الإسكان في القدس.. آلام وتحديات (1)
قال الله -تعالى-: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}، فلا يزال اليهود يظهرون عداوتهم لأهل فلسطين، بكافة الوسائل والسبل، ومن العداوة ما يتعلق بمشكلة الإسكان في القدس التي تعد من المشكلات الخطيرة والمهمة التي يعانيها المقدسيون في أرضهم ومدينتهم؛ فالاحتلال الصهيوني لا شك أنه يتطلع ويعمل على تهويد القدس من خلال أدوات وبرامج وجماعات وأحكام وقوانين وشراكات تصب مجتمعة في مشروع التهويد وضمان استمراره، والهدف ابتلاع الأرض وتهويد المباني، ولكن من غير العنصر البشري الذي يعيش عليها.
سياسة ممنهجة
وهو يتبع سياسة ممنهجة من شقين: الأول: تهويد الأرض والمباني مباشرة، والثاني: تقليل الوجود الفلسطيني إلى أدنى حد ممكن، ومن بقى في النهاية فمصيره الطرد والتهجير. وذلك ضمن سياسة خلق واقع جغرافي وسياسي جديد يسيطر عليه الاحتلال ومؤسساته.
فالعقبات والمصاعب والقوانين التي وضعتها بلدية الاحتلال في القدس والحكومات الصهيونية المتعاقبة جعلت المقدسيين يحصلون على أقل من رخصة بناء واحدة لكل ألف مسكن، وهو ما يعني وجود آلاف المساكن غير المرخصة والمعرضة للهدم في أي لحظة، جعلت من حصول المقدسي على سكن تتوافر فيه المواصفات الصحية وغير مهدد بالهدم حلما صعب المنال.
معاناة أهل القدس
فمعاناة أهالي القدس المحتلة لا تكمن فقط في ضيق السكن والمنع من البناء، بل حتى إكمال البيوت القائمة ترميمها، ما دفع عشرات الآلاف منهم إلى البحث عن مساكن بديلة والمغادرة إلى أطراف المدينة خارج الجدار العازل.
حيث يدفع المقدسي شهرياً ألف دولار إيجار شقة مساحتها 100 متر مربع، وأضحى امتلاك شقة هو حلماً جميلاً تحوِّله الأسعار المعروضة إلى كابوس، والأرقام في المدينة تتحدث عن نفسها. فسعر الشقة البالغة مساحتها 100 متر مربع في مناطق (الشيخ جراح) ووادي الجوز القريبة من البلدة القديمة، يبدأ من نصف مليون دولار، أما في المناطق البعيدة نوعاً ما عن البلدة القديمة، مثل (شعفاط) و(بيت حنينا) ورأس العامود، فيبدأ من 350 ألف دولار، ويكاد يكون هذا الرقم هو السعر السائد في الأحياء الأخرى من المدينة.
ويبلغ متوسط مساحة المنزل في شرقي القدس 50 مترا مربعا، وأكثر من 41 بالمائة من العائلات لديها 3 أشخاص أو أكثر يعيشون في غرفة واحدة؛ وقد أظهر مسح أجري على ظروف المباني والمساكن وأحوالها في حي الثوري وسلوان -أجرته مؤسسة التعاون والسلام الدولية- أن أكثر من 20 بالمائة من المنازل غير صالحة للسكن، وتحتاج لإعادة تأهيل، وأن أكثر من 55 بالمائة منها تعاني ظروفا غير صحية.
الخيارات المؤلمة
مقدسيون كثر وجدوا أنفسهم أمام واحد من أربعة خيارات، إزاء واقعٍ صعب كهذا في المدينة: فإما البقاء في المدينة ودفع الإيجارات الباهظة، أو الاقتراض من البنوك بشروطها؛ ما يعني مراكمة ديون تربط العائلة حتى الأحفاد لسدادها، أو البناء على أراضٍ لهم من دون الحصول على تراخيص بناء والمخاطرة بإمكانية الهدم، أو، أخيراً، الهجرة إلى خارج المدينة.
وفي مقابل الأربعة الخيارات، ثمة أربعة أسباب تؤدي إلى تفاقم نقص المساكن في القدس وهي:
- أولاً: سياسات الاحتلال الهادفة إلى تقليص أعداد الفلسطينيين في المدينة.
- وثانياً: ارتفاع أسعار الأراضي والرخص على المقاولين وأصحاب مشاريع الإسكان.
- وثالثاً: انعدام الدعم العربي والإسلامي للإسكان في المدينة.
- ورابعاً: شحّ التسهيلات المصرفية للسكن.
100 منزل يهدم سنوياً!
وعدد المنازل غير المرخصة، بالمفهوم الاحتلالي وقوانينه الجائرة، يصل إلى 20 ألفاً وجميعها مهددة بالهدم؛ بسبب أن الفلسطينيين يلجؤون إلى البناء من دون ترخيص بعدما تسد طرق الحصول على رخص بناء من البلدية القدس المحتلة.
وهناك أيضاً مخالفات البناء التي تصدرها البلدية بداعي البناء غير المرخص، وتصل قيمتها في بعض الأحيان من 80 إلى100 ألف دولار أو أكثر، جزء كبير منهم يدفع المخالفات، ولا يحصل على رخصة.
وفي معظم الأحيان، وبعد الانتهاء من دفع المخالفات، يتم هدم المنزل بادعاء أنه غير مرخص.
واستصدار رخصة بناء في القدس بات في غاية الصعوبة؛ فهو يستغرق بين 3 إلى 5 سنوات، ويكلف أكثر من عملية البناء ذاتها؛ حيث تتجاوز تكلفة الرخصة 50 ألف دولار، والمشكلة الأخرى أنه حتى وإن توفر المبلغ، فإصدار التراخيص أمر معقد بسبب الشروط والأوراق الثبوتية التي تطلبها اللجان والبلدية.
الإقامة خارجها شطبٌ منها
عدم توفّر المساكن في القدس الشرقية اضطر عشرات آلاف الفلسطينيين المقدسيين إلى البحث عن مساكن لهم في محيط مدينة القدس الشرقية. ويقدر العدد بـ 120 ألف مقدسيّ يقيمون الآن في مناطق تعد إسماً ضمن حدود بلدية القدس الغربية، مثل مخيم (شعفاط) و(سميراميس) و(قلنديا) و(كفر عقب)، أو في مناطق تصنف على أنها ضمن نطاق الضفة الغربية مثل (رام الله) و(بيت لحم) و(بيت جالا) و(أبو ديس) و(العيزرية)؛ حيث أسعار الشقق في المناطق المحيطة بالقدس أقل بكثير مما هي عليه في داخل القدس الشرقية، وهذا يعني إلغاء إقامتهم في القدس وإسقاط الهوية المقدسية عنهم.
وبحسب تقديرات رسمية من سلطات الاحتلال، فقد تم منذ العام 1967 شطب إقامات ما يزيد عن 14 ألف مقدسي من قبل السلطات المحتلة، سواء لإقامتهم خارج الأراضي الفلسطينية أم في الضفة الغربية.
لاتوجد تعليقات