَنّ هو التحدث بالعطاء حتى يبلغ ذلك من أعطاه؛ فيؤذيه ويجرح مشاعره، والأذى:هو السبّ والتشكّي وهو أعم وأوسع من المَنّ، لكن القرآن الكريم نصّ عليه لكثرة وقوعه، وأما الرياء فهو:أن يقصد بالصدقة رؤية الناس لصدقته، وقد يعتري الصغار ما يحدث للكبار من تزيين الشيطان لهم بالرياء أو المنّ بالصدقة واستكثار العمل، وكل هذه المحبطات أخلاق سيئة لا تليق بالمسلم إلى جانب خطرها على أجر صدقته وثوابها، ولكن نعلمهم الأدب الرباني في تشريع الاستغفار بعد الكثير من العبادات، قال -تعالى-: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون}، قال الحسن في تفسيرها: مَدّوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون.

 

استشارة: ابني يريد التصدق بمصروفه كله في رمضان، هل أوافقه وأشجعه أم أمنعه من ذلك؟

- لابد أن يكون للمربي توجيه وإشراف على الابن في الطريقة التي ينفق بها المال، فيبين له أن المسلم مأمور بحفظ ماله الذي اكتسبه من حلال وعدم تبديده، وأن ذلك ينطبق أيضا على الصدقة، «إنما النفقة بالمعروف»؛ وذلك لأن المال قوة للمسلم، فبه يحفظ كرامته، ويستغني عن المسألة.

- يبين المربي للابن أن الصدقة طُهرة للمال، وأنها تزيده وتنميه ولا تنقصه أبداً، «ما نقص مالً من صدقة»، وبالتدريب العملي يزداد يقين الابن في هذه الحقيقة الإيمانية العظيمة.

- لا مانع من السماح للابن بأن يتصدق بما يملك في مواطن وأوقات يُحمد فيها ذلك، مثل مواسم الطاعات كشهر رمضان المعظم، وكذلك في أوقات المحن العامة التي تنزل بالمسلمين كالمجاعات والكوارث، أو حالات المحن الخاصة كنزول محنة تقتضي الإغاثة الفورية بأحد الأقارب او الجيران أو الأصدقاء.

- أوسط الأمور في هذا الموقف أن يسمح للابن بالتصدق بمصروفه كاملاً في رمضان، على أن يبقي لنفسه جزءاً ينفقه في نزهة العيد مثلاً مع أقرانه وأصحابه.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك