الإرشـاد النفسي للشـباب- خطواته وكيفيته في التصور الإسلامي (7)
التوجيه أو الإرشاد النفسي عملية تتضمن مجموعة من الخدمات التي تقدّم للأفراد لمساعدتهم على فهم أنفسهم، وإدراك مشكلاتهم، والانتفاع بقدراتهم في التغلب على هذه المشكلات وفي تحقيق أقصى ما يستطيعون الوصول إليه من نمو وتكامل في شخصياتهم،واستكمالا للمقال السابق في الحديث عن المباديء التي ينبني عليها شخصية الشاب المسلم نقول:
الناس يتفاوتون في الإسلام والإيمان
المبدأ الثالث هو أن الناس يتفاوتون في الإسلام والإيمان على مراتب، وهذا مبني على درجات إيمانهم المشتمل على السلوك؛ ولذلك فإن الناس طبقات ودرجات في مستوى الإيمان، يبدأ من وجود أصل الإيمان الذي يعد في أدنى المستويات، وينتهي إلى الطبقاتالعليا السابقة إلى الخيرات.
قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ}.
فالظالم لنفسه هو المسلم ظاهراً وباطناً. ولابد أن يكون معه إيمان، ولكن لم يأت بالواجب، والمقتصد الذي أدى الواجب وترك المحرم، والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه وهو يقع في الدرجات العالية من الإيمان.
ثم إن هذا الترتيب ينبني عليه اختلاف الدرجات في الجزاء الأخروي: قال تعالى: {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ، وَأَمَّا إِن كَاَن مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ}.
لشخصيات المؤمنين سمات وصفات
المبدأ الرابع هو أن لشخصيات المؤمنين سمات وصفات تتفاوت حسب درجاتهم في الإسلام والإيمان، وقد سبقت الإشارة إلى بعض أقسام المؤمنين التي وردت في القرآن تحت أنماط معينة كالشخصية الظالمة لنفسها والمقتصدة والسابقة بالخيرات.
قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ}.
فالنمط الظالم لنفسه هو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، والنمط المقتصد هو الذي اقتصر على التزام الواجبات واجتناب المحرمات، فلم يزد على ذلك ولم ينقص منه، وهؤلاء هم الأبرار وأصحاب اليمين. والنمط السابق بالخيرات هوالذي يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، ويترك ما لا بأس به خوفاً مما به بأس، سمته دوام التقرب إلى الله والمزيد من الطاعات عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله -تعالى- قال: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلى عبديبشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصره به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت عنشيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته».
وإذا كان هذا تفاوت ما بين المؤمنين أتباع الرسل فكيف تفاوت ما بينهم وبين الرسل؟! وقد ذكر الله -تبارك وتعالى- أن الرسل متفاضلون: قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}.
وأفضل الرسل أولو العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام؛ لما لهم من صفات تميزوا بها. فالناس متفاوتون في الدين بتفاوت الإيمان؛ فأفضلهم وأعلاهم أولو العزم من الرسل، وأدناهم المخلطون من أهل التوحيد وبين ذلك درجاتلا يحيط بها إلا الله عزّ وجل.
ومن الواضح في تعريف هذه الأنماط أو الطبقات الناحية الإجرائية العملية، فهي ليست تعريفات نظرية أو عامة، وإنما تصف هيئة السلوك وفقه متطلبات الهدي الإسلامي، فالمقتصد مثلاً – هو الذي اقتصر على التزام الواجبات وإجتناب المحرمات؛ فالتعريفمحدد وواضح، ورغم وجود هذه التعريفات لبعض الأنماط إلا أن هذا المبدأ هو أحوج المبادئ إلى الاستقصاء للوصول إلى أنواع أوصاف المؤمنين، وطبقاتهم من القرآن الكريم ومن السنة وشروحاتها ومن أقوال سلف الأمة وعلمائها، ليتسنى تحديد هذه الأنماطأو بعضها كي تكون أهدافاً عملية لبناء الشخصية المسلمة، وليتسنى اقتراح البرامج والسبل لتحقيق هذه الأهداف وفق التسلسل والكيفيات المذكورة في المصادر الإسلامية، ووفق ما يقترحه النفسيون أو التربويون فيما هو محل للاجتهاد.
المنهج النفسي الإسلامي
وهكذا يتبين – مما سبق – أن المنهج النفسي الإسلامي ينطلق في نظرته للإرشاد والعلاج من نظرة شاملة ومتكاملة للإنسان، الذي هو محل الإرشاد فحاجات الإنسان النابعة من كيانه وطبيعته الحلقة الأولى في التعرف على الحالة أو المشكلة، وقد فصل المنهجالإسلامي هذه الحاجات سواء كانت متفقة مع طرح النفسيين أم مختلفة أو جديدة، وهيئة الإشباع وضوابطه هي الحلقة الثانية, وهي ذات أثر فعال في بناء عادات الإنسان ومسالكه في سوائه وانحرافه – وقد وضع الإسلام منهجاً واضحاً ومحدداً لضوابط الإشباعوكيفياته، ولم يغفل المنهج الإسلامي تكوين الشخصية ومحدداتها، وكيفيات بنائها وأنماطها؛ لأنها الكيان المتكامل للفرد، والذي تظهر عليه هيئات السواء أو الانحراف، وتكمن فيه أسباب الصحة والمرض، وتلك الحلقة المهيمنة والمكمّلة للعملية الإرشادية والعلاجية.
وبمقارنة مختصرة بين مدارس علم النفس المختلفة وبينها وبين المدرسة النفسية الإسلامية نجد الفروقات الجوهرية والشكلية.
المدارس النفسية
فعند دراسة آراء المدارس النفسية المختلفة وأسسها الإرشادية نجد اختلافاً كبيراً فيما بينها حول النظرة إلى طبيعة الإنسان، ومحددات شخصيته بين مفهوم يجعل البيئة الخارجية تحدد الإنسان وتُهيئه، ومفهوم يجعل الحاجات والغرائز الداخلية هي التي تحددهوتكونه، وبين مفهوم يجعل الإنسان كائناً قادراً على الاختيار وحراً في التصرف والتأثر، ومفهوم يجعل الإنسان – في أساسه – آلة تدار عبر الحوافز والمعززات المختلفة من ثواب وعقاب، وقد تتفق وجهات نظر الكثيرين منهم على إمكانية التغيير في الإنسانلكن بدرجات متفاوتة.
وهذا الاختلاف في أسس النظريات هو أهم أسباب الاختلاف والتناقض في أهداف الإرشاد وعملياته وأساليبه بين المدارس المختلفة، فإذا نظرنا إلى أهداف الإرشاد عند هذه المدارس وجدنا اختلافاً واسعاً؛ فبعض المدارس تستهدف إعادة بناء شخصية المسترشد،وبعضها كالمدرسة السلوكية (Skinner) وغيره تستهدف التركيز على إزالة المعاناة والألم بمعرفة العرض ومعالجته، وبعضها ولاسيما الذين يركزون على الفرد مثل روجرز (rogers) أو على الإنسان مثل ماسلوا (Maslow) تستهدف تنمية معنى الحياةعند الفرد وتوفير الخدمات لنموه إلى أقصى حد أو تنمية أشخاص يحققون ذواتهم.
ورغم محاولات بعض علماء النفس. التوفيق بين هذه الأهداف المختلفة والذهاب إلى أن هذه المدارس – وإن اختلفت – تمثل مراحل إرشادية أو علاجية، كل مدرسة منها تركز في أهدافها على مرحلة من هذه المراحل، أي أن هناك مدارس تركز على الأهدافالمباشرة وأخرى على الأهداف الوسيطة وثالثة على الأهداف النهائية.
الفروق قائمة
ورغم هذه المحاولات إلا أن الفروق قائمة، إذ إن آراء المرشدين المنتمين لهذه المدارس مختلفة المنطلقات والتفسيرات للانحراف أو المرض النفسي الذي يعاني منه المسترشد؛ فالعلة في المعاناة النفسية عند سكنر (Skinner) شكلية سلوكية، يتم السيطرة عليهاعن طريق التحكم في المتغيرات البيئية باستخدام جداول التدعيم وبرامج تكوين السلوك. والعلة عند فرويد تكمن في أعماق الإنسان وفي تاريخه الماضي، وقد يتم السيطرة عليها عبر التحليل النفسي والوصول إلى الأسباب اللاشعورية للمشكلة. والعلة عند ماسلو(Maslow) تكمن في بنيان الشخصية ومدى تكاملها وتحقيقها لذاتها ومطالبها المختلفة، وتتم السيطرة عليها بإشباع حاجات الإنسان وفق التدريج المقترح في النظرية الإنسانية. وهكذا فالاختلاف في النظرة إلى الإنسان ثم الاختلاف في تفسير الظاهرة المرضيةيؤديان للاختلاف في أهداف العلاج وأنواعه.
لاتوجد تعليقات