رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: القاهرة: د. أحمد عبدالحميد 13 أكتوبر، 2015 0 تعليق

الانتخابات المصرية آمال معقودة.. وهواجس مخيفة

أيام قليلة وتبدأ في مصر الانتخابات البرلمانية التي تعد ثاني الاستحقاقات الانتخابية بعد أحداث 30 يونيو، ومن هنا تبرز أهمية هذا الاستحقاق؛ حيث يتشكل به البرلمان المصري الذي يعود للانعقاد بعد طول غياب نتيجة حل البرلمان الأول الذي تشكل بعد 25 يناير وهو البرلمان الذي ضم أغلبية من الإسلاميين كان وجودهم إزعاجًا كبيرًا للقوى العلمانية وغيرها في الداخل والخارج، وتوالت بعده الأحداث التي يمكن وصف بعضها بالدامية لتنتهي بحل البرلمان وعزل الدكتور مرسي أول رئيس منتخب بعد 25 يناير.

الانتخابات على مرحلتين

     تجري هذه الانتخابات على مرحلتين، المرحلة الأولى ستجري في 14 محافظة هي : الجيزة، الفيوم، بني سويف، المنيا، أسيوط، الوادي الجديد، سوهاج، قنا، الأقصر، أسوان، البحر الأحمر، الإسكندرية، البحيرة، مرسى مطروح، على أن تجري في دوائر محافظات هذه المرحلة خارج مصر يومي 17 و 18 أكتوبر المقبل، فيما تجرى عملية الانتخاب في دوائرها داخل مصر يومي 18 و 19 أكتوبر المقبل، وفي الحالات التي تقتضي إعادة الانتخابات تجرى الإعادة خارج مصر يومي 26 و 27 أكتوبر المقبل، وداخل مصر يومي 27 و 28 أكتوبر المقبل، أما المرحلة الثانية فتجرى في محافظات المنوفية، وكفرالشيخ، والغربية، والقليوبية،  والدقهلية، والشرقية، ومحافظات القاهرة الكبرى وشمال سيناء وجنوبها،  وتجرى في الخارج يومي 21- 22 نوفمبر، وفي الداخل يومي 22-23 نوفمبر، في حين قررت اللجنة العليا للانتخابات إلغاء الاقتراع فى الدول التى تشهد نزاعات مسلحة على رأسها ليبيا واليمن وسوريا.

     وتجري المنافسات في عموم الاستحقاق بين عدد كبير من المرشحين بلغ 5955 مرشحًا منها 2573 مرشحًا على المقاعد المخصصة للانتخاب بالنظام الفردي في المرحلة الأولى فقط، في حين أنه بالنسبة للانتخاب بنظام القوائم، فستخوض 4 قوائم الانتخابات في قطاع غرب الدلتا وهي (حزب النور – في حب مصر – ائتلاف الجبهة المصرية وتيار الاستقلال – فرسان مصر)، وقائمتان في قطاع الصعيد وهما (كتلة الصحوة الوطنية المستقلة – في حب مصر)، في حين تستكمل قائمتا (نداء مصر) و(ائتلاف الجبهة المصرية وتيار الاستقلال) بعض الملفات تنفيذا للحكم الصادر لكل منهما من محكمة القضاء الإداري.

الانتخابات الأسخن والأهم

     ربما تكون هذه الانتخابات هي الأسخن والأهم في تاريخ مصر، نظرًا لما سبقها من أحداث تغيرت فيها الخريطة السياسية وربما الاجتماعية لمصر كذلك؛ حيث زادت حالة الاستقطاب السياسي والمجتمعي بشدة بعد أحداث 30 يونيو 2013 وأحداث فض رابعة وما تلاها، وبالرغم من غياب جماعة الإخوان المسلمين وحزبها – الحرية والعدالة- عن المشهد، إلا أن شبح عودة الإخوان أو استحواذ السلفيين على أغلبية البرلمان يشكل هاجسًا كبيرًا ليس لدى العلمانيين فحسب، بل ولدى النظام كذلك، الذي يرى في تيار الإسلام السياسي عموماً خطراً كبيراً على الدولة - في زعمهم-

مخاوف متبادلة

     كثيرة هي المخاوف المتبادلة بين التيارين الديني والعلماني قلل من حدتها نوعًا ما، الموقف الذي اتخذه حزب النور قرب موعد هذا الاستحقاق؛ ففي الوقت الذي استكمل فيه قوائمه وأوراق مرشحي الفردي قبل 7 أشهر، إذا به يقرر الاكتفاء بالدفع بما يقارب نصف مرشحيه، وإخلاء عدد من الدوائر الفردية، والانسحاب من قائمتين هما قوائم الصعيد وشرق الدلتا في موقف غير متوقع أثار استغراب الكثيرين وإعجاب الكثيرين كذلك.

مشاركة الجميع

     وفي تفسيره لهذا الموقف قال المهندس أشرف ثابت -عضو المجلس الرئاسى لحزب النور، والمرشح على قائمة الحزب بغرب الدلتا-: إن الحزب حريص على مشاركة جميع الأيادي لبناء الوطن، مشيرًا إلى أن الحزب تنازل عن جزء من حصته في اللجان بمجلس الشعب السابق حتى يشارك الجميع في بناء الوطن.

رسالة طمأنة

     وهو المعنى نفسه الذي أكده الدكتور يونس مخيون -رئيس حزب النور- في تصريحه: أن قرار الحزب بالانسحاب من المنافسة على  قائمتى الصعيد وشرق الدلتا بعد قيامه بتكوينهما، هو رسالة طمأنة للشعب المصرى أننا صادقون فى أننا نريد المشاركة لا المغالبة، إننا نرغب في مشاركة الجميع معنا في البرلمان، مشددًا على أن الحزب يقدر أهمية الحفاظ على الدولة من التقسيم، وأن موقف حزب النور جاء اعتماداً على هذا المنطلق.

ذكاء سياسي

     خطوة عدَّها الكثيرون ذكاءً سياسيًا من الحزب السلفي الوحيد على الساحة المصرية الآن، الذي يمثل الفرصة الوحيدة لأبناء التيار الإسلامي في الاشتراك في العملية السياسية بعد عملية الاستئصال التي أطاحت بالكثيرين، وبرغم هذا تبقى فرصة الحزب السلفي كبيرة إذا ما قورن بغيره من الأحزاب؛ حيث ينافس على عدد 160 مقعداً فردياً و60 مقعداً بقوائم غرب الدلتا والقاهرة والصعيد، ولاسيما وقد دفع الحزب بكبار رموزه في قائمة غرب الدلتا مثل المهندس أشرف ثابت، والدكتور محمد إبراهيم، والأستاذ نادر بكار، بينما يعد الدكتور بسام الزرقا أحد أبرز المرشحين على قائمة القاهرة.

جدوى المشاركة

     مشاركة الحزب نفسها في الانتخابات أحاطت بها الكثير من التساؤلات حول طبيعة مشاركته وجدواها في ظل الأوضاع السياسية الجديدة، ولاسيما وأن الحزب وضع على قوائمه عددًا من النصارى والنساء بما يخالف التوجهات المعلنة للحزب قديمًا وحديثًا، وهو الأمر الذي أثار انتقاد الكثير من المنتمين إلى التيار الإسلامي نفسه، وهي الانتقادات نفسها التي أثيرت في الانتخابات البرلمانية الأولى؛ حيث وضع الحزب عددًا من النساء في ذيل قوائمه الانتخابية، إلا أن المختلف هذه المرة الذي زاد من صعوبة قبول الموقف هو وضع الحزب لعدد من النصارى على قوائمه اضطرارًا لذلك – كما تقول قيادات الحزب- كون أن الدستور به مواد انتقالية تشترط وجود (كوتة) للمرأة، و(كوتة) للنصارى، وأخرى للمعاقين، وأخرى للشباب، وأخرى للمصريين بالخارج، وهو ما اصطلح على تسميتهم بالفئات المهمشة، وأن هذا التمييز لهذا الفئات محله هذه الدورة التالية فحسب.

تساؤلات مشروعة

     وردًا على التساؤلات من أبناء التيار الإسلامي ولاسيما السلفي منهم عن مسألة ترشيح النصارى، أعلنت  قيادات الحزب وكذلك الدعوة السلفية الحاضنة الرئيسية للحزب، أن الموقف الحالي فيه اضطرار يجعل البديل هو إخلاء الساحة تماماً للعلمانيين وهو ما يريدونه، في الوقت الذي ما زالوا يتربصون به بمواد الهوية في الدستور التي نجحت مدافعة حزب النور على وصولها إلى هذا القدر، وهي الخطوة التي يؤمل السلفيون فيها لاستمرار سعيهم في تعديل شكل الدولة لتضييق الفجوة بينها وبين الشرعية الإسلامية التي ما زال العلمانيون وأبناء التيار المدني يحاربونها بكل ما أوتوا من قوة؛ حيث قال الشيخ عادل نصر المتحدث الرسمي عن الدعوة السلفية: إن ترشح الأقباط على قوائم النور يأتي من باب أن «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، وأضاف: «الظروف الحالية اقتضت تغيير الفتوى التي تتغير حسب الظروف، فكان إتاحة ترشح الأقباط في الانتخابات على القوائم دفعاً لمفسدة عظيمة بترك الساحة خالية، بعدم اشتراك الحزب في الانتخابات».

مستندات شرعية

     لم تخل فتاوى الدعوة السلفية في هذه الواقعة من الاستئناس بفتاوى مشابهة للشيخين الألباني وابن عثيمين في جواز انتخاب النصراني عند الاضطرار، إذا كان الاختيار بينه وبين آخر نصراني أكثر شراً حتى لو وصل الأمر لكون التنافس على منصب الرئيس وهو أعلى سلطة في البلاد كما هي الفتاوى باختيار أقل المتنافسين عداءً للمسلمين في انتخابات الرئاسة الأمريكية من باب اختيار أقل الضررين لدفع أعلاهما وأشدهما مفسدة.

     انطلاقاً من هذه الفتاوى وضع الحزب على قوائمه عدداً من النصارى غير المحاربين للشريعة، بل إن كثيراً منهم يصرح في المؤتمرات الانتخابية واللقاءات المتلفزة بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية، كما جاء أكثر من مرة على لسان نادر الصيرفي وهو من أقباط 38 المعروفين بمخالفتهم للكنيسة، والانتخابات المركزية بالحزب؛ حيث قال: «إن تطبيق الشريعة الإسلامية من أهم ركائز الحزب، مضيفاً «نؤكد دعمنا للشريعة الإسلامية، رغم عدم اقتناع بعض الناس؛ فالدستور ينص عليها، ولا تراجع عن تطبيقها على عموم الشعب المصرى، الذي وافق بأغلبية كاسحة على مواد الدستور»؛ الأمر الذي دفع (الأنبا تواضروس) رأس الكنيسة إلى التدخل المباشر بنفسه مهاجمًا حزب النور في لقاءاته المتلفزة ومهاجمًا النصارى الذين قبلوا الترشح على قوائم الحزب بأنهم غير متسقين مع أنفسهم.

وضع اضطرار

     من جانب آخر يستند حزب النور إلى تقرير أن الوضع هو وضع اضطرار، وأن البرلمان القادم سيعيد النظر في الدستور، ولاسيما المواد والقوانين المتعلقة بالمرأة والطفل والحريات الدينية والاجتماعية وغيرها من الملفات الشائكة التي تتضمن الموافقة على عدد من الوثائق الدولية المخالفة للشريعة الإسلامية، واستناداً إلى كون هذا البرلمان بالذات خطوة محورية لن تعود بعده الأمور كما كانت قبله، وأن كوتة المرأة والنصارى مطبقة فقط في هذه الدورة؛ كل هذا جعل الحزب يقرر خوض هذه الانتخابات لتقليل الشر والفساد وعدم ترك الساحة خالية لأعداء الشريعة والمتربصين بها، ولاسيما مع عدم إخفاء بعضهم من قيادات قائمة في حب مصر لرغبتهم في تعديل الدستور وإطلاق حركة (هنعدل الدستور) للدعوة إلى تعديل مواده.

مكاسب

     كثيرة هي المكاسب التي تعددها قيادات الحزب من وجوده في الساحة السياسية وربما لا أدل على ذلك من الحرب الشرسة التي يواجهها الحزب في الإعلام وفي السماح له من قبل المسؤولين التنفيذين في الحكومة من القيام بأعمال الدعاية الانتخابية في الوقت الذي تتاح فيه الفرصة لغيره من الأحزاب والمستقلين ولاسيما من أصحاب المال السياسي ومن اصطلح على تسميتهم قبل ذلك (الفلول) من أعضاء الحزب الوطني المنحل الذين أفسدوا الحياة السياسية في مصر لعقود، وهي التحديات التي تواجهها الدولة   وتقف الحكومة مكتوفة الأيدي تجاهها ولا يواجهها عملياً على الأرض غير حزب النور؛ لذا يجد تكاتفاً من الكثيرين لإسقاطه في هذه الانتخابات للقضاء على أي تواجد إسلامي في الحياة السياسية

تحديات كبيرة

     من جانب آخر تمثل الكتلة التصويتية  للنصارى تحدياً كبيراً أمام الحزب السلفي؛ حيث يدخل هذه المرة حزب المصريين الأحرار الذي يدعمه رجل الأعمال نجيب ساويرس الملياردير النصراني المعروف، وهو ما انعكس على وجود الحزب بتسعة أعضاء في قائمة في حب مصر، وظهر ذلك في حجم الإنفاق المالي الكبير على الحزب والقائمة، فضلا عن دعم القنوات المملوكة لنجيب ساويرس لهذا التيار ومهاجمتها الشرسة لحزب النور حجم الإنفاق الدعائي الضخم لمرشحي حزب المصريين الأحرار البالغ عددهم 227 مرشح، معظمهم من أعضاء الحزب الوطني السابق بحسب تصريحات نجيب ساويرس، الذي بدعمه للحزب وقائمة (في حب مصر) يستجمع الإعلام المضلل والمال السياسي بجانب الفساد والتعصب النصراني بطريقة غير مستترة.

دعم كنسي

     دعم الكنيسة وإن كان غير معلن رسمياً إلا أنه لا يخفى على المتابعين ولاسيما مع رصد بعض الحالات المخالفة لقانون الانتخابات؛ حيث واصل حزب المصريين الأحرار استغلال الكنائس فى الترويج لمرشحيه؛ حيث قام مرشحه عن دائرة المطرية جورج جميل، بتنظيم رحلة دينية مسيحية انطلقت من كنائس حي المطرية إلى أديرة (الأنبا بولا) و(الأنبا أنطونيوس).

     وقال المرشح جورج جميل فى تصريحات للموقع الرسمي لحزب المصريين الأحرار: إنه قام بتنظيم الرحلة من كنائس حي المطرية إلى أديرة الأنبا بولا و(الأنبا أنطونيوس) وشارك فيها أكثر من 900 شخص، وتم عمل قداس خاص في دير الأنبا بولا ما أشعر (الأنبا بولا) بالارتياح لحضور هذا العدد الغفير للعبادة على حد قوله.

وأضاف مرشح حزب المصريين الأحرار الذي شارك في الرحلة مرتديًا زيه الكهنوتى إلى أن الرحلة توجهت إلى دير (الأنبا أنطونيوس)؛ حيث تم التعريف بتاريخ الدير والرهبان به.

معركة تكسير العظام

     التطاحن بين القوائم والمرشحين الفرديين كبير بدرجة غير مسبوقة، وهو أشبه بمعركة تكسير العظام؛ حيث لم يخل الأمر من طعون قانونية متبادلة، واتهامات إعلامية بوجود أجندات خارجية لبعضهم، أو بالترشح من أجل ضم النفوذ للمال عند بعضهم، أو بوجود دعم غير مباشر من النظام لبعضهم كما في حالة حزب مستقبل وطن، الذي تحول من حركة داعمة للرئيس السيسي في الانتخابات إلى حزب يحتل عدد 14 مقعداً من جملة المقاعد المخصصة للقائمة، وينافس على 180 مقعداً فردياً، وهو ما صرح به محمد بدران رئيس الحزب، وهو شاب حديث التخرج حديث العهد بالمشاركة في الساحة السياسية.

     خلاصة الأمر أن هناك حالة من الترقب والحذر في المجتمع المصري عما ستسفر عنه هذه الانتخابات، التي بدت اشد سخونة منم الانتخابات السابقة، فهل ستتحقق تلك الانتخابات آمال المصريين في مستقبل أفضل؟ أم تنتج مرة أخرى مجلسًا نيابيًا لا يختلف كثيرًا عن مجلس ما قبل الثورة؟

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك