التصحيح المباشر للخطأ هو الحل الأمثل- السلفيون لا يقبلون ظلم الحاكم للرعية ولا يرضون بخيانته ووجوب محاسبة و تغيير بطانته
والمقصود: تحجروهم: أي جمعهم في الثغور وحبسهم عن العود إلى أهليهم، والغياض: الشجر الملتف لانهم إذا نزلوها تفرقوا فيها فتمكن منهم العدو.. فمن العدل ان نوصي الحاكم بأن يتقي الله عز وجل في رعيته ويسمع منهم ويلبي حاجاتهم إذا كانت توافق الشريعة؛ لأن المسؤولية تكليف لا تشريف.. وقد قال الصديق أبوبكر رضي الله عنه: «إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني».
فقد يضع الحاكم الوزراء والمحافظين والقضاة والضباط الذين يستمدون قوتهم من الحاكم في أمور لا يرضى بها وينقلون الصورة على غير حقيقتها ويفسدون في الأرض ويظلمون ويحتمون تحت مظلة أنهم مقربون وأصحاب نفوذ وغيرها؛ ولذلك لما علم الحكام ذلك انشأوا ديوان المظالم بعدما جهر الناس بالظلم والتغالب فلم يكفهم زواجر العظة عن التمانع والتجاوب فاحتاجوا إلى ردع المتغلبين وإنصاف المغلوبين فكان من أول من أفرد للظلامات يوما يتصفح فيه قصص المتظلمين من البطانة من غير مباشرة للنظر عبدالملك بن مروان.
فالرهبة تقود والي المظالم والمتظالمين إلى التناصف وبالهيبة يزجر المتنازلين عن التجاحد ولقد حاكم المهدي بعض الولاة وكأنها محاكمة الوزراء في زماننا وتبعه في ذلك الهادي والرشيد حتى عادت الأملاك إلى مستحقيها..
قال الماوردي عن صفات الذي يتولى محاكمة الولاة: «جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع؛ لأنه يحتاج في نظره سطوة الحماة وثبت القضاة، فيحتاج إلى الجمع بين صفات الفريقين، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر من الجهتين»..
قال ابن خلدون: هي وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ونصفة القضاة وتحتاج إلى علو يد وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين وتزجر المتعدي وكأنه يمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه. (تاريخ ابن خلدون/276).
وقد يخفي الوالي الأدلة التي تدينه ويرهب الشهود وقد يؤذي أهلهم وذويهم فلذلك احتاج القاضي الذي يفصل بين الوالي والرعية إلى تشريعات عادلة وعقوبات رادعة حتى لا يطمع في المنصب أو يستغل في ظلم الرعية ويحتاج إلى صلاحيات واسعة في البحث والتحري وضمانات حماية للشهود ورصد التصرفات ومراقبة الصلاحيات لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
ولقد نادى يوسف بن يعقوب سنة 277 هـ إلى المظالم ببغداد قائلا للناس: من كانت له مظلمة ولو عند الأمير الناصر لدين الله الموفق (وهو أخ الخليفة المعتمد وكان وليا للعهد) أو عند أحد من الناس فليحضر، وسار يوسف بن يعقوب في الناس سيرة حسنة، وأظهر صرامة لم يُر مثلها. (البداية والنهاية 11/ 67).
وكان هناك نظام المسترزقة «الموظفين» من نقص أرزاقهم أو تأخرها عنهم وإجحاف النظر بهم فيرجع إلى ديوانه في فرض العطاء العادل فيجريهم عليه وينظر فيما نقصوه أو منعوه من قبل فإن اخذه هؤلاء في أمورهم استرجعه منهم، وإن لم يأخذوه قضاه من بيت المال وكان اشرافا مباشرا من الحاكم وكان يعذر ما يخرج من تصرفات المظلومين من ألفاظ وردود افعال قاسية.
بل وصل الأمر إلى أن محكمة عادلة حدثت ضد الأمير عبدالله بن طاهر.. وكان القاضي نصر بن زياد وكان المظلوم مواطنا عاديا له ضيعة وذكر حدودها وحقوقها فقال له القاضي: ألك بينة على ما تدعيه؟ قال: لا، قال: فما الذي تريده؟ قال: يمين الأمير بالله الذي لا إله إلا هو، فقام الأمير إلى مكانه وأمر الكاتب ليكتب إلى هراة برد الضيعة عليه.. (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (11/ 247).
وكان يقبلون الجهر بالمظالم عندما يضعف عن ردها أو دفعها والتعدي عليهم، لأن ولاية المظالم ولاية قضاء هدفها إقامة العدل وإشاعته وكف الظلم ومحاربته وتستمد قوتها وقدرتها على تحقيق الهدف منها من متوليها وهو أمر المؤمنين أو نائبه أو من يفوضه في القيام بذلك حتى يرفع الظلم ويسود الأمن والسلام مجتمع المسلمين.
واليوم الدول المتقدمة والحضارية أخذت بهذا المبدأ الإسلامي الشرعي في محاسبة الوزراء ورئيسهم بل الحاكم لأن الإسلام جاء بالعدل والأمانة والصدق فلا يستغل أحد منصبه في بسط الظلم وسلب الحقوق والتعدي على الآخرين والاستيلاء على أموالهم وأعراضهم فهذه هي عزة الإسلام وعدله، فكما ان الإسلام أمر بإنزال الحاكم وولاة الأمر منازلهم والصبر عليهم، أمر أيضا بالوقوف ضد ظلمهم لشعوبهم.
محاربة السلف لخيانة الحاكم
العلماء ورثة الأنبياء وهم دعاة للحق والصدع به أمام الحاكم والمحكوم وتختلف الأحوال من بلد إلى آخر ومن القوة إلى الضعف ولذلك سطر لنا السلف رضي الله عنهم أروع الأمثلة في محاربة الخيانة.
ومن صور ذلك عندما يولي الحاكم شخصا لقرابة أو معرفة وغيره أكفأ وأصلح منه، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين.
عندما يظلم أو يبغي أو يسمح لبطانته باستغلاله أو المقربين بالبطش والظلم والتنكيل القتل وانتهاك الأعراض وأضاعة الأموال أو أمروا بمنكر أو نهوا عن واجب أو نشروا الفساد أو حموه، فقد قال [: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة».
أولم يقسم بيت المال بالعدل بل استأثر به هو أو قرابته أو حاشيته بما ليس لهم من بيت المال، فقد جاء في الحديث الصحيح: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: وان قضيبا من أراك».
أو يستشري في عهده الفساد السياسي أو الاداري أو المالي أو الاجتماعي أو لم يقم بأمر الصحة أو التعليم أو المواصلات أو الاتصالات أو حاجات الناس الضرورية كما يجب قال تعالى: {واذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد}.
فالحاكم عندما يسمع من العلماء: إن مسؤوليته تكليف وليست تشريفا، فيجب أن يؤديها بحقها وسيجد السمع والطاعة والصبر واذا لم يؤدها بحقها فواجب عليه أن يوكلها إلى من هو أهل لها؛ ففي الحديث «ان الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك ان يعمهم الله بعذاب من عنده» ولقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نأخذ على يديه ونقلل من ظلمه ونمنعه بما هو متاح ومباح؛ ففي حديث ابن مسعود مرفوعا: «ولتأخذ على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا».
ولا يجوز للمسلم أن يرضى بالظلم وخيانة الأمانه لاسيما في تلك الدول التي أساءت كثيرا إلى شعوبها ففي حديث أم سلمة «قالت: قال رسول الله [: «سيكون بعدي أمراء فتعرفون وتنكرون فمن انكر فقد برئ ومن كره فقد سلم» ولكن من رضي وتابع.
قالوا: أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة».
«فمن أنكر فقد بريء» أي برئ من تبعات المنكر كاملة وأدى ما وجب الله عليه دون نقصان.
«ومن كره فقد سلم» أي سلم من أن يكون شريكا في المنكر وإن لم يسلم من تبعاته كلها، لأنه لم ينكر «ولكن من رضي وتابع» فهذا لم يبرأ ولم يسلم بل هو شريك في الإثم مع الفاعل.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه يريد أن يرى قوة الإيمان وصلابة الموقف في تغيير المنكر عليه قبل غيره فكان في مجلس وحوله المهاجرون والأنصار فقال: أرأيتم إن ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فقال ذلك مرتين او ثلاثا: فقال بشير بن سعد: لو فعلت ذلك قومناك تقويم القدح – أي عود السهم – فقال عمر: أنتم إذًا أنتم».
تأمل موقف غازان التتري مع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما وقف بين يديه يناصحه ويناشده الرجوع إلى الحق فإنه قال له بلسان الامة لا بلسان الطامع في رضا أو في التقرب منه: أنت تزعم انك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذن على ما بلغنا فغزوتنا وبلغت بلادنا.. على ماذا؟ وأبوك وجدك كانا كافرين وما غزوا بلاد المسلمين بعد أن عاهدونا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت!
فقرب غازان إلى الوفد طعاما فأكلوا إلا ابن تيمية، فقيل له: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس؟ وغازان مصغ لما يقول، شاخص إليه لا يعرض عنه، فأخبر بحاله، وما هو عليه من العلم والعمل، ثم طلب منه غازان الدعاء، فقال الشيخ يدعو: اللهم ان كان عبدك هذا إنما يقاتل لتكون كلمتك العليا، وليكون الدين كله لك، فانصره وأيده، وملكه العباد والبلاد، وإن كان قد قام رياء وطلبا للدنيا، ولتكون كلمته هي العليا، وليذل الإسلام وأهله فاخذله وزلزله ودمره واقطع دابره، وغازان يرفع يديه يؤمن على دعائه.
قال تعالى: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} كان أهل العلم ومازالوا يخافون على الناس شر هذه الفتن وقد استشرى الفساد وأصبح ظاهرا ومخالفا لأحكام الشرع فحاكم لم يأبه لآهات الشعب المظلوم ولم يتوجع لأنات الفقراء والعاطلين ولم يصلح مافسد في حكومته وأجهزته التنفيذية ولم يرفع رأسا بالشريعة الغراء ولم يوقرها وفي عهده المشين امتلأت السجون وحاربوا المصلحين وتضاعف عدد الفقراء وتدافع القادرون على الهروب من جحيم ديارهم وصار الشعب مقهورا ولا يستطيع أن يظهر شعائر الدين ولا أداء الواجبات وخاف الناس من جوره، وقد تكبد الشعب خسائر بالدماء والمال والدين قبلهما، قال النووي: «قال العلماء: الخذل ترك الأمانة والنصر» والعدل مأمورون به في جميع الأعمال والظلم منهي عنه نهيا مطلقا، قال ابن رجب «فمن سلم عن ظلم غيره وسلم الناس من ظلمه فقد عوفي وعوفي الناس منه» وكان رسولنا [ يتعوذ بالله من الظلم ويقول: «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة».
وأما إذا كان الحاكم كافرا ويجهر ويقر ويدعو إلى منهجه ويقرب حوله من يرى برؤيته ويحارب أهل الحسبة فلا يجوز إنزاله إنزال الحاكم المسلم العاصي، فعن عبادة بن الصامت ] قال: «بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في السر والعلن وعلى النفقة في العسر واليسر والأثرة وألا ننازع السلطان أهله، إلا أن نرى كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان» رواه الشيخان.
قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر لا ولاية له على مسلم بحال (أحكام أهل الذمة 2/414).
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم 12/229 نقلا عن القاضي عياض، أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر - يعني ابتداء - وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل... فإن تحققوا العجز لم يجب القيام.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح 13/123: إنه - أي الحاكم - ينعزل بالكفر (إجماعا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض.
فتقييد الإنكار بالإشهار أو الإسرار أمر تحكمه مقاصد الشريعة، ويجب ضبطه بضوابطها، وينظر إليه من خلال المصالح المترتبة على القيام به، والمفاسد المترتبة على تركه، وهذا يختلف بحسب الأمور المنكرة، وحال المنكر، والمنكر عليه، وأسلوب الإنكار؛ لذلك رأينا أئمة السلف ينكرون على الحاكم علانية تارة، وخفية تارات أخرى، فيما بينهم وبين الحاكم، دون أن يحجر أحدهم واسعا، أو يحمل الناس على رأيه مكرهين.
إقرار الحاكم بخطئه يتطلب منه التعديل المباشر والتخلي عن حزبه
عندما يقر الحاكم بأن مطالبات الشعب مشروعة وسيعمل على تنفيذها فيعين نائبا له ويحل الحكومة ويعد بأنه سيحل المجالس التشريعية وسيرفع قانون الطوارئ وسيعدل الدستور ويشكل لجنة للنظر في القوانين ويحيل مجموعة من البطانة إلى النيابة وعد بأنه سيحيل جميع المتورطين بالفساد إلى النيابة ويرفع سقف الرواتب 15٪ ولن يطارد المحتجين وسيقوم بالتوظيف وتوفير سكن وفرص عمل ومزيد من الحريات وأخيراً يتنحى عن الحكم ويسلم زمام ذلك للجيش.
قال الفاروق عمر بن الخطاب ]: «آسِ بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدل»، وفي حديث «من أعان على خصومة بظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع» رواه أبوداود؛ ولذلك قال تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}. فالذي يختص الحاكم بالنظر فيه من المظالم على أقسام كما بينها أهل العلم:
- الأول: النظر في تعدي الولاة والبطانة على الرعية وأخذهم بالعسف، فيكون لسيرة الولاة متصفحا عن أحوالهم مستكشفا ليقويهم إن انصفوا، ويكفهم إن عسفوا، ويستبدل بهم إن لم ينصفوا.
- الثاني: جور المسؤولين فيما سرقة من أموال الناس أو أموال العامة بأساليب التحايل والغصب واستغلال الوظيفة فيرجع تلك الأموال من خلال عقوبات واضحة ويسترجعها بالعدل. وما ينطبق على المال على الأراضي والممتلكات والإجبار على الاشتراك معهم في قطاعاتهم الخاصة بالقهر والغلبة والغصب.
- الثالث: فتح مجال للتظلمات ويشرف الحاكم مباشرة حتى لا تهضم حقوق الآخرين أو لا ترفع إليه فقد تنقص أو تتأخر أو تجحف.
- الرابع: كتابة تشريعات أو إصدار قوانين تعمل على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها لدرء الرذيلة ونشر الفضيلة.
- ذكر الماوردي عن شجاعة السلف في إنكار المنكر على الولاة، فذكر عن سلطان دمشق أنه سمع عن عالم محتسب فأمر به فحضر فقال له: إني وليتك أمر الحسبة على الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: إن كان الأمر كذلك فقم عن هذه الطراحة، وارفع هذا المسند فإنهما حرير، واخلع هذا الخاتم فإنه ذهب، وقال [: «هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها».
- وذكر عن أبي الحسن النوري عندما كسر 30 دنا مكتوبا عليها بالقار «لطف» وتبين أنها خمر للمعتضد بالله، فلما قابله المعتضد بالله وكان سيفه قبل كلامه، قائلا: من الذي ولاك الحسبة؟ قال: الذي ولاك الإمامة، فأطرق إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه وقال: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: شفقة مني عليك.
قال الماوردي معلقا: فهذه سيرة العلماء، وعاداتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقلة مبالاتهم بسطوة الملوك، ولكنهم اتكلوا على الله أن يحرسهم، ورضوا بحكم الله أن يرزقهم الشهادة، فلما أخلصوا لله النية أثر كلامهم في القلوب القاسية، وأزال قساوتها وأملها.
- كان العلماء ينصحون الحاكم والرعية. يقول السخاوي عن النووي رحمه الله تعالى: «كان مواجها للملوك والجبابرة بالإنكار لا يأخذه في الله لومة لائم، بل كان إذا عجز عن المواجهة كتب الرسائل، ويتوصل إلى إبلاغها، وقد كتب ورقة إلى السلطان الظاهر بيبرس تتضمن العدل في الرعية، وإزالة المكوس (الضرائب) عنهم، وكتب معه في ذلك غير واحد من الشيوخ وغيرهم، فلما وقف السلطان على الورقة، جاء الجواب بالإنكار والتوبيخ والتهديد لهم، فكتب له النووي جوابا مطولا وكان مما جاء فيه: «وجميع ما كتبناه أولا وثانيا هو النصيحة التي نعتقدها، وندين الله بها، ونسأله الدوام عليها حتى نلقاه، والسلطان يعلم أنها نصيحة له وللرعية، وليس فيها ما يلام عليه، ولم نكتب هذا للسلطان إلا لعلمنا بأنه يحب الشرع ومتابعة أخلاق رسول الله [، في الرفق بالرعية والشفقة عليهم».
- وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما استقبله السلطان الناصر قلاوون في مجلسه ورأى ما عرض على السلطان من بعض الأموال للترخص في تنفيذ أحكام أهل الذمة ورأى سكوت الناس، جثا على ركبتيه وشرع يتكلم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ، ويرد ما عرض الوزير عليهم ردا عنيفا، والسلطان يسكته بترفق وتؤدة وتوقير، فبالغ الشيخ في الكلام، وقال ما لا يستطيع أحد أن يقول بمثله ولا بقريب منه، حتى رجع السلطان عن ذلك وألزمهم بما هو عليه واستمروا على هذه الصفة، فهذه من حسنات الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله.
- إن الواجب إعطاء الحاكم فرصة إذا تراجع حتى يلتزم بالتغيير والعودة إلى الصواب والرشاد والحق والعدل، ودعاء الله أن ينزل على قلبه السكينة، ويهديه سبيل الرشاد وأن يسرد قوله وفعله لإزالة المنكرات والظلم عن شعبه وأمته وليعلم الحاكم أن الشعب يحبه ويتعاون معه في الخير ودفع الشر انطلاقا من الحديث «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» رواه مسلم.
نسأل الله أن يصلح الأحوال ويحقن الدماء ويولي عليهم خيارهم ويصلح ذات بينهم ويرفع الظلم والقهر عنهم ليرفعوا لواء الشريعة خفاقا عاليا بالحق والعدل. إنها أمانة العلم وحرمة كتمانه وثقل في الدنيا ومحاسبة في الآخرة، وسبيل العطاء إلى الغفران.
لاتوجد تعليقات