التصوف السياسي وخطره على الأمة
العصر المملوكي في مصر والشام وبلاد الحرمين كان أعظم عصور ازدهار التصوف؛ وذلك لأن الحكام كانوا في أمس الحاجة لتأييد الصوفية لهم
استفاد شيوخ الطرق من قربهم من السلطة فتدفق المال على مشايخهم وكان لهم مكانة وصَولة في البلاد وانتشرت قبور الأولياء والخرافات حولهم وكان من يظهر السنة يعاقب أشد العقاب
استكمالاً لما بدأناه في العدد الماضي من عرض لندوة التصوف السياسي التي عقدها مركز ابن خلدون للدراسات الإستراتيجية، نكمل الحديث عن محاضرة الدكتور محمد السعيدي التي جاء فيها:
العصر المملوكي والتصوف
العصر المملوكي في مصر والشام وبلاد الحرمين، كان أعظم عصور ازدهار التصوف؛ وذلك لأن الحكام كانوا في أمس الحاجة لتأييد الصوفية؛ فقد انقلبوا على سلطة الأيوبيين، وكانوا في حاجة إلى إخضاع الجماهير حتى لا ينصروهم، كما أنهم مماليك لا تُجِيز الشريعة توليهم للحكم، فإذا التفت العلماء للشريعة وتابعهم العامة،لم يكن لهؤلاء المماليك قدرة على تدبير أمر السلطنة كما يشاؤون، ولما كان العز بن عبد السلام من العلماء العاملين ولم يكن ممن عرفوا بالخرافة، وإن كان قد لَبِس خرقة التصوف كسائر علماء عصره، إلا أنه لم يكن صاحب طريق، وقد أقبل العامة عليه حتى خشي المماليك منه، وحين تولى القضاء أبى أن يُقر المماليك على مناصبهم حتى يتم بيعهم في المزاد، وتؤدى قيمتهم لبيت المال، ويعتقهم من اشتراهم، وتم ذلك ، و عرض الأمراء في المزاد ودفع الملك الصالح أيوب قيمتهم وأعتقهم؛ ولما تولى السلطنة الظاهر بيبرس أبى العز بن عبد السلام أن يبايعه حتى يأتي بالبينة على عتقه، وأقام الملك الظاهر البينة على عتقه فبايعه الشيخ والعلماء من بعد، وبقي الملك الظاهر لا يستطيع تجاوز الشيخ في أمره ونهيه حتى مات الشيخ -رحمه الله- سنة (٦٦٠هـ)، وحينها قال الملك الظاهر بيبرس: ما استقر ملكي إلا الآن، كما نقله الأسيوطي في حسن المحاضرة، ٢/ ٩٥.
دعم الظاهر بيبرس للتصوف
لذلك لجأ الظاهر بيبرس بعد وفاة العز بن عبد السلام لدعم التصوف الخرافي، فكان يُظهر الاعتقاد في السيد البدوي، وينزل لزيارته في طنطا ويقبل قدميه، كما كان يظهر الاعتقاد في خضر بن موسى المهراني، ويقيم له الزوايا في عدد من المدن.
واشتهر العصر المملوكي عموماً بأنه أكثر العصور دعماً لانتشار التصوف الخرافي وتقاليده، بل إن تقاليد المتصوفة الخرافيين المقبورين التي نراها اليوم، قد اكتمل تكوينها في العهد المملوكي، واستطاعوا من خلالها البقاء في حكم مصر والشام دون منازع ما يزيد على ثلاثة قرون، حتى هزيمتهم أمام العثمانيين سنة ٩٢٢؛ وهذه المدة من الزمن تعد طويلة جداً في حكم فئة ليس لهم من مقومات الحكم سوى انفرادهم بأمر الجيش؛ فليسوا من أصول أهل البلاد ولا يتمتعون بنسَب، فلم تخضع لهم هذه الرقعة العظيمة من البلاد إلا بعد تغييب أهلها، وإبعادهم عند الجندية والتجارة وإشغالهم بالخرافة والفكر الجبري.
شيوخ الطرق والسلطة
وقد استفاد شيوخ الطرق من قربهم من السلطة أيضاً، فتدفق المال على مشايخهم، وكان لهم مكانة وصولة في البلاد، وانتشرت قبور الأولياء والخرافات حولهم، وكان من يظهر السنة يعاقب أشد العقاب كما صُنِع بابن تيمية - رحمه الله - الذي جاهر بمحاربة البدع والخرافات، وسعى لإعادة الدين إلى نقائه الذي كان عليه أيام رسول الله وصحابته الكرام، وصار العلماء بعده من أهل الاجتهاد واتباع منهج السلف يخافون من إظهار ما يعتقدونه لشدة ما يصيبهم من الأذى.
الدولة العثمانية والتصوف
ولم تكن الدولة العثمانية أحسن حالا، بل شجعت الدولة التصوف في جميع أرجائها، وانتهت لإبعاد المواطنين الأتراك أو العرب عن العمل في الجيش، وكونوا كتائب الانكشارية، وفكرتهم هي الفكرة نفسها التي استخدمها الخليفة المعتصم في استجلابه الترك من الرقيق وغيرهم؛ ليتولوا الجيش ويبعد عنه عناصر المواطنين من العرب والفرس، وهي الفكرة التي تطورت عنها فكرة الصالح أيوب، حين اشترى الرقيق الأتراك والجراكسة؛ ليحلوا محل الأحرار من العرب والترك.
وأشغل العثمانيون المواطنين بالتصوف، وبنوا الخانقاءات والتكايا التي لا يزال كثير منها قائما في العواصم العربية كدمشق والقاهرة، وفي الوقت الذي كان يعاني فيه الناس وطأة الضرائب، أعفى الولاة العثمانيون شيوخ التصوف في أغلب الأحيان من دفعها، وبلغ حجم الحرية التي أُعطيت للمتصوفة داخل الدولة العثمانية أن أصبح المتصوفة دولة داخل الدولة.
التحريض على الدولة السعودية
وقد حرضت الدولة العثمانية شريف مكة وولاة العراق على القضاء على الدولة السعودية من بداية نشأتها، وما يقال إن ذلك كان بعد إحساس العثمانيين بخطر الوهابيين عليهم غير صحيح؛ فإن السلطان محمود أرسل إلى الشريف مسعود يطلب منه القضاء على محمد بن عبد الوهاب سنة ١١٦٥، وذلك قبل أن تتجاوز حدود الدولة السعودية مدينة الدرعية، لكن السبب الحقيقي في هذا العداء المبكر، هو نزعة الدولة السلفية السعودية بدعوتها التجديدية إلى نسف الخرافة والبدعة والمذهب الجبري الذي بواسطته كانت بلاد العرب ولاسيما الواقعة تحت سيطرة العثمانيين ترزح تحت وطأة الظلم والجهل والخرافة، فضلا عن الفقر والجوع وسلب الخيرات.
اللجوء إلى محمد علي باشا
ولما لم تفلح محاولات العثمانيين في ضرب الدعوة والدولة، لجؤوا إلى محمد علي باشا والي مصر المستقل بحكمها ذاتياً، وهو أيضا صوفي يقال إنه بكداشي، وقد تحمل هذه المهمة وشجعته عليها كلٌ من بريطانيا وفرنسا، وحين استطاع إبراهيم بن محمد الوصول إلى الدرعية وضربها بعد أشهر من الحصار وأسر الإمام عبدالله بن سعود -رحمه الله- وفعل الأفاعيل بالعلماء والناس؛ أقام احتفالاً بمناسبة النصر حضره مدير شركة الهند الشرقية، الذي يعد ممثل الاحتلال البريطاني للهند والمسؤول عن المستعمرات البريطانية في الشرق والشرق الأقصى.
وقد حظيت هذه الجريمة بمباركة علماء الصوفية؛ حيث رافق الحملة ضد الدرعية بعض علماء الأزهر من المتصوفة، بل كانت بفتاوى من بعض أهل العلم من المبتلين بالتصوف كالشيخ أحمد بن محمد الصاوي (تـ١٢٤١ه) - أحد شيوخ الطريقة الخلوتية - الذي فسر قوله تعالى: {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله} بأن المقصود بهم أتباع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وقد زاد محمد علي باشا من سلطة المتصوفة فرفع ولاية الأزهر عليهم، وأصدر عام ١٨١٢م قانوناً يعطي للشيخ البكري سلطة مطلقة على الطرق الصوفية وما يتبعها من زوايا وتكايا، وبذلك تم الفصل التام بين العلم الشرعي والتصوف؛ ومِمَّا هو متيقن أن الخرافة قد تشربتها الطرق الصوفية حتى مع ولاية الأزهر، إلا أن العلم كان يعصم الشيوخ في كثير من الأحوال عن أن يكونوا ذيولاً للحكام، لكن مع الفصل التام للتصوف عن العلم أصبح تحكم الدولة تاماً في الطرق الصوفية وتابعيها.
وفي محاولة للخديوي عباس - الذي عزل من الحكم حدود ١٢٩٤هـ - لتقوية جانبه ضد المعتمد البريطاني (كرومر)، أعطى توفيق البكري شيخ الطرق الصوفية مزيداً من الصلاحيات، وأدخله في أعمال الدولة، إلا أن البكري جاء عمله على خلاف ما أراد الخديوي، فتقرب من كرومر الذي أصبح وثيق الصِّلة به ويزوره في بيته، كما يذكر ذلك تفصيلا عمار علي حسن في كتاب (الصوفية والسياسة في مصر).
وقد وجد من علماء الصوفية من ناصحوا الحكام، وشددوا عليهم، وقالوا كلمة الحق أمامهم، لكن ذلك لم يكن هو الغالب، بل كان لأفراد قلائل عبر التاريخ.
الصوفية واحتلال بلاد المسلمين
وَمِمَّا هو مهم جداً أن نعلمه أن شيوع الطرق الصوفية كان هو السبب الأول للسهولة واليسر التي بها استطاع البريطانيون والفرنسيون احتلال معظم البلاد الإسلامية في مطلع العصر الحديث، بل كانت الطرق الصوفية تتعاون مع الاحتلال بقوة وقد تقدم قبل قليل المثال في موقف توفيق البكري في تعاونه مع المحتل ضد الملك، وما تقدم من وصف العلاقة التاريخية بين التصوف والسياسة إنما هي إلماعة وإلا فإن التفاصيل تثبت ذلك بدقة أكبر، وقد عُنيت بعض الكتب المعاصرة بجمعها، وهي ما رجعت إليه في إعداد هذا الجزء من الورقة من أمثال:
- الصوفية والسياسة في مصر لعمار علي حسن.
- الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق .
- الصِّلة بين التصوف والتشيع للدكتور كامل مصطفى الشيبي.
- الطرق الصوفية في مصر للدكتور عامر النجار.
لاتوجد تعليقات