رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. رفيدة الحبش 20 فبراير، 2018 0 تعليق

التربية بإعداد القادة


قال -تعالى-: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، في هذه الآية يأمر الله -تعالى- الأمَّة الإسلامية بأن يكون منهم جماعة قائدة متخصصة بالدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر، وأولئك هم القادة المفلحون في الدنيا والآخرة، ونقف هنا مع بعض آثار عناية رسول الله -صلى الله عليه وسلم - للصبيان وتوجيههم ليكونوا قادة المستقبل، وأحوال الصحابة الذين جعلهم النبي - صلى الله عليه وسلم- قادة الأمة، واختارهم وهم في سن الطفولة وبايعهم ودربهم من الصغر حتى أصبحوا قادة المستقبل.

فهذا علي بن أبي طالب بدأ حياته مسلما في صحبة رسول الله وعمره ست سنوات، ويوم هاجر رسول[ كان عبد الله بن عباس قد بلغ عمرُه ثلاث سنوات، وعبد الله بن عمرو بن العاص سبع سنوات، وأبو سعيد الخدري عشراً، وأنس بن مالك عشراً، وعبد الله بن عمر عشراً، وأسامة بن زيد عشراً، وجابر بن عبد الله عشراً وسلمة ابن أم سلمة عشراً، وزيد بن ثابت إحدى عشرة سنة، وسالم مولى أبي حذيفة عشراً، ولم يكن عبد الله بن الزبير قد ولد بعد؛ فقد ولد في المدينة عام الهجرة، وقد صاحب هؤلاء الأطفال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عشر سنين في المدينة المنورة، من عمر عشر سنين إلى أن بلغوا بوفاته عشرين سنة؛ فعلمهم ودربهم حتى أصبحوا قادة المستقبل.

لقد علم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الطفل في هذه السن يعقل، ويميز الخبيث من الطيب، ويحسن الاختيار؛فاعتنى بعلي حتى غدا الخليفة الرابع، ومن أعظم قادة الإسلام في العلم والحلم والحرب والسلم، يقول ابن عباس: أُعطي علي تسعة أعشار العلم، ووالله لقد شاركهم في العشر الباقي.

نظرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الثاقبة

     وتتجلى نظرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الثاقبة في الصبيان فيبايعهم، ويختار عبد الله بن الزبير فيوليه عناية خاصة، فقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان في غلمة من قريش ترعرعوا: فقيل له لو بايعتهم فتصيبهم بركتك ويكون لهم ذكر، فأُتيَ بهم إليه فكأنهم تكعكعوا فاقتحم عبد الله بن الزبير أولهم فتبسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: « إنه ابن أبيه» يقول عنه الإمام الشافعي: «إن عبد الله بن الزبير كان له عند موت النبي -صلى الله عليه وسلم- تسع سنين وقد حفظ عنه». لقد أخذ عبد الله بن الزبير من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صفات القائد العظيم حتى أصبح فارس قريش في زمانه، وأصبحت شجاعته مضرب الأمثال، وتولى خلافة المسلمين تسع سنين، ويوم مقتله صمد صمود الأبطال وقاتل بعزيمة عجيبة، قال عنه سفيان: «كان ابن الزبير يشتد بالسيف وهو ابن ثلاث وسبعين سنة كأنه غلام».

     وعن ابن عمر، قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الذين قدموا من مكة حتى قدم المدينة ; لأنه كان أقرأهم، ويرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استعداداتِ الفتى الصغير زيدِ بنِ ثابت للتعلُّم والدراية، فيأمره بتعلُّم اللغات الأجنبية ليكون قائد العلم والمعرفة. يقولُ زَيْدٌ: «ذُهِبَ بِي إِلَى النَّبِيِّ[ فَأُعْجِبَ بِي فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا غُلامٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مَعَهُ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سُورَةً، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، وَقَالَ: يَا زَيْدُ تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي، قَالَ زَيْدٌ: فَتَعَلَّمْتُ كِتَابَهُمْ، مَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى حَذَقْتُهُ، وَكُنْتُ أَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ، وَأُجِيبُ عَنْهُ إِذَا كَتَبَ». ثم تعلم السريانية بسبعة عشر يوما.

     وظهر ما كان يرجوه -صلى الله عليه وسلم- من زيد فصار حافظاً للقرآن الكريم، وقد كان كاتبًا له بين يدي رسول الله، ووكله الخليفة أبو بكر بجمع القرآن الكريم، ووكله الخليفة عثمان مرة أخرى بنسخه إلى سبع نسخ وُزعت على الأمصار، وأصبح أقدر أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في علم الفرائض وحسابها. قال -صلى الله عليه وسلم-: «أفرضُ أمتي زيدُ بن ثابت» صححه الألباني.

     وقد اعتنى زيد بتعليم المرأة الصغيرة فكان لها دور عظيم في تعليم القرآن؛ حيث علم زوجته الشابة اليتيمة جميلة بنت سعد بن الربيع - التي نزلت آيات المواريث في حقها - علمها القرآن فصارت راوية للقرآن الكريم، يقول داود بن الحصين: كنت أقرأ على جميلة بنت سعد بن الربيع مع ابن ابنها موسى بن سعد، وهكذا أخذت المرأة دورها العلمي والقيادي في الإسلام منذ أن دافع عنها وهي يتيمة مظلومة إلى أن أصبحت قائدة معلمة للقرآن الكريم للرجال والنساء على حد سواء.

‏يقول ابن سعد في طبقاته: فلم يأت عن كبار الصحابة من كثرة الحديث مثل ما جاء عن الأحداث، مثل: جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن العباس، ورافع بن خديج، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب ونظرائهم.

وأضيف إليهم السيدة عائشة التي اعتنى بها النبي -صلى الله عليه وسلم- منذ كانت طفلة صغيرة في بيت صديقه أبي بكر، إلى أن شبت وتزوجها فصنع منها قائدة العلم والرواية، التي روت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألفين ومئتين وعشرة أحاديث.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك