رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سحر شعير 2 مايو، 2018 0 تعليق

التربية بالموعظة الحسنة

تظل الموعظة الإيمانية أحد الأساليب التربوية المؤثرة التي دعا إليها القرآن الكريم، ووجّه إليها المربين، وضرب لها الأمثال الخالدة؛ فهي خير وقاية وأنفع علاج يتضمن إسداء النصح، وبيان الحق، والتذكير بمآلات الأمور؛ وذلك حتى يتجنب المتربي الضرر، وويبادر إلى العمل الصالح الذي فيه نفعه وسعادته، ويُقصد بالموعظة: النصح والتذكير بالخير والحق على الوجه الذي يرقُّ له القلب، ويبعث على العمل، قال -تعالى-: {ذَلكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر}(البقرة: 232).

     والقرآن كله مواعظ للمتقين، قال -تعالى-: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين}، وقد كان وعظ النبي صلى الله عليه وسلم على أرقى مستوى وأعلى درجة؛ فكانت موعظته تأسِرُ النفوس، وتؤثر في القلوب، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه، وهو يصف موعظة النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وعظنا رسول الله  موعظة بليغة، وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا»!

وتعتمد الموعظة الناجحة على جانبين هما: بيان الحق وإثارة الوجدان؛ فتأثُر المتربي بالموعظة، يؤدي إلى أن يصحح خطأه ويتقدم في عبادته وسلوكه.

لماذا يستثقل معظم الأبناء موعظة آبائهم ؟

 إنّ نصيحة الأبناء وموعظتهم يجب أن تكون بمقدار، وبعبارات قصيرة مؤثرة وموجزة، وفي الوقت المناسب والمكان المناسب أيضاً، وليس على الآباء والمربين أن تجف حلوقهم، وتُبَحّ أصواتهم من كثرة الكلام مع الأبناء؛ فإن كثرة الوعظ  تجعله هيّنا على النفس غير مؤثر، ولكن بمقدار؛ فالموعظة للغلام  كالملح للطعام.

يقول ابن رجب الحنبلي: المواعظ سياط تضرب بها القلوب؛ فتؤثر فى القلب كتأثير السياط فى البدن، والضرب لا يؤثر بعد انقضائه كتأثيره فى حال وجوده، لكن يبقى أثر التألم بحسب قوته وضعفه؛ فكلما قوي الضرب، كانت مدة الألم أكثر.

وللموعظة التربوية الحسنة معالم عدة أهمها ما يأتي:

عدم الإكثار منها، وهذا هو هدي النبي[  مع أصحابه، عن ابن مسعود] قال: كان النبي  يتخولنا بالموعظة بين الأيام كراهة السآمة علينا.

هذا مع أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الناس حديثاً وأعذبهم لساناً، إلا أنه لم يعظ صحابته الكرام يومياً، أو فى كل وقت، خشية أن يملّوا.

     ولقد فهم الصحابة -رضوان الله عليهم- هذا المنهج النبوي في أصول الوعظ المؤثر فهماً جيداً؛ فرفضوا أن يعظوا التابعين كل يوم، وحددوا للوعظ يوماً في الأسبوع حتى لا يملّ الناس؛ فعن شقيق أبي وائل قال: كان عبد الله -أي ابن مسعود-  يذكرنا كل خميس؛ فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن إنا نحب حديثك ونشتهيه، ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم؛ فقال: ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أُملّكم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهية السآمة علينا.(رواه مسلم).

اختيار الوقت والمكان المناسبين

     عنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّه،َ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّه،ِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح).

فقد صدرت الموعظة في هذا الموقف من النبي[ إلى الغلام النجيب والصحابي الأريب عبد الله ابن عباس -رضي الله عنهما- موافقةً هيئة الركوب خلف النبي صلى الله عليه وسلم مع ما فيها من انبساط النفس والشعور بالقرب من الناصح؛ مما يهيئ نفس المتربي أحسن تهيئة، لتلقي النصيحة وحفظها والعمل بها.

القدوة الحسنة

     فبلاغة الموعظة وحدها لا تكفي، ولن تبلغ ذروة التأثير حتى تصدر عن قدوة حسنة مطبِقة لما تقول؛ فيقول ابن رجب -رحمه الله-: «إنما التأديب بالسوط من صحيح البدن، ثابت القول، قوي الذراعين؛ فيؤلم ضربه فيردع، وأما من هو سقيم البدن لا قوة له فماذا ينفع تأديبه بالضرب؟ كان الحسن إذا خرج إلى الناس كأنه رجل عاين الآخرة، ثم جاء يخبر عنها، وكانوا إذا خرجوا من عنده لا يعدون الدنيا شيئا».

إنها المصداقية التى تجعل لكلام الداعي، أو المربي، أو الوالد، أثراً في نفس من يربيهم ويعلمهم؛ فلا يتأثروا به أبداً حتى تكون أفعاله أقوى دليل عملى على أقواله، وإلا فهو إلى الموعظة أحوج ممن يربيهم.

 

ربط الموعظة بأسبابها

 

     إنّ ربط الموعظة بأسبابها مع التوجيه المباشر للسلوك العملي الصحيح، هو الأسلوب الأمثل الذي ضربه لنا القرآن الكريم مثالاً فى أكثر من موضع، ومن أجمعها موعظة لقمان الحكيم لولده؛ فلقمان الحكيم استهل وصيته لابنه من الشرك، مبيناً له السبب أن الشرك ظلم عظيم، ونهاه عن التكبر والإعجاب بنفسه ، ثم ذكر له سبب ذلك، وهو أن الله -تعالى- لا يحب كل مختال فخور.

ومن أحسن النماذج العملية للموعظة المؤثرة عند توجيهها للأبناء، موعظة النبي[ لصحابته الكرام، ولاسيما تلك التي كان  يخاطب بها من هم في مرحلة الطفولة، أو الصبا منهم -رضي الله عنهم أجمعين.

     وعلى المنهج النبوي سار الصحابة الكرام بالأسلوب الرائع في تعهّد أبنائهم بين الحين والآخر بالموعظة البليغة المؤثرة والعملية فى الوقت نفسه، عن عتبة بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- أنه قال لابنه: «إياك واستماع الغيبة، نزّه سمعك عن الخنا- الكلام الفاحش القبيح- كما تنزّه لسانك عن عن البِذا؛ فإن المستمع شريك القائل، وإنما نظر إلى أخبث ما يكون فى وعائه فألقاه فى وعائك».

     وأخيراً..أعزائي المربين والمربيات: علينا أن نتحلى بسعة الصدر والصبر على الأبناء؛ فلا ننصحهم الآن ثم نتوقع التغيير بعد خمس دقائق، ولكن الاستمرار فى رعايتهم والنصح لهم، وقبل ذلك لا يغيب عنا أن نوفر لهم من أنفسنا المُثل العليا والقدوات الحسنة، التى تجعل أقل الكلمات منا تؤثر فيهم، كالنقش على الحجر الذى لا ينمحى مهما اعترته عوامل التغيير.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك