رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: رضا الخطيب 8 فبراير، 2016 0 تعليق

التوحيد وبـنـــاء الأمــة (3)

لا يخفى على عاقل ما آل إليه حال أمتنا من الذل ومن الضعف ومن الفقر؛ فقد ذلت بعد عز، وضعفت بعد قوة، وافتقرت بعد غنى، وصارت مستباحة الجانب مهضومة الجناح، وتسلط عليها من لايدفع عن نفسه، وتكالب عليها أعداؤها من كل حدب وصوب؛ لكن عباد الله؛ إذا أردنا أن تعود الأمة إلى عزها ومجدها كسالف عهدها فلا صلاح لها ولا فلاح إلا بما صلح به أولها؛ فقد صلح أولها بتحقيق العبودية لله التي لاتستقيم إلا على ساق التوحيد.

التواضع

     تواضع النفس الموحدة وخوفها وانكسارها لخالقها، بل افتقارها إليه -سبحانه وتعالى- لماذا؟ لشعورها أنها بحاجة إليه في كل لحظة؛ فهو مالكها، ومدبرها؛ مما يزيد العبد افتقارًا والتجاء إليه -عز وجل-، ويزيده ترفعًا عن المخلوقين ومما في أيديهم؛ فالمخلوق ضعيف فقير عاجز أمام قدرة الحق عز وجل، الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، هنا يشعر الموحد بأنه يأوي إلى ركنٍ شديد، وأنه في سعادةٍ عظيمة، كيف لا؟ وهو يشعر بذله وانكساره وافتقاره، وعبوديته لملك الملوك! والكثير من أهل التوحيد غفلوا اليوم عن هذا الأثر (الافتقار والانكسار).

     هذه الثمرة من أعظم ثمرات التوحيد على النفوس، حُرِمها الكثير منا؛ فراحة النفس وسعادة القلب -والله الذي لا إله غيره- هي في الذل والانكسار للخالق -سبحانه وتعالى-، والافتقار إليه والانكسار بين يديه، فلنلجأ إلى الله -عز وجل- ولنعلن ضعف أنفسنا لله وحده، هنا سيشعر الموحد بالقوة العجيبة، وبالصبر والثبات؛ لأنه يعلم أنه يأوي إلى الذي بيده ملكوت السماوات والأرض الذي يدفعه، ويحوطه ويحفظه.

اليقين

اليقين والثقة بالله -عز وجل- فصاحب التوحيد على يقينٍ من ربه، مصدق بآياته، مؤمن بوعده ووعيده كأنه يراها رأي العين، فهو واثق بالله متوكل عليه راضٍ بقضائه وقدره، محتسب الأجر والثواب منه.

     النفس الموحدة تمتلئ بالطمأنينة والسكينة حتى في أشد المواقف، وأصعب الظروف، ألم نقرأ في القرآن: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} (الأنعام:82)، يقول ابن تيمية -رحمه الله-: والناس وإن كانوا يقولون بألسنتهم لا إله إلا الله، فقول العبد لها مخلصًا من قلبه له حقيقة أخرى.

الحقيقة

- ما هذه الحقيقة؟ يقول تلميذه ابن القيم عن شيخ الإسلام الذي ذاق هذه الحقيقة كما نحسبه والله حسيبه: «وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من روحها ونسيمها، وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها» إلى آخر كلامه.

الابتلاءات

هكذا النفس الموحدة مهما أصابها في الدنيا، ومهما كانت الابتلاءات والامتحانات، ومهما كانت الشدائد على تلك النفس، فإنها تعلم أنها قد تجازى بسيئاتها في الدنيا بالمصائب التي تصيبها؛ ولذلك

     لما سأل أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} (الزلزلة:6-7) قال أبو بكر: يا رسول الله؛ وأينا لم يعمل سوءًا؟ فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر؛ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به نعمة الله على عباده.

الرضا

     إذًا: فما يصيبك أيها الموحد من بلاءٍ أو مرض، أو نصب أو تعب، فإنك مأجور مخلوف عليك عند الله -سبحانه وتعالى-؛ فالتوحيد يسليك عند المصائب، ويهون عليك الآلام، وبحسب مقدار ما في القلب من لا إله إلا الله يكون الصبر والتسليم والرضا بأقدار الله -سبحانه وتعالى- المؤلمة. يقول ابن القيم في إغاثة اللهفان: إن ابتلاء المؤمن كالدواء له، يستخرج منه الأدواءَ التي لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاءُ والامتحانُ منه تلك الأدواء، ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة، ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده؛ لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»، إذًا: هذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافيته.

النصر

     رابعًا: اليقين بنصر الله وتحقيق وعده؛ فقد تكفَّل الله لأهل التوحيد بالفتح والنصر والعزة والشرف، كما قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} هذا هو الشرط، فالتوحيد هو الشرط، فإذا وقع الشرط وقع المشروط: {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور:55).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك