رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أحمد حمدي 17 يونيو، 2020 0 تعليق

الإنسان بين طموح الدنيا والآخرة

 الإنسان بين طموح الدنيا والآخرة

كثير من الناس له طموح دنيوي يريد أن يصل إليه، ولا يريد أن يسبقه أحد، أو أن يكون أفضل منه، فيرجو الترقية والوظيفة, أو أن يكون أستاذًا في الجامعة، أو أن يركب سيارة أفضل، أو أن يمتلك قطعة أرض في مكان ما, أو بيتا أوسع وأمنيات لا تنتهي مع أن الله -عزوجل- قال: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (طه:131)، {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} (النساء:32)، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم - عن النظر إلى مَن هو فوقك في الدنيا حتى لا تزدري نعمة الله عليك، وتحمده وتشكره، وترضى وتقنع بما قسمه الله لك.

تنافس الناس على الدنيا

     وقد ترى تنافس الناس على الدنيا مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: فَوَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» (متفق عليه)، فهل عندك غيرة أو تنافس على أمر الآخرة عندما ترى أحدًا أفضل منك في القرآن، والعبادة، والصف الأول، وتكبيرة الإحرام، والأوراد، وأكثر همة في الدعوة إلى الله، وطلب العلم والفقه في الدِّين؟ قال الله -عز وجل-: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات:13)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (متفق عليه)، وقال -تعالى-: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (المطففين:26)، وقال: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} (الصافات:61).

انظر لمَن فوقك في الدِّين

     وحثَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على النظر إلى مَن هو فوقك في الدِّين حتى تتشبه به، وتستقل عبادتك، ولا ترى عملك، ولا تعجب به، قال -تعالى-: {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} (المدثر:6)، وقد نصح النبي - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان -رضي الله عنها- زوجته، بالدعاء بطلب الجنة والنجاة من النار عندما سمعها تدعو بأن يمتعها الله بزوجها وأخيها معاوية وأبيها أبي سفيان، وقال للصحابة عندما سأله الأعرابي ناقة يركبها وعنزًا يحلبها: «أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟!...» (رواه ابن حبان، وقال الألباني: صحيح لغيره)، أي: عندما سنحت لها الفرصة فطلبت من سيدنا موسى أن تكون معه في الجنة، كما سأله ربيعة - رضي الله عنه - «أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ» ولم يسأل منزلًا، ولا زوجة، ولا مالًا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (رواه مسلم).

ليس الإيمان بالتمني

     ومعناه: ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، قال -تعالى-: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} (النساء:123)، {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} (البقرة:111)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ، فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ» (رواه البخاري).

هل تريد أن تكون إمامًا للمتقين؟

     فهل تريد أن تكون إمامًا للمتقين كما قال -تعالى- في دعاء عباد الرحمن: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان:74)، وقال -تعالى-: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا} (السجدة:24)؟، قال ابن القيم -رحمه الله-: «بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين»، وذلك بالمثابرة والمصابرة، والجد والاجتهاد والثبات، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} (آل عمران:200)، وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: «مَن ثبت نبت، والصابر هو الظافر»، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «واعلَمْ أنَّ النَّصرَ مع الصَّبرِ، وأنَّ الفرَجَ مع الكرْبِ، وأنَّ مع العُسرِ يُسرًا» (رواه الحاكم، وصححه الألباني)، فقد قال -تعالى- لإبراهيم -عليه السلام-: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي} (البقرة:124).

فإبراهيم -عليه السلام- لا يريد فقط أن يكون إمامًا، بل يريد ذريته أيضًا أئمة, وفعلًا جعل الله خليل الرحمن أبًا لكل الأنبياء؛ فكل الأنبياء مِن بعده مِن ذريته: إسماعيل، وإسحاق ويعقوب، ويوسف، وموسى، وداود وسليمان وزكريا، ويحيى وعيسى، ومحمد -عليهم صلوات الله وسلامه-؛ إلا لوطا -عليه السلام.

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً

     قال الله -تعالى-: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} (النحل:120)، أي: إمامًا يُقتدَى به في الخير، فما زلنا نذكر إبراهيم -عليه السلام- عبر آلاف السنين، ولا نذكر الملوك والأمراء والرؤساء، والوزراء، والأغنياء والأثرياء، قال -تعالى- على لسان إبراهيم -عليه السلام-: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ}, ولأنه عاش لله؛ فأعلى الله ذكره بين الخلائق في الدنيا والآخرة.

     وقد رأه النبي - صلى الله عليه وسلم - يسند ظهره إلى البيت المعمور في السماء السابعة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إبراهيم -عليه السلام- لما قيل له: «يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ»، فقال: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ» (رواه مسلم)، فأكثر الخلق تأثيرًا في الخلق هم الأنبياء والرسل ثم الصحابة والتابعون والعلماء، فما نالوا هذا الشرف والألقاب والترضي والترحم عليهم إلا بالعمل. فإذا ذُكر الصدق، ذكر أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، وإذا ذُكر العدل والقوة في الدِّين ذُكر الفاروق عمر -  رضي الله عنه .

راوية الإسلام

وراوية الإسلام أبو هريرة - رضي الله عنه - مِن أهل الصفة، صحب النبي - صلى الله عليه وسلم- 4 سنوات ولازمه، ومع أنه كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولكنه كان يحفظ ويراقب أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - وترك التجارة، وانشغل بالنبي - صلى الله عليه وسلم-، وروى 5374 حديثًا.

أول سفير للإسلام

     وكذلك أول سفير للإسلام هو مصعب بن عمير - رضي الله عنه -؛ فترك حياة الترف والتزين بأفضل الثياب، ووضع أفضل العطور، وذهب إلى المدينة مسافة 450 كم فاتحًا لها بالقرآن، وكذلك ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، والعالِم بالتفسير، وأعلمهم بالفرائض «المواريث» زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل -رضي الله عنهم-، وأمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري -رحمه الله.

أصح كتاب بعد كتاب الله

وأصح كتاب بعد كتاب الله -عز وجل- صحيح البخاري، فقد كان يسافر شهرًا كاملاً لطلب حديث واحد، ويوقد السراج في الليلة الواحدة 20 مرة لتدوين كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وما يطرأ على خاطره من أحكام.

الإمام أحمد

وكذلك الإمام أحمد ابن حنبل إمام أهل السنة والجماعة في محنة خلق القرآن, قضى 28 عامًا في طلب العلم، ومشى 30 ألف ميل (الميل العربي 3 كم)، أي: 90 ألف كم، وحج مِن بغداد إلى مكة ماشيًا 3 مرات.

شيخ المفسرين

     وشيخ المفسرين وشيخ المؤرخين ابن جرير الطبري الذي قال لتلامذته: «هل تنهضون لكتابة التفسير والتاريخ عني في 30 ألف صفحة»، فقالوا: «هذا ما تفنى فيه الأعمار!»، فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون، فاختصر كل واحد في 3 آلاف صفحة».

وابن عقيل مؤلف أكبر كتاب في التاريخ الفنون 800 مجلد، وإمام الحرمين الجويني، وسلطان العلماء العز بن عبد السلام.

شيخ الإسلام ابن تيمية

وشيخ الإسلام ابن تيمية (مؤلف مجموع الفتاوى 37 مجلدًا)، كان يكتب كل يوم 4 كراريس، الواحدة تفرغ في أسبوع، وجده المجد أبو البركات (صاحب منتقى الأخبار في الفقه الحديثي) يجعل ابنه يقرأ عليه الحديث وهو في قضاء حاجته في الخلاء حتى لا تضيع عليه هذه الدقائق.

هند بنت عتبة

وهند بنت عتبة (زوجة أبي سفيان بن حرب) عندما قيل لها: «إن عاش الغلام (معاوية) سيسود قومه، فقالت هند: ثكلته إن لم يسد إلا قومه»، فكان معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- أعظم الملوك في تاريخ الإسلام، والأئمة الأربعة ما نالوا هذه الألقاب إلا بالجد والعمل والاجتهاد.

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم                  إن التشبه بالكرام فلاح

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك