رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ/ صالح بن فوزان الفوزان 2 مايو، 2017 0 تعليق

الإسلام دين شامخ وعزيز إلى قيام الساعة

 

لئِن كان الإسلام في هذه الأيام يتعرض إلى هزات من قبل المشركين والمنافقين واليهود والنصارى، يريدون زعزعته وتغييره وتفريق المسلمين، فإن هذا ليس بغريب من أعداء الله ورسوله؛ فإنهم في كل زمان ومكان هذا دأبهم مع جميع الرسل خصوصًا مع نبينا محمد[، تعلمون ما جرى للرسول   صلى الله عليه وسلموهو في مكة من أذى المشركين وأذى من معه من المسلمين، فكانوا يؤذون الرسول صلى الله عليه وسلم ويكذبونه، ويقولون ساحر، أو شاعر، أو مجنون، ويقولون عن القرآن أساطير الأولين، ويقولون القرآن شعر، ويقولون ويقولون، هذا موقفهم من الرسول صلى الله عليه وسلم  ومن القرآن.

      وأما موقفهم من المسلمين في مكة فهو معلوم، كانوا يضايقون المستضعفين، ويؤذونهم، ويضربونهم، ويعذبونهم، ليصدوهم عن الإسلام، وليرجعوهم عن دينهم، لكن الله ثبتهم على دينه، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة على هذه الحال مع الكفار والمشركين، إلى أن أذن الله -جل وعلا- له بالهجرة لمّا وجد الأنصار والأعوان، ووجد الدار التي تؤويه وهي المدينة النبوية، أرادوا منعه ومنع أصحابه من الهجرة خوفًا من أن تقوى شوكتُهم وتقومَ دولتُهم، فكان المسلمون يتسللون للهجرة على خُفية، والرسول صلى الله عليه وسلم  باقٍ في مكة، ثم أذن الله له في الهجرة، فاجتمع المشركون وتشاوروا فيما بينهم، ماذا يفعلون بالرسول صلى الله عليه وسلم  حتى لا يلحق بأصحابه، فتشاوروا بينهم، تداولوا ثلاثة آراء، الرأي الأول: أنهم يقتلونه ويستريحون منه، والرأي الثاني: أنهم يسجنونه مدى الحياة حتى يموت في السجن، والرأي الثالث: أنهم يطردونه من البلاد ويشردونه، اجتمع أمرهم على الرأي الأول وهو أن يقتلوه، فجاؤوا بالفتيان منهم وأجلسوهم على بابه في الليل حتى إذا خرج قتلوه برماحهم وسيوفهم، باتوا يرصدونه صلى الله عليه وسلم ، فأطلعه الله -جل وعلا- على ذلك، فخرج من بينهم وهم لا يشعرون به، وحثا على رؤوسهم التراب وهم لا يشعرون به، لأن الله أعمى أبصارهم كما أعمى بصائرهم.


 

 

 

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم

 

 

 

      خرج صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق مهاجِرَين خُفيةً إلى أن وصلا إلى المدينة واستقرا بها بحفظ الله ورعايته، وهناك لمّا جاء إلى المدينة وجد الدار والأنصار والأعوان، ولكن لم ينقطع شر المشركين وشر اليهود والنصارى وشر المنافقين، ثلاثة أعداء تجمعوا على الرسول صلى الله عليه وسلم، المشركون يكفرون بدينه لأنهم يكفرون بجميع الأديان، واليهود يعلمون أنه رسول الله، ويعلمون أن القرآن حق ولكنّهم حملهم الحسد على أن يُظهروا الكفر به[، ويظهروا معاداته، والمنافقون أظهروا الإسلام ليسلموا على دمائهم وأموالهم، ويعيشوا مع المسلمين وهم في الباطن على الكفر ومع الكفار، فالمشركون غزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرات عدة ليقضوا عليه وعلى دينه وعلى أتباعه، حصل ما حصل في وقعة أحد، وفي وقعة الخندق، وفي وقعة حنين، ولكن الإسلام بقي عزيزاً وبقي المسلمون، وإن كان أصابهم ما أصابهم في سبيل الله واستُشهِد منهم من استُشهِد إلى الجنة.

 

كيد المنافقين والمشركين

      فلما رأى المشركون واليهود والمنافقون أنهم لن يستطيعوا إزالة الإسلام، بقُوُا يكِيدون له، يكِيدون له، كما قص الله عنهم ذلك في القرآن، ولكن ما زال الوحي ينزِل على الرسول صلى الله عليه وسلم، والقرآن ينزل، والإسلام يزيد، والرسول ينتصر في غزواته، حتى أذِن الله له بفتح مكة المشرفة، فغزا صلى الله عليه وسلم في رمضان يريد فتح مكة بجنود الإسلام، ودخلها عليه الصلاة والسلام ظافراً منتصراً، وفتح الله مكة على يديه، ولما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجا وجاءت الوفود من كل جهة، وفود القبائل يعلنون الإسلام ويبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الله -جل وعلا-: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} (النصر)، فكان ذلك مُؤْذناً بقرب أجله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أتمَّ المهمة التي كُلِّف بها، وأتمَّ الله هذا الدين، فأنزل عليه وهو واقف بعرفة قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} (المائدة:3).

 

ردة المشركين المنافقين

     بعد ذلك عاش صلى الله عليه وسلم شهرين وأياماً ثم توفي عليه الصلاة والسلام، ولمَّا تُوفي حصل من المشركين كرة على الإسلام، فارتد من ارتد، وقالوا لو كان نبياً ما مات، ومنع الزكاة قومٌ منهم، وقالوا إنما نؤديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات فلن نؤدي الزكاة، وبايع المسلمون أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فوقف الموقف الحازم، وثبت ثبات الجبال، وقاتل المرتدين، حتى أطفأ الله شرهم، ونصر دينه، وأعلى كلمته، وتوطَّد الإسلام في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

 

انتشار الإسلام

     ثم جاء إخوانه من بعده الخلفاء، فنشروا الإسلام في المشارق والمغارب، في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فنشروا الإسلام في المشارق والمغارب مصداقاً لقوله -تعالى-: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (الصف:9)، فنصر الله هذا الإسلام، وأظهره على الأديان كلِّها، وسيطر على معظم المعمورة، هذا نصر الله سبحانه وتعالى، ولن يضره كيد الكائدين، وحقد المنافقين، والمشركين، واليهود، والنصارى، لن يضره ذلك.

 

كيد اليهود

ثم إن اليهود كادُوا للإسلام، ودسُّوا فيه الفرق الباطنية، وفرق الخوارج، فحصل منهم ما حصل، ولكن الإسلام لم يتأثر بذلك، وقتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ] شر قتلة، وانتصر الإسلام ولله الحمد، ولا يزال الإسلام منتصراً إلى أن تقوم الساعة؛ لأن الله تعهد بحفظه، وتعهد بنصره، فلن يتطاول عليه أحد مهما حاول.

 

حملات التتار

     ثم جاء التتار في آخر خلافة بني العباس وفعلوا بالمسلمين الأفاعيل، وقتلوا منهم الآلاف المؤلفة، ولكن الإسلام بقي ولله الحمد، لم ينالوه بسوء، ثم جاءت الحروب الصليبية التي غزت بلاد المسلمين، ونصر الله المسلمين عليهم في آخر عهدهم، على يد الخليفة الصالح صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، فطردهم من بيت المقدس وصار في قبضة المسلمين.

 

صمود الإسلام وثباته

     وهكذا، لا يزال الإسلام -ولله الحمد- في نصر بعد نصر، في نصر تلو نصر، مهما حاول أعداؤُه، والآن كما تعلمون يحاولون زعزعة الإسلام، وتفريق المسلمين، وحل دُولِهم، واحتلال بلادهم، يريدون ذلك، ولكن الله يأبى إلا أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، فالإسلام كما قال الله -تعالى-: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كل حينٍ بإذن ربها} (إبراهيم:24-25)، وأما مثل الكفر، فإنه: {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} (إبراهيم:26).

 

     إن هذا الإسلام -ولله الحمد- ثبت على مر العصور والهزات والنكبات، ثبت غضَّاً طريَّاً كما أّنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأن القرآن مرجعه، والسنة النبوية هي منهجه وحكمه، وأما الكفر فإنه يُبنى على القوانين الوضعية، وعلى أنظمة الكفر التي لا أصل لها، وإنما هي من اختراعهم، ولهذا تسمعونهم الآن يقولون غيروا المناهج، غيروا دساتيركم، ينادون بتغيير الدستور، وهو الذي يحكمون به؛ لأنه من صنع البشر، لا ثبات له، ولا استقرار له، ولا خير فيه، أما منهج المسلمين فإنه الكتاب والسنة، والله -جل وعلا- قال في القرآن: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت:42)، فمهما حاول الأعداء أن يزعزعوا هذا الدين، وأن يشككوا في شريعة الإسلام، فلن يستطيعوا ولله الحمد، ويُقيِّض الله لهم من يرد كيدهم من حكام المسلمين، ومن علماء المسلمين في كل زمان ومكان، فنسأل الله الثبات على ذلك.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك