الأقليات… الثلث الغائب من العالم الإسلامي (1)
شهد العالم الإسلامي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين تحولاتٍ وتغيراتٍ عميقةً ولاسيما على الصعيدين السياسيِّ والاقتصاديِّ؛ حيثُ اُحتل من قِبَل الدول الغربية التي نهبت ثرواته, وعمّقت أسبابَ وعوامل تخلِّفه, ثم تركته بعد عقودٍ من الاحتلال ممزقاً, ثلثاه ممزق في أكثر من خمسين دولة, والثلث الباقي برز إلى الوجود مبعثراً على عشرات الدول الشرقية والغربية في ظاهرة لم تكن معروفة قبل ذلك, وهي ظاهرة الأقليات المسلمة الذين يعيشون مع أكثرية غير مسلمة, الأمر الذي يُعرِّضُهم إلى ألوان متعددة ومعقدة من المشكلات والتحديات التي تهدد وجودهم وهُويتهم وعقيدتهم.
وواقع هذه الأقليات في الغالب دون المرتجى في شتى المجالات, وهي في معظم الحالات أدنى من المنسوب العام المعرفيّ والثقافيّ والمهنيّ والاقتصاديّ والسياسيّ والإعلاميّ لمجتمعات الأغلبية, هذا فضلاً عما تعانيه من عدم تمتعها بحقوقها السياسية والدينية التي تكفلها القوانين والأنظمة الدولية.
وفي ضوء ذلك نتناول في هذه المقالات مفهوم الأقليات المسلمة وأسباب نشأتها وواقعها الإحصائي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي وسبل الارتقاء بها وحمايتها, وذلك بصفة عامة قبل التطرُّق إلى أحوال كل أقلية على حِدّة.
المفاهيم والمصطلحات
ونظراً لأن عملية تحديد المفاهيم والمصطلحات خطوةٌ أساسية ومنهجيّة أُولى في البحث؛ لذا قبل الخوض في أحوال هذه الأقليات نتطرق أولاً لماهية الأقلية المسلمة ثم نتناول أسباب نشأتها.
عند تناول مصطلح (أقلية) نجد أنه مصطلح جديد, اختلف الباحثون في تعريفه, ويرجع ذلك لاختلافهم في تحديد المعايير التي يُستند عليها؛ حيث انقسموا إلى ثلاثة اتجاهات كل اتجاه يعتمد على معيار ما في إعطاء مفهوم الأقلية. الاتجاه الأول: يعتمد على (المعيار العددي) الذي يحدد الأقلية بناء على نسبتها العددية, الاتجاه الثاني: يعتمد على (المعيار السياسي) الذي يحدد الأقلية بناء على ضعفها وقلة نفوذها السياسي والاقتصادي, الاتجاه الثالث: يعتمد على (معيار المشاعر) الذي يحدد الأقلية بناء على انتماء أفرادها وولائهم.
المعيار العددي
وتبسيطاً للموضوع فإنه بتحليل التعاريف التي تناولت مصطلح الأقلية المسلمة تلاحظ اعتمادها الأساسي على (المعيار العددي) الذي ينظر إلى الأقلية على أنها هي الجماعة قليلة العدد أو الصغيرة داخل كيان الدولة, ولقد وجه لهذا المعيار العديد من الانتقادات؛ حيث إنه في كثير من الأحيان يؤدي إلى الوقوع في متناقضات ومفارقات, منها على سبيل المثال ما يلي:
إن المسلمين لا يشكلون أقلية ببعض الدول التي يمثلون فيها أكثرية عددية, كدولة أريتريا التي يبلغ تعداد المسلمين فيها بين 55% الى 60% من مجموع السكان, كما أنهم من أكثر المسلمين قرباً لسمات الثقافة العربية وخصائصها, ولكن حكومة الدولة غير مسلمة ولا تجتمع مع البلدان الإسلامية في أي منظمة سواء عربية أم اسلامية, ويواجه المسلمون بها تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية شديدة,حتى إنهم يفرون من الدولة ويلجؤون الى الدول المجاورة كالسودان وجيبوتي واليمن وأثيوبيا, فكيف لا يكون المسلمون أقلية – تحتاج الرعاية والحماية - بهذه الدولة؟!
إن المسلمين يشكلون أقلية ببعض الدول التي يمثلون فيها أقلية عددية, مثل دولة (سورينام) التي يبلغ فيها نسبة المسلمين 20% من مجموع السكان, وأوغندا 13%, وغيانا 7,2%, والغابون 6,4%, مع أن هذه الدول تشترك مع الدول الاسلامية في أكبر منظمة إسلامية وهي منظمة التعاون الإسلامي, كما أنهم يشتركون معهم في اجتماعاتهم وتعاونهم وتكافلهم وتضامنهم, بل وفي مشروعاتهم المشتركة أيضاً,فكيف يكون المسلمون أقلية بهذه الدول؟!
معيار خاص
وفي ضوء ذلك تم اقتراح معيار آخر خاص بتعريف الأقلية المسلمة وهو: (معيار الانضمام لمنظمة التعاون الإسلامي)، تلك المنظمة التي تمثل الصوت الجماعي للعالم الإسلامي, فهي المنظمة الدولية الأساس التي تضم البلدان الإسلامية التي قد أخذت على عاتقها الاهتمام بقضايا المسلمين منذ إنشائها عام 1398هـ الموافق 1969م, تضم في عضويتها سبعاً وخمسين دولة إسلامية موزعة على أربع قارات, وهذه الدول هي: (أذربيجان, الأردن, أفغانستان, ألبانيا, الإمارات, إندونيسيا, أوزبكستان, أوغندا, إيران, باكستان, البحرين, بروناي, بنجلاديش, بنين, بوركينافاسو, تركمانستان, تركيا, تشاد, توجو, تونس, الجابون, الجزائر, جزر القمر, جيبوتي, السعودية, السنغال, السودان, سوريا, سورينام, سيراليون, الصومال, طاجيكستان, العراق, عُمان, غامبيا, غويانا, غينيا, غينيا بيساو, فلسطين, قطر, قرغيزستان, كازاخستان, الكاميرون, كوت ديفوار, الكويت, لبنان, ليبيا, المالديف, مالي, ماليزيا, مصر, المغرب, موريتانيا, موزنبيق, النيجر, نيجيريا, اليمن), كما أنها تعد ثاني أكبر منظمة حكومية في العالم.
تعريف الأقلية المسلمة
وبناء على هذا المعيار يكون تعريف الأقلية المسلمة أنها: «هي مجموعة المواطنين المسلمين الذين يعيشون في دولة غير عضو في منظمة التعاون الإسلامي»
ويشتمل هذا التعريف على عدد من العناصر وهي: عنصر المواطنة: وذلك للتفرقة بين الأقلية المسلمة والجالية المسلمة, عنصر التمييز: وذلك بتميزهم بالدين الإسلامي عن غيرهم, وعنصر الانضمام إلى منظمة التعاون الإسلامي: فأي مجموعة من المواطنين المسلمين في أي دولة غير عضو بمنظمة التعاون الإسلامي يشكلون أقلية مسلمة.
وهذا المعيار من أصوب المعايير التي تم اعتمادها في تعريف الأقلية المسلمة, فأي مجموعة من المواطنين المسلمين يعيشون في دولة غير الــ 57 دولة الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي فهم يمثلون أقلية مسلمة.
نشأة الأقليات المسلمة
أما عند البحث في نشأة الأقليات المسلمة في العالم في العصر الحديث نجد العديد من الأسباب التي عملت منفردة وأحياناً مجتمعة كانت لتكوين هذه الأقليات, وهذه الأسباب بطبيعة الحال يتفاوت تأثيرها من مكان لآخر, ومن أهم هذه الأسباب ما يلي:
نشأة الدول الحديثة
- أولاً: نشأة الدول الحديثة: حيث كانت هناك العديد من المناطق التي كانت تقع تحت حكم المسلمين, ولكن القوى الاستعمارية الغربية قامت بإعادة رسم الخريطة السياسية والجغرافية لهذه المناطق, وكانت تستهدف في ذلك العديد من الأهداف التي منها تضاؤل نفوذ المسلمين وتقليصهم وتفرقهم؛ ليصبحوا أقلية في المجتمعات التي كانوا يحكمونها إلى عهود قريبة, وبالفعل نتج عن إعادة رسم الحدود حالة شديدة التعقيد تتمثل في أن مجتمعات إسلامية انقلب أوضاعها من النفوذ والسياسة والأخذ بزمام الأمور إلى الانعزال والتقوقع والانكماش وزوال السلطة, ومن الأمثلة على ذلك ضم فطاني المسلمة لتايلاند البوذية, وضم أراكان المسلمة إلى ميانمار البوذية أيضاً ليشكلا أقليتين مضطهدتين بعد أن كان لهما الحكم والنفوذ في المناطق التي يسكنونها ويملكونها.
الانسحاب
- ثانياً: الانسحاب: وذلك بقيام دولة مسلمة بالانسحاب من أراضٍ أو أقاليم كانت خاضعة لها لفترات طويلة وتحت حكم إسلامي, لتترك السكان المسلمين فيها كأقليات, كما حدث وانهزمت الخلافة العثمانية وانسحبت من بلغاريا واليونان والجبل الأسود ومقدونيا تاركةً أقليات مسلمة بهذه الدول.
الاحتلال
- ثالثاً: الاحتلال: وذلك بقيام دولة باحتلال إقليم مسلم مجاور لها وضمه إليها ليصبح المسلمون بالنسبة لمجموع سكان الدولة أقلية, وذلك كاحتلال الصين لتركستان الشرقية, أو احتلال دولة مسلمة وتهجير أهلها منها, وذلك كالاحتلال الصهيوني لفلسطين.
تقسيم الدول
- رابعاً: تقسيم الدول: وذلك بانقسام دولة كان المسلمون يشكلون الأغلبية فيها, أما بعد التقسيم فتنشأ دول بها أقليات مسلمة, كما حدث وانقسمت الهند إلى الهند وباكستان ليصبح المسلمون داخل الهند أقلية, وكما حدث وانقسمت السودان لتنشأ دولة جنوب السودان التي يمثل المسلمون فيها أقلية.
اعتناق الإسلام
- خامساً: اعتناق الإسلام: وذلك عن طريق اعتناق بعض أهل البلاد غير المسلمين للإسلام؛ فإنهم يشكلون باعتناقهم للإسلام أقلية مسلمة في بلد غير مسلم, كما هو الحال في كوريا واليابان وغيرهما من البلدان.
الهجرة
- سادساً: الهجرة: وذلك بهجرة مجموعات بشرية من الدول الإسلامية إلى دول غير إسلامية ليكونوا بذلك أقليات إسلامية, كما هو الحال في أوروبا الغربية وأمريكا وكندا واستراليا, ويرجع هجرة المسلمين للعديد من الأسباب، منها: الهجرة لأسباب اقتصادية بحثاً عن فرص عمل أفضل, أو مستوى أفضل للمعيشة, والهجرة لأسباب علمية طلباً للعلم واستكمالاً للدراسات العليا, ثم استكمال الحياة في البلد التي هاجر إليها, والهجرة لأسباب سياسية وهي قسمان: من يهاجر لتعرض بلاده لاحتلال أجنبي كفلسطين وكشمير وأفغانستان, ومن يهاجر لتعرضه لاضطهاد سياسي أو ديني.
وتعد الأقليات المسلمة التي يكون سبب نشأتها الهجرة؛ أشبه بالجاليات التي تحاول أن تتأصل في أمكنة إقامتها الجديدة، وتتحول عبر الزمن إلى مجموعات كسائر السكان, غير أنها تطالب بحقوق دنيا للقيام بالعبادات والتعليم الخاص وبعض أمور الأحوال الشخصية.
لاتوجد تعليقات