رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ 6 أغسطس، 2018 0 تعليق

التأصيل الشرعي لمفهوم السمع والطاعة للحاكم

 

طاعة ولاة الأمور أصل من أصول عقيدة السلف، ومعتقد يعتقده أهل السنة والجماعة، وقد دلت النصوص الكثيرة على هذا الأمر، وعلى هذا الأصل، وجاء العقل الصريح – أو السليم – بأهمية هذا الأمر؛ فإن الناس لا يصلح أن يعيشوا دون أن يكون لهم رأس، يرجعون إليه، يرعى حق الله فيهم، وينصف مظلومهم من ظالمهم، ويقيم حدود الله – تبارك وتعالى –، ولما كثر الجدل حول حديث حذيفة بن اليمان: - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع»  (رواه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده) برويات صحيحة مسندة لا مطعن فيها، وجب التنبيه على بعض الأصول والضوابط والقواعد التي تعين على فهم هذا الحديث فهمًا شرعياً دقيقاً.

 

الأمر بالسمع والطاعة

- الضابط الأول: هو أن الأمر بالسمع والطاعة في شريعتنا موضوع لحفظ ضروري؛ لهذا لا يقدح فيها تخلف بعض الصفات من العدل والأمانة؛ أي: إذا أمرت الشريعة ببذل الطاعة في أمر ما وجعلت ذلك من الطاعة الواجبة؛ فهذا لا يكون إلا إذا كان هذا الأمر المطاع من ضرورات الشريعة أو كان وجوده متعلقاً بحفظ ضروريّ؛ وما كان ضرورياً فلا يقدح فيها تخلف بعض صفاته؛ لهذا كان ظلم الإمام وجوره لا يمنعان من طاعته والسمع له؛ وفي هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله- في الموافقات (2/ 27): «فالجهاد ضروري، والوالي فيه ضروري، والعدالة فيه مكملة للضرورة، والمكمل إذا عاد للأصل بالإبطال، لم يعتبر؛ ولذلك جاء الأمر بالجهاد مع ولاة الجور عن النبي - صلى الله عليه وسلم ».

وجود الإمام ضروري

     أي أن وجود الإمام ضروري، وطاعته موضوعة لحفظ الضروري؛ وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ وصفات الإمام مكملة للضروري؛ واشتراط العدالة مطلوبة؛ لكن إذا أدى اشتراطها على الدوام إلى بطلان الضروري؛ فلا تشترط وتسقط في الطلب حتى لا يفضي انتفاؤها إلى بطلان الضروري؛ ومعنى الحديث مخرج على هذه القاعدة؛ فيطاع الإمام ويكون له السمع والطاعة مع ذهاب عدالته بسبب ظلمه وجوره؛ لأن وجوده من ضرورات الشريعة لا من مكملاتها.

الضروري والكمالي

     ولا يكون المنتسب إلى العلم فقيها في الأحكام عريقاً في المقاصد متضلعاً في الاستدلال حتى يميز بين الضروري والكمالي من الأنواع والأعيان، فوجود الإمام ضروري، وطاعته موضوعة لحفظ الضروري؛ وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لأننا قد ابتلينا (بثقافة) الكلام على صفات الشيء قبل وجوده، وعلى الاهتمام بكمالاته قبل السعي في الحفاظ على ضروراته، وعلى صفات الفرس قبل طلب الفارس؛ حتى ضاعت المصالح الضرورية والكمالية للأمة، وصرنا لا نرى إلا البيوت المهدّمة والعوائل المهجّرة والبلدان المدمّرة بعناوين الإصلاح والتغيير والتنظير.

وجود الأمير

- الضابط الثاني: وهو أن الحديث بحسب سياقه يدل على أمرين:

الأول: على لزوم جماعة المسلمين.

والأمر الثاني: يدل على أن مصلحة جماعة المسلمين عند الاختلاف وظهور الفتن لا تقوم إلا بطاعة إمام المسلمين ولو كان جائرا ظالماً؛ ولهذا بوب الإمام النووي في شرحه على مسلم للحديث؛ فقال: (باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن).

     ولو تأملنا الحديث لأدركنا المناسبة لهذا التبويب؛ كما قال حذيفة - رضي الله عنه -: «قلت: يا رسول الله، إنا كنا بشر، فجاء الله بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: «نعم»، قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: «نعم»، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: «نعم»، قلت: كيف؟ قال: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس»، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركت ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع».

     وهنا تأصيل متين قد دلّ عليه الحديث عند التأمل، وهو أن وجود التنازع والاختلاف وظهور الفتن مظنة اتصاف الإمام بالجور والظلم والتعدي على الأنفس والأموال، ومع ذلك كان وجود الأمير دليلاً على وجود الجماعة، ومصلحة الجماعة حينئذٍ لا تقوم إلا بالأمير القائم.

     ومما يشهد لهذا البيان رواية أخرى في مسند الإمام أحمد عن حذيفة - رضي الله عنه - مرفوعة؛ «فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌّ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «السَّيْفُ»، قَالَ: قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ هَذَا السَّيْفِ بَقِيَّةٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَكُونَ إِمَارَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ وَهُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ»، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ تَنْشَأُ دُعَاةُ الضَّلَالَةِ، فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ يَوْمَئِذٍ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ جَلَدَ ظَهْرَكَ، وَأَخَذَ مَالَكَ فَالْزَمْهُ، وَإِلَّا فَمُتْ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلِ شَجَرَةٍ»، وإمارة على أقذاء، أي: (إمارة مشوبة بشيء من البدع وارتكاب المناهي)، كما في مرقاة المفاتيح (8/ 3391).

حق للأمير على الناس

- الضابط الثالث: أن الحديث مسوق في بيان أن السمع والطاعة حق للأمير على الناس لا في حق الناس على الأمير؛ وهذا الحق للأمير يتصف بثلاث صفات:

- الصفة الأولى: أنه حق ثابت بالشرع لا بالعقد؛ فهو حق لم يثبت له بطريق الالتزام والعرف والسياسة؛ بل ثبت بطريق الشرع، وهو حق يُؤدى عبادةً وديانةً، ووفاءً بالعقد والبيعة، وتشوّفاً لتحقيق الضرورة والمصلحة.

- الصفة الثانية: أن هذا الحق لا يكون على سبيل المقابلة والمعاوضة؛ فهو حق مستقل منفك عن حقوق الرعية.

- الصفة الثالثة: أن هذا الحق للأمير عام محفوظ عن التخصيص إلا في صورة واحدة بنص الأحايث، وهي إذا أمر بمعصية؛ فعموم الأمر بالسّمع والطاعة في جميع أحوال الرعية في العُسر واليُسر، وفي السهل والصعب، وفي الأثرة والإيثار؛ فالعموم بالنسبة لأحوال الرعية، وباختلاف صفات الأمير، وفي جميع الأزمنة والأمكنة؛ كما دلت على ذلك النصوص الشرعية كما في حديث عبادة- رضي الله عنه -، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى السَّمْعِ والطَّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ، والمَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلَى أثَرَةٍ عَلَيْنَا» الحديث، وهو في مسلم.

حكم شرعي تكليفي

عليه يمكن القول: إن بذل الطاعة والسمع للإمام هو حكم شرعي تكليفي ووضعي منوط بشرط ومانع وسبب وعلة وحكمة، على التفصيل التالي:

أما الشرط فهو أن يكون له سلطان.

والمانع: هو لو أمر بمعصية، فلا يطاع في هذه المعصية بعينها.

أما السبب والعلة أو الحكمة فهي تكون باجتماع المسلمين ومنع حصول الفتنة والاختلاف والشقاق.

     فوجوب الطاعة للأمير لا يشترط له أي شرط أكثر من أن يكون له سلطان على رعيته من غير التفات إلى وصف آخر: كما يقول شيخ الإسلام بعد أن ساق حديث حذيفة - رضي الله عنه -؛ فقال في منهاج النبوة (1/561): (فتبين أن الإمام الذي يطاع هو من كان له سلطان، سواء كان عادلا أم ظالما).

ومن هنا يظهر لنا أن محاكمة القضايا الدقيقة بالعاطفة، وتفسير النصوص الشرعية بالرأي والهوى، واستطلاب العلة والضعف للنقول الصحيحة فتنة عظيمة ومصيبة كبيرة، ينبغي أن يتعافى منها أهل الديانة والعلم وأهل الإخلاص والعدل؛ والله المستعان.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك