الأوقاف تختتم فعاليات مؤتمر: فقه السياسة الشرعية ومستجداتها المعاصرة
(ملْحَمَةٌ علْميَّة)؛ هذا أقلّ ما توصف به فعاليات مؤتمر: (ندوة مستجدات الفكر الإسلامي الثانية عشرة)، الذي أقامته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميَّة على مدى ثلاثة أيام الأسبوع الماضي وكان عنوانه: (فقه السياسة الشرعية، ومستجداتها المعاصرة)، نخبة متميزة أكثر من ستين عالمًا من بلدان شتى، موضوعات ثرية وأطروحات علمية، شكلوا معًا ملحمة رائعة من التباحث والنقاش العلمي الراقي الرائع، حول موضوع وُصِفَ بأنَّه من أهم المواضيع التي لابد أن يبسط لها بساط البحث، ومن أهم الأولويات التي تحتاجها الأمة في أزمتها الراهنة، ألا وهو فقه السياسة الشرعية، والحق يقال: إن وزارة الأوقاف الكويتية أصبحت رائدة في ظل قياداتها الحالية في تقديم ما ينفع الأمة ويسهم في نهضتها وفق رؤية شرعية واضحة المعالم والأهداف والغايات دون غلو أو تطرف، وقد بدا هذا واضحًا جليًا في هذا المؤتمر وما سبقه من مؤتمرات.
وقد ناقش المؤتمرون موضوعات مهمة متعلقة بفقه السياسة الشرعية ومستجداتها المعاصرة وخرجوا بأبحاث علمية محكمة تعالج بعض ما تمس إليه الحاجة في فقه السياسة الشرعية وتطبيقاتها المعاصرة، وكان من أهم البحوث التي تناولها المؤتمر ما يلي:
1- السياسة الشرعية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.
2- الكتابات المعاصرة في السياسة الشرعية دراسة نقدية.
3- الشورى في الإسلام وتطبيقاتها المعاصرة.
4- أهل الحل والعقد بين الشريعة والنظم الوضعية.
5- مفهوم ولي الأمر وتكييف العلاقة بينه وبين الشعب.
6- نقد الحاكم بين الشريعة والنظم الوضعية.
7- نظرية السيادة والسلطة العليا للأمة في النظم الوضعية وموقف الإسلام منها.
8- التعددية الحزبية في الإسلام.
9- السياسة الشرعية في العلاقات الدولية.
10- تغير الفتوى وأثره في السياسة الشرعية.
11 - الأمة تمتلك عناصر البقاء والقوة والنهوض.
واستهل وزير العدل وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية شريدة المعوشرجي حفل الافتتاح بكلمة أكد فيها على أن الأمة الإسلامية شهدت في محطات مختلفة من تاريخها تحديات كبيرة ونوازل عظيمة، أحاطت بها من كل جانب, ورغم ذلك كله كانت تمتلك في كيانها عناصر البقاء والقوة والنهوض, فهي محفوظة بحفظ الله لها, وقد جعل فيها كتاباً هادياً محفوظاً من التحريف والتبديل, وسنة مبينة للمحجة البيضاء, والنهج الأقوم, وشريعة سمحة سخر لها طائفة من أهل العلم والإيمان.
وأضاف أن العوامل والأسباب الكونية والقدرية، العلمية والعملية, جعلت الأمة تمتلك سياسة شرعية, تقود سفينتها بين الأمواج المتلاطمة بتوازن واعتدال، تراعي فيها المحافظة على المكتسبات الكبرى لأمة الإسلام, بتحصيل المصالح وتكميلها, ودفع المفاسد وتقليلها, وتبرز معالم رسالتها الخالدة, وحضارتها الراشدة, من خلال تفاعلها مع الحوادث والنوازل وفق خصائص هويتها, ومبادئ قيمها وأخلاقها.
وقال المعوشرجي: إن العالم الإسلامي يشهد اليوم تقلبات كبيرة, وتحولات متسارعة, وحوادث جساماً تمثل في مجموعها تحدياً كبيراً للأمة الإسلامية ودولها ومجتمعاتها، في أمنها واستقرارها ونهضتها حاضراً ومستقبلاً, مضيفا أننا نعتقد أن استحضار تلك السياسة الشرعية, وتفعيل دورها في المحافظة على كيان المسلمين ودولهم, وترشيد العلاقة بين الحكام والمحكومين, وإبراز آثارها في الفتوى والدعوة والإصلاح, وتوعية الأجيال الصاعدة بأبعادها وآفاقها الرحبة, بما يبرز سماحة الشريعة الإسلامية, ومرونتها وصلاحها وإصلاحها لكل زمان ومكان, نعتقد أن ذلك كله من واجب الوقت, ومن أداء الأمانة وإبراء الذمة والقيام بالمسؤولية.
الأمة تعاني أزمة حالية ملحة ومحيرة:
من جانبه قال وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عادل الفلاح: إن الأمة تعاني اليوم من أزمة حالية ملحة بل ومحيرة في كثير من مظاهرها, تفرق الناس فيها شيعا وأحزاباً, كل يدلي فيها برأيه على قدر ثقافته وحظه من العلم والمعرفة، بعيداً عن الوعي الدقيق والفهم الرشيد للكتاب والسنة الصحيحة والاجتهاد العميق الذي لا يقوم به سوى العلماء الراسخين الذين جعلهم الله تعالى ورثة الأنبياء وخلفاء المرسلين, الأمر الذي استوجب عليهم أن يقوموا بدورهم, بياناً للحق وإعذارا إلى الله تعالى واستفاضة للبلاغ وأداء لرسالتهم العظيمة التي سار عليها سلف الأمة رضوان الله عليهم بلا إفراط ولا تفريط، ومن هنا رأينا أن نضرب بسهم، وأن يكون لنا الحظ الأوفى في تنظيم هذا المؤتمر المهم في موضوعه.
ورأى الفلاح أنه إذا لم يتم تناول تلك المستجدات بمنهج علمي وموضوعي فسوف تستمر المجازفات وهدر الطاقات, والعبث بالأحكام الشرعية, والإسهامات السلبية بالإساءة إليها, وإراقة الدماء وهتك أمن المجتمعات، وإشاعة الفتن والقتل بين الناس بدعاوى الإصلاح والتغيير.
وأكد الفلاح في ختام كلمته إن الأزمة شديدة، وإن اللجوء إلى العلماء والمتخصصين للإسهام والاجتهاد مسؤولية كبيرة تلقى على كواهلهم، وتقتضي منهم اجتهاداً خاصاً يؤدي إلى وضع اللبنات الأولى لمنهجية راسخة في تناول قضايا السياسة الشرعية.
أحداث جسام تعيشها المنطقة الإسلامية والعربية:
من جانبه قال عميد الكلية الاسترالية في السنغال الدكتور محمد أحمد لوح في كلمة ألقاها نيابة عن الضيوف: إن منطقتنا الإسلامية العربية مرت منذ ثلاث سنوات وما زالت تعيش أحداثا خطيرة وتطورات جسيمة وتقلبات مذهلة ومؤثرة على الصعيدين الإقليمي والدولي؛ حيث لحقت بالمسلمين جراء تلك الأحداث السياسية والثورات الفوضوية أضرار فادحة في الأنفس والأعراض والممتلكات.
وأضاف أن هذه الدعوة المباركة لم تكن غريبة على الكويت ولا على قيادتها الرشيدة أن تكون صاحبة المبادرة في هذا الاتجاه الإصلاحي, فتعقد مؤتمرين مثمرين خلال هذه الفترة، مؤتمر عن الإصلاح والتغيير تحت منظور الشريعة الإسلامية, قدم العلماء والباحثون من خلاله دراسات جادة، ثم يأتي هذا المؤتمر جزءا مكملاً لما بدأناه ودليلاً موثقاً لما طرحناه, فالسياسة الشرعية هي الأخرى قد تعرضت لتلاعب أهل الغلو والجفاء.
السياسة الشرعية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم :
وجاءت الجلسة الأولى للمؤتمر بعنوان السياسة الشرعية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، استهلها الدكتور في كلية الحديث الشريف في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة (سعود الصاعدي)، مبينًا فيها أهمية علم السياسة الشرعية، وأنه من أهم أبواب الفقه في الدين، وأن فيه ما يحقق للأمة الإسلامية ما يكفل -بإذن الله تعالى- تحقيق مصالحها العليا في الدنيا والآخرة إن تم العمل به بفقه قوي، ونظر سوي، وإلا أدى إلى ما لا تحمد عواقبه في الدنيا والآخرة.
وقال: إن السياسة مسلك فقهي مهم لتوجيه الأمة إلى ما يصلح أحوالها، ويحقق مصالحها بما لا يخالف الشريعة الإسلامية، ولها مجالات كثيرة على وجه العموم، ومن أهمها الولاية العامة، وما تشمله من أنواعها، وطبائعها، وأحكامها، وشروط الأئمة، وأنظمتها، وضوابطها، وإدارتها، وغير ذلك.
وأشار إلى أن أخذ السياسة الشرعية من السيرة النبوية من الأهمية بمكان؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام القاضي، والمفتي الأعلم، وهوصلى الله عليه وسلم إمام الأئمة، والمناصب الدينية كلها وضعها الله تعالى له.
وغالب تصرفه صلى الله عليه وسلم بالتبليغ؛ لأن وصف الرسالة غالب عليه، ثم تقع تصرفاته صلى الله عليه وسلم منها: ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعًا كإبلاغ الصلوات.
ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء كإلزام أداء الديون، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة كإقامة الحدود، ومنها ما يختلف العلماء فيه كإحياء الموات، لتردده بين رتبتين فصاعدًا، فمنهم من يغلب عليه رتبة، ومنهم من يغلب عليه أخرى.
وأشار إلى أن العمل بالسياسة الشرعية حجة، ودليل على كمال الشريعة الإسلامية، وعدلها، ويتنوع العمل بها باختلاف المصالح، والأزمنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم عمل بفقه السياسة الشرعية في مجالات متعددة، كالدعوة إلى الله عمومًا، وإلى أركان الإسلام خصوصًا، والجهاد، والجزية، ومع الحربيين، والمعاهدين، والمستأمنين، والبغاة، وفي الحدود، والجنايات، والأطعمة، والأشربة، والألبسة.
وخلص (الصاعدي) إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالأخذ بسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى رضي الله عنهم، لذلك فإن الأخذ بفقه سياستهم الشرعية من الأهمية في الدين بمكان، لأن الخلفاء الراشدين عملوا بفقه السياسة الشرعية في مجالات متعددة في حفظ الشريعة كتاباً وسنة، وفي الأحكام، والحدود، والأموال، ونحو ذلك بما يكفل إقامة الدين، وتحقيق العدل بين الأفراد، والجماعات.
ثم أوصي (الصاعدي) في نهاية كلمته باستقراء سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وسيرة أصحابه رضي الله عنهم لاستنباط فقه سياساتهم الشرعية؛ لأن المجال خصب، وما زالت الكتابة فيه في أوائل مراحلها، والاستفادة من ذلك في بناء الدول، وعلاقاتها الدولية، ومعاهداتها، وبناء ذلك على مصادر التشريع السياسي الإسلامي، وأدلته الأصلية.
الكتابات المعاصرة في السياسة الشرعية دراسة نقدية
أما في الجلسة الثانية التي جاءت بعنوان (الكتابات المعاصرة في السياسة الشرعية دراسة نقدية)، التي ترأسها أستاذ كرسي الفتوى وضوابطها بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية (الدكتور/ سليمان الرحيلي): إنَّ دراسة هذه المرحلة لا بد أن تستند إلى المواد الإعلامية المبعثرة في وسائل الإعلام الجديدة؛ حيث أصبحت الدراسات العلمية الجادة شحيحة، واتجه الجميع إلى التعبير عن مناهجها وأفكارها ومشاريعها السياسية من خلال البيانات والمقالات والمؤتمرات والمشاركات المتنوعة في برامج التلفاز الحوارية وفي صفحات الإنترنت والفيس بوك والتغريدات القصيرة.
وأكد إن أهم معالم هذه المرحلة بروز ما يعرف بحركات الإسلام السياسي، وتصدرها الحوادث السياسية بفاعلية وتأثير ولاسيما في تونس ومصر، مما شجع الباحثين والكتاب على الحديث بإسهاب عن الحركات الإسلامية ومشاريعها السياسية، كما اتجهت تلك الحركات وهي في نشوة النصر والشعور بالقوة إلى الحديث عن نفسها وعن مشروعها الفكري والسياسي بصراحة ووضوح لم تكن تجرأ عليه من قبل.
أهل الحل والعقد بين الشريعة والنظم الوضعية
من جانبه قال مدير عام معهد الإمام البخاري للشريعة الإسلامية ومركز البحث العلمي الإسلامي في لبنان (الدكتور/ سعد الدين بن محمد الكبي): إن الإسلام اشترط شروطاً معينة في أهل الحل والعقد الذين يختارون الحاكم، بينما لا تشترط النظم الوضعية إلا شرط المواطنة، وبلوغ السن القانونية، والعقل، وأن يكون غير محكوم بجنحة أو جناية، ومن واجب أهل الحل والعقد نصح الحاكم وتصويبه، وأن ذلك يكون سراً من غير تحريض عليه وكما قارنت مراقبة الحاكم من أهل الحل والعقد، بين الشريعة والنظم الوضعية، وبينت أن المعارضة في النظم الوضعية تنحى منحى سلبياً، فتطالب بإسقاط النظام، ولا تمانع من الجهر بالعداء للحاكم، والتحريض عليه في الشارع والإعلام بينما تنحى الشريعة الإسلامية منحى المعارضة الإيجابية، تتمثل في السعي نحو الإصلاح الذي لا يترتب عليه فساد أو إفساد، ولا تنزع المعارضة في الإسلام يدها من طاعة الحاكم فيما أمر به من طاعة الله. وأضاف لقد قرر علماء أهل السنة والجماعة، أن الخروج على الحاكم مشروط بأمرين:
- الأول: وجود كفر بواح عندهم من الله فيه برهان.
- الثاني: القدرة على إزالة الحاكم إزالةً لا يترتب عليها شر أكبر من شر الحاكم.
ومن جانبه قال الرئيس العام لجماعة أنصار السنة المحمدية، بمصر الدكتور عبد الله شاكر إن المتأمل في واقع المسلمين يعتصر قلبه حزناً وأسى على ما وصلت إليه أحوال المسلمين، ولاسيما في نظام السياسة والحكم، فهذا نظام يتبع نهج الفكر الديموقراطي الغربي، وذاك يرى الخلاص في الفكر القومي البعثي، وثالث يرفع راية الإشتراكية، ورابع يخلط بين الديمقراطية والاشتراكية والقومية والإسلام، وخامس ينهج منهجاً علمانياً، والكل يدعي وصلاً بالإسلام، وفهماً ثاقباً له.
وأضاف إن صلاح الأمة منوط بأهل الحل والعقد بعد الله سبحانه وتعالى، وأن يدركوا حقيقة المسؤولية وجسامتها، وأن يكونوا عند حسن ظن الأمة بهم، وأن يتقوا الله تعالى فيها، فلا يتركوها تتخطفها الأهواء ودعاة الضلالة، فضلا عن أن الدعاة والعلماء الربانيين الشرعيين هم من يقومون بوظيفة الرسل، وهي هداية الخلق، وهم مطالبون بأن تكون دعوتهم قائمة على منهج النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه الكرام، والتابعين لهم بإحسان.
وبهذا تتوحد المناهج الدعوية وتلتقي، وتتقارب أهدافها، بعدما تصفو النفوس والقلوب؛ لأنها اعتمدت منهجاً واحداً هو المنهج الرباني (القرآن والسنة بفهم سلف الأمة).
اضطراب واقع المسلمين اليوم:
من جانبه قال (الدكتور محمد الحمود النجدي): إن الناظر في واقع المسلمين اليوم يجد الاضطراب الكبير، والاختلاف الكثير، في المناهج والطرق والنظم والسياسات التي تحكمهم، وتسير شؤونهم، فمن نظام ينهج المنهج الديموقراطي الغربي، وآخر ينهج النهج القومي، وآخر يجمع بين الفكر القومي والاشتراكي، ورابع يختار النهج العلماني وغير ذلك من الاتجاهات الفكرية الأرضية البعيدة عن دين الأمة وهدي كتابها وسنة نبيها[، وكان من آثار ذلك أن تفرقت الأمة فرقاً وأحزاباً: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}(المؤمنون: 32)، وصارت تلك الاتجاهات سبباً للولاء والبراء، والحب والبغض، والاجتماع والافتراق.
وأضاف إن من صفات أهل الحل والعقد العقل والبلوغ والإسلام والعدالة والاستقامة والعلم والشوكة والمنعة والذكورية، ولهذا فالواجب على المسلمين أن يردوا الأمور إلى أهلها المؤهلين بالنظر فيها، ولا يستعجلوا ولا يتكلموا بغير علم ولا ملكة؛ لأن في إرجاعها إليهم السلامة في العاقبة، وفيه امتثال أمر الشارع الذي أمر بأن يوكل الأمر إلى أهله.
العلاقات الدولية في السياسة الشرعية:
ومن جانبه قال أستاذ الفقه المقارن المساعد ورئيس قسم الأنظمة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (الدكتور محمد العقيل): إن دين الإسلام عقيدة وشريعة ومعاملة وأخلاقاً هو الدين الذي أكمله الله لنا، وأتم الله به نعمته وارتضاه لنا ورضيه قال الله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}(المائدة:3)، وإن الشريعة الإسلامية بسياستها الشرعية هي سعادة الناس في الدنيا والآخرة، وقد شملت كل ما يحتاج إليه الفرد والجماعة من أحكام تحكم تصرفاته مع نفسه أو علاقاته مع إخوانه داخل الجماعة المسلمة أو علاقاته مع غيره من الجماعات والدول، وقد امتثل أحكامها السلف الصالح منذ الرعيل الأول من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم إلى زماننا هذا، وكانوا يتعاملون وفق نصوصها بفهم سلفنا الصالح، واجتهادات الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين، وقد وسعت السياسة الشرعية بتأصيلها المبني على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وشمولها، وفاقت كل النظم القديمة والحديثة في عدالتها وموافقتها للقيم الإنسانية والفطرة السوية.
وأضاف أن العلاقات الدولية في السياسة الشرعية هي: معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بمعاملة المسلمين غيرهم حالي السلم والحرب، في دار الإسلام أو خارجها، أما معنى السياسة الشرعية: فهي قيام الراعي أو ولي الأمر بتدبير أمر الرعية والسعي لإصلاح شؤونها الدنيوية والأخروية بما يصلحها ويدرأ المفاسد عنها بما لا يعارض نصوص الشريعة، مبيناً أن تعريف السياسة الشرعية بالمعنى الخاص هي: ما صدر عن أولي الأمر، من أحكام وإجراءات منوطة بالمصلحة، فيما لم يرد بشأنه دليل خاص، متعين، دون مخالفة للشريعة.
نقد الحاكم بين الشريعة والنظم الوضعية:
وأما فيما يخص مسألة نقد الحاكم فقد أكد رئيس قسم السُنَّة وعلومها بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في المملكة العربية السعودية (الأستاذ الدكتور عبد العزيز السعيد) مؤكدًا فيها أن النظم المعاصرة في الوقت الذي فكرت في مصلحة الفرد لضمان حريته لم تحسن التفكير في مصلحة الأمَّة، مع علمها بأنَّ المجتمع يتكون من مجموع أفراد, فإذا أطلقت الحريات الفردية ولم تضبط أنتجت أنانية في أفرادها وفوضى في النقد تضر بالمجتمع.
وأكد أن الشريعة الإسلامية لم تمنع من نقد الحاكم, ولم تأمر بالتهور في نقده, ولكنها تهذب ذلك وتضبطه, فالحاكم يخطئ ويصيب وهو بحاجة إلى من يأخذ بيده إلى الصواب.
ومن جانبه أكد (الشيخ محمد الحمادي) أن العلم من الشروط اللازمة لمن يتصدى لمهمة نقد الحاكم وتوجيهه؛ وتذكيره, وقد اشترط الفقهاء شرط العلم في عمل الحسبة.
مفهوم ولي الأمر وتكييف العلاقة بينه وبين الشعب:
ومن جانبه قال أستاذ الفقه بالدراسات العليا بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية (الدكتور عبدالسلام السحيمي): إن من أعظم النعم التي امتن الله بها على عباده نعمة الأمن, وأن من أعظم الأسباب التي تحفظ بها هذه النعمة وجود إمام تجتمع عليه الكلمة وتسمع له الرعية وتطيع, سواء كان هذا الإمام عدلاً أو فاسقاً, براً أو فاجراً, فالاختيار أن يكون الإمام فاضلاً عدلاً محسناً فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائرين؛ لأنه لا صلاح ولا أمن إلا باجتماع ولا اجتماع إلا بإمام يسمع له ويطاع, ولهذا فإن عدم وجود الإمام أو عدم السمع والطاعة له والخروج عليه مع وجوده كان ذلك سبباً من أسباب ذهاب الأمن وحلول الخوف وظهور الفساد في الدين والدنيا.
وأضاف أن الحاكم الذي يجب طاعته هو من وقع الاجتماع عليه سواء كان إماماً واحداً لجميع المسلمين, أو إماماً وحاكماً لقطر من الأقطار ولهذا فان الأئمة مجمعون على أنه عند تعدد الأقطار فيكون لكل حاكم مسلم في القطر الذي يحكمه ما للإمام الأعظم وعليه ما على الإمام الأعظم.
نداء إلى الأمة الإسلامية
واختتمت فعاليات الجلسات بنداء من العلماء والفقهاء المشاركين في المؤتمر تلاه الشيخ فيصل قزار، الذي بين أن هذا البيان جاء انطلاقاً من الواجب الديني للعلماء المشاركين وشعورهم الأخوي وحرصهم على مصالح الأمة، وحزنهم وأسفهم على ما يجري في بعض بلاد المسلمين من فتن وقلاقل أدت إلى سفك الدماء المعصومة، والاعتداء على الحرمات واضطراب الأمن والاستقرار، وإيمانًا منهم بضرورة التناصح والتواصي بالحق والعمل الجاد لدفع غوائل هذه الفتن وشرورها، ثم أكد أن المشاركين يتوجهون بهذا النداء إلى الأمة الإسلامية كافة حكامها وعلمائها وشعوبها، لعل الله عز وجل يرفع عنهم البلاء، ويجمع كلمتهم على الحق بلطفه ورحمته، ويدحر أعداءهم بعزته وقوته، وكان مما جاء في هذا النداء:
- أولاً: يناشد المشاركون في المؤتمر حكام المسلمين تحكيم شرع الله تعالى وتعظيم شعائره وحرماته، وإقامة العدل والرفق بالرعية، ونصرة المظلومين والأخذ على يد المعتدين على حق الله تعالى وحقوق العباد، كما يناشدونهم رعاية مصالح الأمة بمقتضى الأدلة الشرعية، والسعي إلى اجتماع الكلمة، والتعاون فيما بينهم لدفع الظلم عن إخوانهم المسلمين في مختلف أرجاء الأرض، والسعي في إيقاف الفوضى وآلة القتل، امتثالاً لقول الحق جل شأنه {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}(النساء: 58).
- ثانياً: يناشد المشاركون في المؤتمر العلماء وطلبة العلم والدعاة أن يقوموا بواجبهم الذي فرضه الله تعالى عليهم، من اتباع الحق والدعوة إلى الله على بصيرة والعمل على نشر العلم ورأسه: التوحيد والاتباع ولزوم ما درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الدين، والدعوة إلى جمع الكلمة، وإصلاح ذات البين ونزع فتيل الفتن، والنهي عن التحريض عليها، وإصلاح ما بين الراعي والرعية مستمدين ذلك من الكتاب والسنة، لا تأخذهم في الله لومة لائم، ومتدينين بها ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، دون مغالبة على الدنيا، وبعيداً عن توظيف الدين لمآرب سياسية أو مكاسب حزبية.
- ثالثاً: يدعو المشاركون في المؤتمر المسلمين عامة إلى تقوى الله تعالى وإصلاح أحوالهم وتزكية نفوسهم بما أنزله الله تعالى من الهدى ودين الحق، والانشغال بالغاية التي خُلقوا من أجلها؛ إذ القيام بها شرط صلاحهم وسعادتهم في الدنيا، وفوزهم ونجاتهم في الآخرة ويذكِّرونهم بأن ما يصيبهم من المحن والفتن والآفات إنما هو بسبب الذنوب والمعاصي كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير}(الشورى: 30).
- رابعاً: يحذر المشاركون في المؤتمر المسلمين كافة من أن يكونوا وقوداً لصراعات تذهب بنفوسهم، وتعتدي على حرماتهم، فإن ذلك عظيم عند الله عز وجل، والاقتتال بين المسلمين منكر خطير، وقتل النفس البريئة من كبائر الذنوب، وعظائم المحرمات التي تستوجب غضب الله ولعنته ووعيده بنار الجحيم، كما قال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيما}(النساء: 93)، وقال رسول الله[: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» أخرجه البخاري.
توصيات المؤتمر:
كما أوصى المشاركون في المؤتمر بمجموعة من التوصيات جاء فيها:
1- رفع المؤتمرون برقية شكر وتقدير إلى مقام حضرة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت -حفظه الله ورعاه- على تفضله برعاية المؤتمر وحسن الضيافة.
2- تأسيس مركز دولي يعنى بدراسة السياسة الشرعية ومستجداتها المعاصرة واستقطاب الباحثين المتخصصين في هذا المجال.
3- إعداد موسوعة علمية متخصصة في موضوعات السياسة الشرعية ومستجداتها المعاصرة .
4- الاستمرار في تنظيم الندوات العلمية المتخصصة في موضوعات السياسة الشرعية ومستجداتها المعاصرة.
5- إصدار مجلة علمية محكمة متخصصة في السياسة الشرعية ومستجداتها المعاصرة.
6- رصد جائزة عالمية لأبحاث السياسة الشرعية ومستجداتها المعاصرة.
7- تأسيس أكاديمية علمية تعنى بفقه السياسة الشرعية ومستجداتها المعاصرة.
8- العمل على نشر المواد العلمية المتعلقة بفقه السياسة الشرعية بالوسائل المختلفة.
9- ترجمة أبحاث المؤتمر إلى اللغات الحية وتوزيعها على الجامعات والمراكز في العالم.
10- ضرورة تكثيف الدراسات المتخصصة والمتعمقة في السياسة الشرعية ومستجداتها المعاصرة من قبل الجامعات والمؤسسات والمجامع العلمية والمراكز البحثية.
وأوضح البيان الختامي أن المشاركين في المؤتمر ناقشوا موضوعات مهمة متعلقة بفقه السياسة الشرعية ومستجداتها المعاصرة، وخرجوا بأبحاث علمية محكمة تعالج بعض ما تمس إليه الحاجة في فقه السياسة الشرعية وتطبيقاتها المعاصرة التي تناولت البحوث التالية:
1- السياسة الشرعية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.
2- الكتابات المعاصرة في السياسة الشرعية دراسة نقدية.
3- الشورى في الإسلام وتطبيقاتها المعاصرة.
4- أهل الحل والعقد بين الشريعة والنظم الوضعية.
5- مفهوم ولي الأمر وتكييف العلاقة بينه وبين الشعب.
6- نقد الحاكم بين الشريعة والنظم الوضعية.
7- نظرية السيادة والسلطة العليا للأمة في النظم الوضعية وموقف الإسلام منها.
8- التعددية الحزبية في الإسلام.
9- السياسة الشرعية في العلاقات الدولية.
10- تغير الفتوى وأثره في السياسة الشرعية.
وتوجه المشاركون في نهاية المؤتمر بالشكر إلى حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح -حفظه الله ورعاه- وسمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح -حفظه الله ورعاه- على الرعاية الكريمة للمؤتمر، كما تقدم المشاركون بالشكر الجزيل لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الكويت ممثلة في معالي الوزير السيد شريدة عبدالله العوشرجي الذي هيأ كل الأسباب لإنجاح المؤتمر.
لاتوجد تعليقات