رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 13 فبراير، 2017 0 تعليق

الأمين العام وهيكل اليهود!!

بعد أن تبنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) مشروع قرار بالحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني وطابعه المميز في القدس الشرقية،  وعدّ المسجد الأقصى وكامل منطقته موقعا إسلاميا مقدسا ومخصصا للعبادة، ومن الطبيعي أن يثير هذا القرار حكومة الاحتلال ولاسيما أنه لا يأتي على ذكر (جبل الهيكل)؛ إذ عد رئيس وزراء الاحتلال (بنيامين نتنياهو) النصين الجديدين ممثلين لإنكار العلاقة بين الشعب اليهودي ومنطقة المسجد الأقصى، واصفا هذا النفي بنفي صلة الصين بسور الصين العظيم، والعلاقة بين مصر والأهرامات حسب زعمه.

     ولكن الغريب في الأمر أن يحرك مشاعر الأمين العام للأمم المتحدة (انطونيو جوتيرس)، ويصرح بأن المسجد الأقصى المبارك (هيكل يهودي وملك لليهود)!! في رد منه على قرار منظمة الأمم المتحدة (اليونسكو) باعتبار الأقصى «تراثًا إسلاميًا خالصًا ولا دخل لليهود فيه».

وأكمل (جوتيرس) مزاعمه: «إنه واضح كوضوح الشمس بأن الأقصى في القدس الذي قام الرومان بهدمه كان هيكلا يهوديًا»، وأنه ما من أحد يمكنه إنكار حقيقة كون الأقصى مقدسًا بالديانات السماوية الثلاث.

      هاهو ذا الأمين العام للأمم المتحدة يكمل مسيرة الخداع والأكاذيب حول المسجد الأقصى، يعيد نسج ما تحدث به قادة اليهود وباحثوهم وأعوانهم من المستشرقين الأساطير حول الهيكل المزعوم، الذي سطروا حوله الكثير من الأكاذيب، واتخذوا منها المسوغات للكثير من الإجراءات والممارسات الممهدة لهدم المسجد الأقصى؛ ليعيدوا أمجادهم المزعومة في بناء ما أسموه: (هيكل سليمان).

تقرير 1930

      وما قول الأمين العام للأمم المتحدة في النتيجة التي خلصت إليها اللجنة في تقريرها في ديسمبر 1930، ووافقت بريطانيا وعصبة الأمم على استنتاجها فأصبحت بالتالي وثيقة دولية مهمة؛ وتلخصت في أن للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي؛ فحائط البراق لا خلاف في أنه جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى من أملاك الوقف، وهذا ما أقرت به عصبة الأمم المتحدة  في عام 1929م  «على أن للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي، وملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة؛ لأنه وقف أيضاً».

      علماً بأن اليهود – أمام لجنة شو - لم يدعوا ملكيتهم للحائط ، لكنهم طالبوا بحقهم في الدعاء أمامه، وإقامة طقوسهم ، وجلب أدواتهم ولباسهم، وهذا ما جاء في المرسوم الصادر عن البلاط الملكي في قصر (بكنجهام) ، في  19من مايو 1931م ، وذلك بتكليف من مجلس جمعية عصبة الأمم، لحل الصراع بين المسلمين واليهود على حائط البراق، بعد أحداث ثورة البراق في 1929م، وأطلق عليه (مرسوم الحائط الغربي أو حائط المبكى) في فلسطين لسنة 1931م وسميت اللجنة المشكلة (لجنة شو)، وقراراتها أخذت الاسم نفسه. انظر الموسوعة الفلسطينية، وتقرير اللجنة الدولية المقدم إلى عصبة الأمم عام 1931م، والزعم بأن حائط البراق – الذي يسمونه حائط المبكى – هو جزء من هيكلهم المزعوم؛ كشفت زيغه الدراسات العلمية الحديثة؛ حيث أكد الباحث الدكتور (شموئيل بريجو فيتش): «أن حائط البراق وقف إسلامي خالص».

      وبموجب القانون الدولي وبموجب معاهدة وادي عربة فإن المسجد الأقصى -قانوناً- تحت رعاية الحكومة الأردنية بصفتها الوصية على شرقي القدس، وليس من حق السلطات اليهودية أو بلدية القدس التابعة للاحتلال تغيير أو تبديل أو ترميم أي جزء من المسجد الأقصى المبارك؛ حيث صدر عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي عشرات القرارات الدولية برفض ضم الكيان اليهودي لشرقي القدس ، ورفض أية إجراءات مادية أو إدارية أو قانونية تغير من واقع القدس واعتبار ذلك لاغيا .

ونرد على هذه الشبهة بالآتي:

إن بقعة المسجد الأقصى لها قداسة على مر العصور، منذ الأنبياء والأولياء والعبّاد، وأساس البناء الأول ثابت في هذه البقعة المباركة، وكل من تتابع على إعمارها أو بنائها أو إصلاحها وتطهيرها. إنما يفعل ذلك على الأساس القديم.

وأن قداسة هذه البقعة «المسجد الأقصى» من الموروثات الدينية التي أوحى الله بها لأنبيائه والمتبعين لهم؛ حتى وصلت عهدة القيام بها والمحافظة عليها إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ولأمته.

قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}(الإسراء:1) يدل على أن البركة موجودة، وأن الله -تعالى- أسرى بعبده إليه تذكيراً للناس ببركته وقدسيته.

     خطاب موسى لقومه، قال تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ}(المائدة: 21ّ)، فيه دليل على أن القدس وفلسطين مقدسة منذ القِدم، قبل أن يحل بها قوم موسى وقبل أنبياء بني إسرائيل الذين يزعم اليهود وراثتهم.

     ليس في الأخبار الإسلامية الصحيحة ما ينص على أن ما بناه سليمان يسمى: هيكلاً؛ لأن كلمة (هيكل) مروية عن كتب أهل الكتاب، ونحن لا نثق بما تقوله هذه الكتب، ولا نركن إليها عند تحقيق تاريخنا الإسلامي، وما جاء مصطلح (الهيكل الأول والهيكل الثاني) إلا من ألفاظ ومصطلحات توراتية.

     ما قام به سليمان -عليه السلام- في بيت المقدس ليس بناءً لهيكل وإنما هو تجديد للمسجد الأقصى المبارك، الذي هو ثاني مسجد وضع في الأرض، كما ثبت في الحديث الصحيح؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة».

     المصدر الوحيد لأخبار الهيكل: (أسفار بني إسرائيل)، وهذه الأسفار ليست منسوبة إلى نبي، فجاء أكثرها من نسج الخيال، فهل يُعقل أن المكان الذي أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إليه هو الهيكل، أو مكان الهيكل؟! لا؛ بل أسري به إلى المسجد الأقصى البقعة المباركة.

لم يستطع أحد من الباحثين اليهود تحديد مكان الهيكل بصورة لا تقبل الشك حتى يومنا هذا، ولهم آراء ونظريات عدة بشأن مكان الهيكل، منهم من يقول: تحت المسجد الأقصى المبارك، وأن المسجد الأقصى قد بُني على أنقاض الهيكل.

     أثبت علماء الآثار من اليهود والأوروبيين والأمريكان الذين نقّبوا واشتغلوا بالحفريات والأنفاق تحت المسجد الأقصى أنه لا يوجد أثر واحد لهيكل سليمان؛ لا تحت المسجد الأقصى، ولا تحت قبة الصخرة، وشاركهم في هذا الرأي كثير من الباحثين اليهود والغربيين.

     وخلاصة ما سبق: المسلمون على مر العصور لم يعتدوا على أي أبنية أو أثار يهودية؛ سواء بالهدم أو عن طريق المصادرة، كما أنهم لم يشيدوا المسجد الأقصى فوق ما زعموا أنه هيكل سليمان، بل جاء في موقعه الحالي على أساس قدسية هذه البقعة المباركة بنص القرآن الكريم والحديث الشريف؛ فهذا الموقع مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة الإسلامية، فالمسجد الأقصى موجود قبل سليمان وموسى وإبراهيم، وجدد بناءه أنبياء الله -تعالى-: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وسليمان عليهم السلام، ولم يكن في يوم من الأيام معبداً لليهود، ولكنه مسجد لكل أمة مسلمة صَدَّقَت بدعوة نبيها، وإن يعقوب أو داود أو سليمان -عليهم السلام- هم أنبياء الله، فمن اتبع طريقهم هو أولى بهم، واليهود -كما تحكي التوراة وغيرها- قد خالفوا أوامرهم وسفهوهم؛ فقد افتروا على سليمان ؛، وقالوا: إنه ساحر، فهل يتوافق الطعن فيهم مع ادعاء وراثة ما خلفوه؟

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك