رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: رجب أبو بسيسة 22 سبتمبر، 2017 0 تعليق

التوجيه.. ودوره المؤثر في التربية


لابد أن يكون للمعلم دور مؤثرفي التوجيه والتربية بصفة عامة، وإهمال المعلم لهذا الدور يعني أن العملية التربوية في  خطر كبير؛ فالتوجيه بمثابة البوصلة نحو الهدف الذي يريد المعلم إيصال الطالب إليه، فمتى فقد التوجيه كان بمثابة سفينة في البحر فقدت بوصلتها، فكيف تصل إلى ما تريد؟!

     وتأمل فعل النبي صلى الله عليه وسلم  حينما شعر ببداية انحراف لا يكاد يراه إلا المربي الحاذق في دوره، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه - قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم -، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم -؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر، أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم - إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، فانتباه النبي -صلى الله عليه وسلم - وتوجيهه لهم كان بمثابة الحفاظ على الجانب الفكري والسلوكي عندهم، وإلا لو تركهم لفكرهم وسلوكهم لسبب ذلك خللا في قضية الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم -؛ حيث قالوا: «وأين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، وهذا ما دفعهم إلي مزيد من الاجتهاد، ولكن في غير محله وموطنه!

وأحوج ما يكون المتربي إلى التوجيه في أوقات الفتن والأزمات؛ لأنه حينها قد يتخذ قرارات خطأ أو يعتقد اعتقادات باطلة.

موقف الصديق أبي بكر

     وما أجمل موقف أبي بكر الصديق -رضي الله عنه - الذي ضرب لنا نموذجا رائعا في أهمية التوجيه؛ وذلك أنه عند وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم - اضطرب الصحابة -رضوان الله عليهم- اضطرابا شديدا، حتى ذهل بعضهم فلم يستطع التفكير، وقعد بعضهم لا يستطيع القيام، وسكت بعضهم لا يستطيع الكلام، ، بل وصل الأمر إلى أن أنكر بعضهم موت النبي -صلى الله عليه وسلم -! ومنهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -؛ فقال: والله ما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم.

حالة من الاضطراب والحيرة

     وظل الصحابة -رضوان الله عليهم- على هذه الحالة من الاضطراب والحيرة يتمنون صحة كلام عمر -رضي الله عنه - حتى جاء أبو بكر -رضي الله عنه - فكشف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فقبَّله (بين عينيه)، ثم قال: بأبي أنت وأمي، طبت حيا وميتا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك،  فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبوبكر وأثنى عليه، ثم قال: ألا من كان يعبد محمد -صلى الله عليه وسلم - فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: {إنك ميتك وإنهم ميتون} (الزمر:30)، وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران:144)، فنشج الناس يبكون».

     فانظر إلى موقف الصديق -رضي الله عنه - وكيف كان لتوجيهه الأثر الأبلغ في الحفاظ على الأمة في موطن مصاب وفتنة بفقدهم النبي -صلى الله عليه وسلم -، وتخيل لو بقيت الأمة في هذا الموطن دون توجيه! لاسيما في موقف تحكمت فيه العاطفة، وهاجت المشاعر لفقدهم النبي -صلى الله عليه وسلم - حتى نسي بعضهم الآيات!

      فالتوجيه في مواطن الفتن أمر في غاية الأهمية، فكيف بمن لا يريد التوجيه عند حدوث الفتن بدعوى أن الناس مجروحة أو لا تتحمل الكلام؟! فرضي الله عن الصديق الأول أبي بكر.

ثلاثية التوجيه (بناء-وقاء-علاج)

- كانت توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم  تصب غالبا في هذه المحاور الثلاثة؛ فمنها ما يكون للبناء، ومنها ما يكون للوقاء، ومنها ما يكون للعلاج، ومنها ما يشتمل على اثنتين معا، ومنها ما يشتمل عليها جميعا.

- وتأمل أولا في قوله -تعالى- حكاية عن لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان:17).

     {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ} هذا توجيه بنائي يغرس في الإنسان الإيجابية وتحمل المسؤولية، {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} يصب هذا التوجيه في الاتجاه الوقائي؛ لأن الإيجابية والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يترتب عليه إيذاء أو استهزاء وسخرية، وعلى الداعية أن يصبر عن ذلك.

لما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم - عمر بن أبي سلمة -رضي الله عنه - وقد طاشت يده في القصعة قال له: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك».

«سم الله وكل بيمينك» هذا توجيه بنائي، «وكل مما يليك» هذا توجيه فيه العلاج؛ حيث كانت يده تطيش في الصحفة فعلمه وعالجه، وكل علاج يتحول بعد ذلك إلى وفاء لمن أراد الاستقامة، فلا يقع صاحبه غالبا في ذلك الخطأ مرة أخرى، كما قال عمر بن سلمة: «فما زلت تلك طعمتي بعد».

- قوله -صلى الله عليه وسلم -: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع»، يصب في وعاء البناء والوقاء.

«مروا أولادكم بالصلاة...» هذا توجيه بنائي؛ حيث يتعلم الصبي الصلاة ويتمرس ويتدرب عليها وهو لا زال صغيرا.

     «وفرقوا بينهم في المضاجع» هذا توجيه وقائي؛ حيث يتربى الشاب على التفريق في المضاجع منذ الصغر؛ مما يحفظ المجتمع من الكثير من السلبيات والمخالفات الشرعية، ويبتعد به عن الانحراف الأخلاقي والسلوكي بجميع صوره.

جوانب تحتاج إلى توجيه

حفظ القرآن الكريم

1- لابد أن يكون هناك توجيه في جانب حفظ النصوص ولاسيما القرآن الكريم؛ فعليك أن توجه الشاب إلى حضور حلقات القرآن والاعتناء به، لاسيما الاعتناء به فهما وتدبرا وهذا أمر لربما يهمل في خضم الاهتمام بالحفظ!

بعض المربين يرهق الطالب إرهاقا بالغا في الحفظ فقط، ويهمل جانب التدرب والفهم والعمل! وهذا أحرى بالتركيز والتوجيه إليه.

     قال عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه -: «كنا إذا تعلمنا من النبي -صلى الله عليه وسلم - عشر آيات من القرآن، لم نتعلم من العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيه». قيل لشريك: من العمل؟ قال: نعم.

اغرس فيه أن هدايتك مرهونة بفهمك للقرآن، قال -تعالى-: {طه ما آنزلنا عليك القرآن لتشقى} (طه:1-2).

     فالسعادة والفلاح في فهم القرآن وتدبره والعمل به، قال -تعالى-: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} (طه:123-124).

القراءة في كتب السنة

     عليك أن توجه الطالب أيضا إلى القراءة في كتب السنة، وتعظيمها وحفظها وفهمها وتطبيقها، ولاسيما وأن هذا الجانب أصبح مهملا داخل بعض المحاضن التربوية، واستبدلوا به دراسة التنمية البشرية والأنماط السلوكية!

      وليس الخطر في دراستها، بل في الاستغراق فيها مع إهمال السنة. ولو أننا قربنا الشباب من السنة وحببناها إليهم لتعلموا كيف يتعاملون مع أنفسهم ومع المجتمع من حولهم؛ لأن السنة بركة، وهكذا كان فهم السلف -رضي الله عنهم أجمعين؛ لذلك يقول الإمام مالك -رحمه الله-: «السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق».

     وتزداد حاجتنا إلى الاهتمام بتوجيه الشباب للسنة لما نرى من حملات التشويه والطعن فيها، فحري بالمربي أن يحث الشباب على حفظ السنة وفهمها وتطبيقها، وأن يجعل لهم ورد مطالعة وتطبيق في الآداب النبوية والأخلاق المحمدية، حتى يقترب الشباب من السنة أكثر، فيسهل عليهم العمل بها والذب عنها، والله من وراء قصد.

معرفة فضائل الصحابة

من المهم أيضا توجيه الطالب إلى معرفة فضائل الصحابة ومنزلتهم، وأننا مأمورون بحبهم والاقتداء بهم.

     يقول الإمام الطحاوي -رحمه الله-: «ونحب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان».

     اغرس فيهم قول عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه -: «من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم -، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم ورب الكعبة».

      علّمهم أن من خصائص أهل السنة سلامة قلوبهم وألسنتهم لصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم - كما وصفهم الله -سبحانه وتعالى- بقوله: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (الحشر:10).

وطاعة للنبي -صلى الله عليه وسلم - في قوله: «لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».

ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - وعن غيره أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عمر.

     علّمهم أن من خصائص أهل السنة أيضا محبة أهل البيت وموالاتهم؛ فقد قال -تعالى-: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (الشورى:23). أي: أسألكم أن تحفظوني في قرابتي، بأن تحسنوا إليهم ولا تؤذوهم بأي نوع من الأذى.

      أيها المربي، هذه المعاني في غاية الأهمية؛ فهي بمثابة الوقاية أمام طعن الطاغين في الساحات الفكرية، فلابد من التصدي له وعدم إهماله؛ فاهتم بتوجيه النشء إليه، وعلّمهم كيف يتصدوا له.

دراسة تراجم السلف

     من المهم أيضا توجيه الطالب إلى دراسة تراجم السلف وأحوالهم والنظر في هممهم والاطلاع على حكاياتهم؛ لما له من أبلغ الأثر في صناعة الاهتمامات والسعي في محاكاتهم والتشبه بهم.

قال أبو حنيفة -رحمه الله-: «الحكايات عن العلماء أحب إليّ من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم».

تنبيهان

     ليس معنى التوجيه أن يلغي المربي شخصية الطالب وميوله، أو أن يسعى إلى إخراج نسخ كربونية منه، ولكن التوجيه يعني أن يقوم باكتشاف الطاقات وتنمية المهارات وتقويم الأخطاء وغرس القيم، وأن ينمي الطالب في الجانب الذي يجيده ويميل إليه.

     فنحن كما نريد من المربي أن يخرج لنا معلمين ومربين نريد منه أيضا أن يخرج لنا خطباء وأدباء ونُسّاك، ومن يعمل في المجال الاجتماعي والسياسي، حتى ولو لم يكن المربي يجيد تلك المجالات أو يحسن العمل فيها.

وانظر إلى سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم - المربي الأول، وكيف استطاع أن يخرج للأمة جيلا متميزا في مجالات شتى.

     فالصحابة -رضوان الله عليهم- منهم من كان قائدا للجيش، ومنهم من كان عالما بالحلال والحرام، ومنهم من كان متمكنا في علم الفرائض، ومنهم من كان متميزا في قراءة القرآن، وهكذا.

فعلى المربي ألا يوجه الطالب إلي اهتماماته هو، بل عليه أن يوجههم إلى اهتمامات الأمة والواقع وتحدياته.

مما ينبغي الانتباه له أيضا أن بعض المربين قد يترك التوجيه أو يهمله خشية فقدان الطلبة أو نفورهم، ولا شك أن هذا حاجز وهمي!

      فالشريعة الغراء لم تترك التوجيه في أصعب المواقف وأشدها على نفوس الصحابة؛ ففي غزوة أحد لما تساءل الصحابة عن سبب الهزيمة جاء التوجيه أنه من عند أنفسهم، قال -تعالى-: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:165).

      وغالبا لا تكون النفرة من مضمون التوجيه؛ لأنه يحمل في طياته شفقة الموجَّه وحبه ورحمته بالموجَّه له، ولكن غالبا ما تكون النفرة بسبب الطريقة والأسلوب، فانتبه بارك الله فيك! 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك