الإرشـاد النفسي للشـباب- خطواته وكيفيته في التصور الإسلامي (6)
التوجيه أو الإرشاد النفسي عملية تتضمن مجموعة من الخدمات التي تقدّم للأفراد لمساعدتهم على فهم أنفسهم، وإدراك مشكلاتهم، والانتفاع بقدراتهم في التغلب على هذه المشكلات وفي تحقيق أقصى ما يستطيعون الوصول إليه من نمو وتكامل في شخصياتهم، واستكمالاً لهذا الموضوع نتكلم اليوم عن أهمية مفاهيم المواجهة، وإشباع الحاجات النفسية لدى الشباب فنقول:
للمنهج النفسي الإسلامي مفاهيم معرفية نفسية ذات مصطلحات خاصة، تصف طبيعة العلاقة بين الحاجات المتعددة الملحة وأساليب إشباعها، ومن هذه المفاهيم:
1- الابتلاء.
2- الوسطية (الاعتدال في الإشباع).
3- المجاهدة.
4- الصبر.
وفيما يلي إشارة إلى اثنين منها:
مفهوم الابتلاء
حيث إن الحياة إنما خلقت للابتلاء والاختبار، والنظر في عمل هذا الإنسان وسلوكه أَحَسَنٌ هو أم سيء؟ أمعروف أم منكر؟ أسوي أم شاذ؟ قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالحَيَاةِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}، وقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ}، وقال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.
وتتصف حياة الإنسان في هذا الوجود بالمعاناة والمشقة: قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}(79). وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ}.
إذاً فالمعاناة والشدة في طبيعة الحياة ووجود الخيارات وأنواع المطلوبات يجعل الإنسان في حالة اختبار وامتحان في مسالكه واختياراته، وهذا هو مفهوم الإبتلاء الذي يحرص المنهج النفسي الإسلامي على وضوحه عند المسلم وإشعاره به.
مفهوم المجاهدة
مادامت الحاجات والمطالب موجودة متأصلة في الإنسان ولابد من إشباعها، ولابد من كيفية معينة للإشباع وفق المنهج الإسلامي – كما مر – وما دام هذا الإشباع بهذه الكيفية المحددة نوع من الابتلاء لهذا الإنسان للنظر أيستقيم في إشباع هذه الحاجات أم ينحرف؟ إذاً فلابد من عملية المجاهدة والمقاومة في سبيل الفوز على عناصر الشر ودواعي الفتنة، وذلك بإشباع حاجات النفس إشباعاً متكيفاً مع الضوابط والهيئات الشرعية المبنية على أصولها المستقلة في المنهج الإسلامي. قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره».
وهكذا تستمر المجاهدة متمثلة في تعدد المطالب وتجددها، وفي قدرة الفرد وإرادته لضبط إشباعها حسب الكيفية المقصودة من الشارع، ومن خلال النصر والهزيمة في هذه المجاهدة والمقاومة يتم الترقي أو الهبوط في سلم الإيمان.
تشكل الشخصية
عملية الإرشاد تعنى بمعرفة كيفية تشكل الشخصية، وكيفية تعديل هذا التشكيل، وهذه المعرفة تساعد على تحديد الخلل في شخصية المسترشد وعلى العمل لعلاجها وفق التصور النفسي الإسلامي لبناء الشخصية.
ويرتبط موضوع إشباع الحاجات ارتباطاً وثيقاً بتكوين الشخصية؛ إذ إن حاجات الإنسان النابعة من كيانه وطريقة إشباعها يؤثران في بناء شخصيته، وقد ذكرنا إغفال علماء النفس لجوانب من حاجات الإنسان عندما تطرقنا لموضوع الحاجات، ومن أسباب هذا الإغفال إعراض علماء النفس عن الشق الآخر من كيان الإنسان وهو الجانب الروحي. ويرى محمد عثمان نجاتي أن هذا الإغفال «أدى إلى قصور واضح في فهمهم للشخصية الإنسانية وفي معرفتهم للعوامل المحددة للشخصية السوية وغير السوية، كما أدى هذا إلى عدم اهتدائهم إلى تكوين مفهوم واضح دقيق للصحة النفسية».
ونحن نرى أيضاً أن إغفال الجانب الروحي خصوصاً، وإغفال النظر إلى طبيعة حياة الإنسان وغاياته عموماً، أدى إلى عدم الاهتداء إلى الطريقة الشاملة والمناسبة لبناء الشخصية، وإلى ربط ذلك بمفاهيم بنائية داخلية وخارجية متناسبة مع هذه الطبيعة.
إن الشخصية تنبني في البيئة الإسلامية وفق مفهومي الدين والإيمان اللذين يقررهما القرآن والسنة والنبوية، وذلك بتدرجها في سلم الإيمان الذي يؤهلها لاكتساب صفات وسمات معينة حسب الدرجة التي تقع فيها. أما المبادئ التي ينبني عليها هذا التصور فتتمثل في أربعة مبادئ لمفهوم الإيمان وآثاره وهي:
1- أن العمل والسلوك مكوناً رئيساً للإيمان.
2- أن الإيمان يزيد وينقص.
3- أن المؤمنين يتفاوتون في الإيمان.
4- أن للمؤمنين صفات وسمات.
وتمثل هذه المبادئ الأربعة تسلسلاً مرتباً أي أن الأول يؤدي إلى الثاني والثاني يؤدي إلى الثالث وهكذا.
الأعمال والممارسات أو السلوك
المبدأ الأول هو أن الأعمال والممارسات أو السلوك – في مصطلح علم النفس داخل في مسمى الإيمان إلى جانب الاعتقاد والشعور، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الإيمان بضع وستون شعبة – وفي رواية بضع وسبعون شعبة – أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان». فالإيمان له شعب متعددة وكل شعبة منه تسمى إيماناً؛ فالصلاة من الإيمان والزكاة والصوم والحج كذلك، والأعمال الباطنة كالتوكل والإنابة إلى الله من الإيمان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق.
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وفي رواية «ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». وهذا يدل على قوة الإيمان وضعفه بحسب الأعمال كماً وكيفاً، وهو مبدأ مهم في مجال دراسة السلوك وتوجيهه وتنميته، ويترتب عليه تصور واسع وشامل لأنشطة الإنسان وجزئيات سلوكه، فصومه وصلاته وصدقه وبره وصلته وخلقه ومعاملته وزياراته وأعماله وتجارته وجميع أنواع سلوكه، الصغيرة والكبيرة، هي أجزاء في الإيمان سلباً أو إيجاباً سواء كانت أجزاء هذا السلوك فردية أم إجتماعية، عبادية أم عادية فهي إنجاز وتحصيل للإيمان أو خسارة فيه حسب اتجاه السلوك، وموقعه من الكيفيات الشرعية المحددة للفرد المسلم.
قال ابن عمر -رضي الله عنه-: «لقد لبثنا برهة من دهر، وأحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن تنزل السورة على محمد -صلى الله عليه وسلم - فنتعلم حلالها وحرامها، وأمرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما يتعلم أحدكم السورة. ولقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان يقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يعرف حلاله ولا حرامه، ولا أمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدقل».
الإيمان يزيد وينقص
المبدأ الثاني هو أن الإيمان يزيد وينقص وفق مقدار السلوك واتجاهه، وهذا يترتب على المفهوم السابق الذي يجعل السلوك والأعمال جزءاً من الإيمان؛ فالإيمان المشتمل على السلوك يزيد وينمو بالطاعة، وينقص وينحسر بالمعصية.
قال تعالى: {إِنِّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً}، وقال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}.
وهذه الزيادة في الإيمان المذكورة في الآيات ليست مجرد التصديق بأن الله أنزلها بل زادتهم إيماناً بحسب مقتضى الآية وما يترتب عليها من أمر أو نهي أو تشريع.
ويتبين من هذا أن الإيمان موضوع تحصيلي يشبه المادة التي تعد أو توزن التي يحدث لها الزيادة كما يحدث لها النقصان بحسب السلوك المكتسب، وأن للإيمان أثراً تراكمياً وفقاً للتحصيل العلمي والعملي الذي قد يصل إلى مستوى عالٍ من الكم والكيف حتى يكون الإيمان أمثال الجبال.
قال مالك بن دينار: «الإيمان يبدو في القلب ضعيفاً ضئيلاً كالبقلة فإن تعاهده صاحبه فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة وأماط عنه الدغل وما يضعفه ويوهنه، أوشك أن ينمو ويزداد، ويصير أمثال الجبال».
ونخلص من هذا إلى أن دخول الأعمال في الإيمان يؤدي به إلى الزيادة أو النقصان عبر البرنامج اليومي لسلوك الفرد، وأن هذا المبدأ ذو قيمة نفسية داخلية وذو قيمة سلوكية خارجية؛ لأن الأعمال غذاء يكوّن الإيمان، والإيمان الداخلي المتعمق في النفس دافع لمزيد من السلوك والعمل.
لاتوجد تعليقات