رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أيمن الشعبان 30 سبتمبر، 2013 0 تعليق

الأســـرى الفلسطينيـون بين المناصـــرة والمتاجـــــرة! (2)

استكمالا لما بدأناه في الحلقة السابقة في الحديث عن قضية الأسرى الفلسطينيين وتعرضنا لموقف الإسلام من مسألة الأسرى، نستكمل الحديث عن كيفية نصرة الأسرى والمرتهنين.

كيف ننصر الأسرى؟

     لم يكن نبينا صلى الله عليه وسلم يهدأ له بال، وهو يرى بضعة أسرى مسلمين بيد المشركين، وكان يبذل وسعه وجهده في فكاكهم، وهو القائل صلى الله عليه وسلم : «فكوا العاني، وأجيبوا الداعي، وعودوا المريض»، ثم انعكست هذه الوصية عملياً في سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم ؛ حيث «فدى أهلَ بدرٍ بمالٍ»، كما أنه صلى الله عليه وسلم  فدى رجلين من أصحابه برجل من المشركين من بني عقيل».

     كيف ونحن نتكلم عن 4600 أسير في سجون الصهاينة، وأكثر من 100 ألف معتقل سوري في غياهب ظلم النظام السوري وقهره وقمعه بما فيهم فلسطينيون، وأكثر من 25 ألف معتقل عراقي يذوقون أشد أنواع التنكيل والتعذيب في سجون المالكي الطائفية، وقرابة 460 معتقل من جنسيات عربية أيضا في السجون والمعتقلات العراقية بضمنهم 40 معتقل فلسطيني!

     على الرغم من ضعف الأمة الإسلامية وتشرذمها وتفتتها، وانشغال كل دويلة وإغراقها بمشكلات كبيرة ومعقدة؛ سياسيا واقتصاديا وعسكريا بل حتى اجتماعيا وثقافيا، إلا أن قضية الأسرى ينبغي أن تتصدر القضايا المطروحة جميعها، ووضع استراتيجيات مرحلية واضحة المعالم قابلة التطبيق، مع مراعاة الأحوال العامة والإمكانيات المتاحة.

     من أعظم وأهم مقدمات تحقيق نصرة الأسرى العمل الجاد لتحقيق أسباب النصر والتمكين، التي غالبيتها معنوية، عندها سنتقدم خطوات كبيرة ونقطع أشواطا عديدة في هذا الجانب؛ إذ كلما حققت الشعوب والحكومات الإسلامية مجتمعة أو منفردة، سببا واحدا من أسباب العزة والرفعة والكرامة، نكون قد أنجزنا خطوة مهمة لنصرة أسرانا ومعتقلينا في كل مكان.

     الدعاء سلاح من لا سلاح له، وهو عنصر فعال ومهم جدا ولا سيما لنصرة المظلومين من الأسرى وغيرهم؛ إذ يقول صلى الله عليه وسلم : «اتقوا دعوة المظلوم؛ فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين»، ويقول كذلك صلى الله عليه وسلم : «هل تنصرون إلا بضعفائكم ؟  بدعوتهم وإخلاصهم»، وعندما سئل الإمام أحمد رحمه الله: كم بيننا وبين عرش الرحمن؟ قال: دعوة صادقة من قلب صادق.

     وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم نصرة الأسرى بكل ما أوتي من قوة ووسائل مادية أو معنوية بسيطة أو كبيرة، من ذلك استخدامه سلاح الدعاء للأسرى والدعاء على من ظلمهم، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي أخرجه البخاري: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم : حين يرفع رأسه يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. ويدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم، فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف. وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له.

     فواجب علينا جميعا في كل الأزمنة والأحوال والظروف وكلّ بحسبه، استنقاذ الأسرى من قيود الذل والهوان، ابتداء بالجهاد والقتال مع التجهيز وإعداد العدة لذلك، وإلا وقع الجميع في الإثم وسخط الله بحسب النية والقدرة، للتخاذل عن هذا الأمر العظيم الخطير! قال ابن جزي: «يجب استنقاذهم من يد الكفار بالقتال فإن عجز المسلمون وجب عليهم الفداء بالمال، فيجب على الغني فداء نفسه، وعلى الإمام فداء الفقراء من بيت المال فما نقص تعين في جميع أموال المسلمين ولو أتى عليهاويجبر الإمام سادات العلوج على فداء المسلمين بهم ويعطاهم الثمن» (26).

     فإن لم يتحقق فكاك الأسارى بالقتال أو الفداء، فعلى المسلمين بذل أقصى جهدهم ووسعهم وإيجاد وسائل ممكنة في إطلاقهم أو على أقل تقدير التخفيف من معاناتهم، سواء بأسر عدد من جنود المحتل الغاصب ثم المقايضة معهم، كما حصل في صفقة تبادل الأسرى نهاية عام 2011 التي عُرفت صفقة (شاليط) وتم تحرير 1027 أسيرا فلسطينيا، أم بتدويل قضيتهم وطرحها بقوة في جميع المحافل العالمية، أم باستخدام الضغط السياسي دوليا وإقليميا وعربيا.

     أخبرني والدي -رحمه الله- بينما هو وسبعة شبان فلسطينيين بطريقهم لإحضار مواد غذائية للأهالي بتاريخ 7/7/1948 اعتقلتهم العصابات الصهيونية قرب قرية دالية الكرمل وتعرضوا لتعذيب شديد، بالمقابل استولى المجاهدون الفلسطينيون على قافلة تموين يهودية عند قريتي عين غزال وجبع في قضاء حيفا، كما أخذوا عدداً من الأسرى بينهم مدير دائرة الأشغال العامة في حيفا المهندس (اتكس) وزوجته وقد أصيبت أثناء المعركة، وبعد مفاوضات ووساطة من (فكتور عزيز خياط) قنصل أسبانيا الفخري في فلسطين تمت عملية تبادل الأسرى بتاريخ 16/7/1948.

     مع شديد الأسف تعد ثاني أكبر حليف استراتيجي بعد الولايات المتحدة الأمريكية عالميا، مع الكيان الصهيوني هي دولة إسلامية، إذ لديها تعاون واتفاقيات أمنية وعسكرية واقتصادية وتجارية وسياحية وغيرها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو المقابل لهذه التنازلات وكل هذا الخذلان؟! هل هنالك مقابل أم أن القضية أصبحت عطايا وقرابين دون أي آثار إيجابية أو نتائج وثمار تعود بمصالح ولو آنية أو جزئية لفلسطين بما في ذلك قضية الأسرى!

     أضف إلى ذلك دولاً عربية عده لها اتفاقيات أمنية واقتصادية وتجارية وغيرها مع الصهاينة، فلِمَ لا تطرح قضية الأسرى وتعاد الحسابات السياسية والاتفاقيات خصوصا بعد التغييرات الكبيرة في السنتين الماضية؟! أم أن أسرانا ومعتقلينا لا بواكي لهم وقضيتهم هامشية!

ومن يهن يسهل الهوان عليه

                                   ما لجرح بميت إيلام

     لماذا أعداءنا لا يتخذون قرارا ولا يسلكون مسلكا إلا وفق حسابات ومقابل أشياء ولو وقتية أو مصالح لكيانهم؟! أما نحن – والله المستعان – نقدم التنازلات تلو التنازلات مع مضاعفة الويلات واستمرار معاناة الأسرى والأسيرات ثم مزيد من التراجعات!

     لو تأملنا قصة الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي، وكيف قبّل رأس قيصر الروم مقابل تخلية سبيله فأبى إلا جميع الأسرى من المسلمين فقبل قيصر، ليقول عمر رضي الله عنه : حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ بذلك.

     مع الإقرار بالضعف والمواقف الهزيلة تجاه قضية فلسطين، لكن هنالك وسائل وعوامل ضغط قد تخفف من معاناة العديد من الأسرى، خصوصا أصحاب الأحكام الإدارية، من خلال إعادة النظر ومراجعة ما تسمى (اتفاقيات السلام) وجميع سياسات الخنوع والخضوع، وفي حالة اضطرار أي دولة عربية أو إسلامية – أيا كانت المسوغات والضغوط - لعقد مثل هذه الاتفاقيات حتى أصبحت واقع حال، فلابد أن تتضمن بالصدارة قضية الأسرى والحصول على مكاسب ولو جزئية، فما لا يدرك كله لا يترك جله، مع عدم إهمال بقية القضايا الهامة كالأقصى والمغتصبات وغيرها.

     الإعلام في زمن الإعلام يكاد يكون مغيب أو ضعيف، لنصرة الأسرى مع أن هذا أضعف الإيمان، من خلال تخصيص فقرات ثابتة وتكثيف الجهود والتنسيق بين مختلف المؤسسات الإعلامية، وتوحيد الخطاب ورفع سقف المطالب وتحشيد الرأي العام الإسلامي والعربي والدولي، مع ضرورة تخصيص قناة فضائية مستقلة غير مسيسة أو متحزبة للتركيز على قضية الأسرى في السجون الصهيونية وكافة المعتقلين المظلومين أينما تواجدوا.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك