رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سحر شعير 15 مايو، 2017 0 تعليق

الاجتماع على الطـعام واحـــة أمـــان

 


يظل الاجتماع اليومي على مائدة الطعام، وتبادل الأحاديث والأخبار في جو أسريّ دافىء من أقوى العوامل التي تربط الأبناء بمؤسسة الأسرة، وتؤكد انتماءهم لها؛ مما يجعلها المؤثر الأقوى في تكوين أفكارهم وتوجهاتهم وبناء قيمهم وأخلاقهم .

     ولقد سبقت مناهجنا التربوية الشرق والغرب في الوسائل الفريدة التي تضمنت حفظ علاقة الأبناء بوالديهم وتوثيقها داخل إطار الأسرة، ومن تلك الوسائل (الاجتماع على الطعام) فقد نالت اهتماما من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، عن وحشِيِّ ابن حرب رضي الله عنه أن أصحَابَ النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول اللهِ، إِنَّا نَأْكُلُ وَلا نَشْبَعُ، قَالَ: «فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» - رواه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني - .

سنته العملية

     وكان الاجتماع على الطعام سنته العملية، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في السحر-: «يا أنس, إني أريد الصيام فأطعمني شيئا»؛ فجئته بتمر وإناء فيه ماء بعدما أذن بلال, فقال: «يا أنس, انظر إنسانا يأكل معي», قال: فدعوت زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال: يا رسول الله, إني شربت شربة سويق وأنا أريد الصيام, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا أريد الصيام، فتسحر معه, وصلى ركعتين, ثم خرج فأقيمت الصلاة» رواه أحمد والنسائي. ولا عجب؛ فالمجتمعات الغربية التي صدّرت إلينا ظاهرة الوجبات السريعة قد باتت تعاني آثارها السلبية على الأسرة، يقول الباحث (تشن بو- زونغ) من كلية روتمان للإدارة في جامعة (تورنتو) بكندا:

«إن التكنولوجيا التي تجعل الناس تأكل بسرعة تفقدها الإحساس بالراحة وبتناول الطعام مع العائلة؛ فتفسد عليهم متعتهم بدفء الأسرة؛ لأن هاجس الاستفادة من الوقت يظل يطاردهم طوال الوقت».

ضرورة تربوية

     الاجتماع على الطعام ضرورة تربوية لكل أسرة؛ فالمحافظة على هذه الجلسة العائلية الدافئة ليست ترفاً تربوياً، ولكنها وسيلة ناجحة ومهمة من وسائل التربية المتوازنة؛ فالاجتماع على الطعام وتبادل الأحاديث المفعمة بالحب والودّ بين الوالدين وأبنائهم، يمنحهم الكثير من الإشباع العاطفي والاستقرار النفسي، كما يمنحهم شعوراً أكيداً بالقبول والاحترام عند والديهم؛ مما يولد في أنفسهم قدراً من الثقة في النفس والاستعداد الايجابي المرتفع لتلقي توجيهات الوالدين.

الترابط والتلاحم

وهذا ما يؤكده المختصون، تقول د.سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس:

     إنّ قوة العلاقة الأسرية ترتبط بقدرة أفرادها على الترابط والتلاحم؛ فاجتماع الأسرة يوميا على تناول الطعام يكوّن فرصة لحل الكثير من المشكلات، ويمثل ضرورة لبقاء الحياة الأسرية، ولابد أن تبذل كل أسرة مجهودا كبيرا حتى يجتمع أفرادها على تناول الطعام؛ لأن ذلك بمثابة الغذاء الروحي الذي تحتاجه الأسرة ولا يمكن أن تستغني عنه، كما لا يمكن التنازل عنه بدعوى الانشغال أو عدم الأهمية.

أزمات نفسية

إن غياب هذا الاجتماع الأسري قد يؤدي إلى دخول أحد أفراد الأسرة في أزمات نفسية، يقول الدكتور أحمد عكاشة، الطبيب النفسي:

تتولد أزمات نفسية لدى بعض أفراد الأسرة في حال غياب اللقاء اليومي سواء كان على الطعام أم في اللقاء المنفرد الذي يبدو صعبا لحالات كثيرة من الأسر؛ بسبب الارتباطات الخاصة بالعمل أو بعض المسؤوليات والمهام.

وأضاف: إنّ غياب هذه الاجتماعات قد يؤدي إلى أزمات نفسية؛ فالأبناء يحتاجون الوالدين أكثر مما يحتاجون إلى الطعام، والاجتماع على الطعام يوميا وبتكرار يخلق التواصل الجيد بين أفراد الأسرة؛ فالأبناء يحتاجون لمترجم يفهمهم ويكون قريبا منهم، وهذا لا يتم إلا من خلال الأسرة على مائدة الطعام.

ومن فوائد اجتماع الأسرة على الطعام أيضاً:

إشعار الأبناء بمحبة الوالدين وتقديرهما

     وقد أكدت الدراسات التربوية هذه الحقيقة؛ ففي دراسة أسبانية أكدت أن: «جمع شمل الأسرة حول مائدة الطعام يعزز استقرار الصحة النفسية والعقلية لدى الأبناء، وتوصلت الدراسة إلى أن الأبناء في سن المراهقة الذين يشاركون آباءهم تناول الطعام يتمتعون بحالة نفسية جيدة، وأن تناول الوجبات اليومية التي تضم جميع أفراد الأسرة ولأكثر من خمس مرات في الأسبوع  له أثر جيد على الصحة النفسية للأبناء-» - جريدة الأهرام المصرية،عدد:42046 الجمعة 18/1/2002 -.

توفير جو الأمن النفسي للأبناء

فالوجبة العائلية تؤدي دوراً في التكوين النفسي للأبناء؛ حيث تطمئن المراهق والطفل؛ إذ إن لقاء الوالدين بأبنائهما حول طاولة الطعام يترك انطباعًا جيدًا عندهم بأن والديهم حاضران وأنهما مرجع لهم وإن كانا لا يمضيان الكثير من الوقت معهم.

خلق فرص تربوية رائعة

     إنّ اجتماع العائلة على مائدة الطعام يعلم الأبناء آداب السلوك، ويخلق فرصاً كثيرة ومتنوعة للتواصل الجيد بين الوالدين وأبنائهما؛ حيث يمكنهما التوجيه وتصحيح الأخطاء بأريحية وانبساط، ولاسيما تأديب الصغار عملياً، وبرفق، وتدريبهم على التصرف السليم أثناء تناول الطعام، وعلى آداب الحديث الجماعي، عن عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ، يَقُولُ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم  وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ (2)، فَقَالَ لِي رَسُولُ صلى الله عليه وسلم :«يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْد» . متفق عليه. 

خلق مجالات للحوار المفتوح

      يمكنك- عزيزي المربي- أن تعقد حلقة نقاش مع أفراد أسرتك، عند تناول الطعام، والجديد هنا هو حداثة الموضوعات المطروحة مثل: كيف يمكننا التغلب على الشعور بالبرد في فصل الشتاء؟ أو كيف ننظم شراء حاجيات المنزل؟ أو كيف نرتب لرحلة أو زيارة عائلية لقريب مقيم في مدينة أخرى؟ والغرض من هذا النقاش هو إشاعة جو الألفة والمحبة داخل الأسرة، مع تدريب الأبناء على التعبير عن وجهات نظرهم ومشاعرهم، فضلا عن تعليمهم بعض آداب الحوار والنقاش بطريقة ودّية وعملية.

ذكّرهم بأيامك الرائعة

هل جربت مرة أن تقص على أبنائك قصصاً من حياتك أو مواقف مررت بها؟..

لقد حان الوقت لكي تفعل ذلك أثناء الغداء أو العشاء أو أثناء تناول الشاي بعدهما، وسترى بريقاً في أعين صغارك وهم يتابعون بشغف ما تسرده عليهم.

درّبهم على البرّ بأمهم

     في هذا اليوم سيمنح الأب والأبناء للأم الغالية إجازة من أعمال المطبخ والطهي، وستقوم أنت أيها الأب الكريم بالاشتراك مع أبنائك في إعداد طعام الغداء أو العشاء، ثم غسل الأطباق وإعداد الشاي، وهكذا ستعيش الأسرة روح التعاون والحب والمودة، ويشعر الجميع بالقدر الحقيقي للمجهود الذي تبذله الأم يومياً من أجل راحتنا جميعاً، فكم نتصور سيكون هذا اليوم رائعاً ؟ لنطبق الفكرة ونستمتع بما فيها من متعة وفائدة!!

واحة الأمان والثقة

وأخيراً..عزيزي القاريء الكريم، لتستمتع بتربية أبنائك، ولتجعل من (مائدة الطعام) واحة الأمان والثقة التي يصدر عنها الأبناء وإليها يرِدُون، وأروع الأوقات التي ينتظرون حلولها كل يوم، ولتظل تلك الصورة الرائعة للأسرة وقد اجتمعت على الطعام انتصاراً لقيمنا العظيمة وتثبيتا على طريق التربية الراشدة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك