رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 17 مارس، 2026 0 تعليق

الأسرة المسلمة .. 1300

المؤمن يعلم أن الشدائد من سنن الله في خلقه، يبتلي بها عباده ليظهر صدق إيمانهم، ويقوّي صلتهم بربهم؛ فالواجب على المرأة المسلمة أن تزرع في بيتها روح التوكل على الله، وتذكّر أبناءها أن الفرج قريب، وأن مع العسر يسراً، وأن الله لا يضيع عباده المؤمنين.

دورُ الأمِّ في طمأنةِ الأسرة

في لحظات القلق والاضطراب يبرز دور الأم بوصفها قلب البيت النابض، ومصدر السكينة فيه؛ فالأم مدرسة إيمانية تُربي أبناءها على الثبات، وتغرس في نفوسهم الطمأنينة وحسن التوكل على الله -تعالى-، وقد جعل الله -تعالى- السكينة والرحمة أساس الحياة الأسرية، ومن أعظم ما يعين الأم على طمأنة أسرتها أن تُذكِّر أبناءها بمعية الله ولطفه بعباده، وأن تغرس في قلوبهم اليقين بأن الفرج قريب مهما اشتدت المحن؛ قال -تعالى-: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (الشرح).

كما ينبغي لها أن تُشيع في بيتها روح الإيمان بربط الأسرة بالعبادات؛ فتجمع أبناءها على الصلاة وقراءة القرآن والدعاء، فإن ذكر الله أعظم أسباب الطمأنينة، قال -تعالى-: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28). ومن الحكمة كذلك أن تحرص الأم على بثّ الأمل في نفوس أبنائها، وأن تتجنب نقل الأخبار المقلقة أو تضخيم المخاوف، بل تعلّمهم حسن الظن بالله، والثقة برحمته، والصبر على البلاء. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». إن البيت الذي تقوده أمٌّ مؤمنةٌ واعية يتحول في أوقات الأزمات إلى واحةٍ من الطمأنينة، حيث يجد فيها الأبناء الأمن النفسي والروحي؛ فالأم حين تُحسن توجيه أسرتها إلى الله، وتُربيهم على الصبر والرجاء، تكون قد أدّت رسالة عظيمة في بناء أسرةٍ ثابتةٍ مطمئنة، قادرةٍ على مواجهة الشدائد بثقةٍ وإيمان.  

الأسرة والخلافات الزوجية

        تعترض الأسرة بعض الخلافات والنزاعات الأسرية والمجتمعية، ويرجع ذلك لأسباب عدة، لكن أهم هذه الأسباب: ضعف الوازع الديني في نفوس أفراد الأسرة، ومتى ‌ضعف ‌الوازع ‌الديني، قل الخوف من الله -تعالى-؛ فيهمل الإنسان ما عليه من الحقوق والواجبات الأسرية والمجتمعية، فينتج عن ‌ذلك تفكك روابط ‌الأسرة الإسلامية، وفوضى في الحياة الزوجية، إلى درجة أصبحت تهدد المجتمع بالتمزق والانهيار.  

من مظاهر تماسك الأسرة

       من مظاهر تماسك الأسرة المسلمة أن يتعاون أفرادها على مواجهة الظروف الصعبة بروحٍ من الصبر والاحتساب، وأن يُذكِّر بعضهم بعضًا بالله -تعالى-، ويتواصوا بالثبات وحسن التوكل عليه، كما يتآزرون في التخفيف النفسي عن بعضهم بعضًا؛ بالكلمة الطيبة، والمواساة الصادقة، والمساندة المعنوية؛ فهذه المعاني الرفيعة تُعزِّز التماسك الأسري، وتُقوِّي روابط المودة بين أفراد الأسرة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا»، وهكذا تبقى الأسرة المسلمة المتماسكة حصنًا منيعًا في وجه الأزمات، إذا اجتمع أفرادها على الإيمان والتعاون والصبر، وتواصوا بالحق والثبات؛ فإن الله -تعالى- يبارك فيهم، ويجعل لهم من الشدائد مخرجًا، ومن الضيق فرجًا.  

نصائح للمرأة المسلمة في العشر الأواخر

  • عظِّمي شأن هذه العشر المباركة في قلبك؛ فإن تعظيمها في القلب يظهر أثره على الجوارح عملاً واجتهادًا وحرصًا على الطاعة.
  • العشر الأواخر من رمضان ليالٍ شريفة عظيمة، وأوقاتٌ نفيسة لا يليق أن تُصرف ساعاتها ودقائقها في الانشغال بالأسواق أو اللهو، بل هي مواسم للطاعة والعبادة والقرب من الله.
  • الفوز في هذه الليالي ليس خاصا بالرجال دون النساء؛ فاجتهدي في الطاعة، وأقبلي على ربك بقلبٍ صادق؛ فكلنا فقراء إلى رحمة الله وفضله.
  • إن لم يتيسر لك الصلاة مع الإمام في المسجد، فلتكثرِي من الصلاة والذكر والدعاء؛ فإن الله يعلم صدق النية، وتكتب الملائكة لك ما قدَّمت من إخلاصٍ وخشوع.
  • تذكَّري أن الموت حقٌّ لا مفرَّ منه، وأن الفوز الحقيقي هو النجاة من النار ودخول الجنة؛ قال -تعالى-: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.
  • اعلمي أن كثيرًا من نساء المسلمين يحرصن على اغتنام دقائق هذه العشر في الطاعة والذكر والقيام، فكوني منهن، ونافسي في الخيرات.
 

من عواقب تدخلات الأقارب في الحياة الزوجية

       إن مما يهدم الحياة الزوجية: السماح بتدخل أطراف خارجية من أهل الزوج أو أهل الزوجة لحل الخلافات اليسيرة التي تقع بين الزوجين، فإن هذا التدخل من شأنه أن يزيد من قوة الخلاف، ومن شأنه أن يؤجج المشاكل، ويؤدي إلى عدم استقرار الحياة الزوجية، فينبغي للزوج ألا يسمح لأي طرف خارجي بالتدخل في حل المشكلات بينه وبين زوجته، وهكذا الزوجة أيضا لا تسمح بتدخل أهلها في كل صغيرة وكبيرة من حياتها؛ إذ إن هذا مما يزيد المشكلات، ويؤدي إلى عدم الاستقرار إلا عند الضرورة، إلا عندما تصل الخلافات إلى مبلغ كبير، وتقتضي الضرورة التدخل الخارجي، فهذا قد ذكره ربنا -سبحانه- في قوله -تعالى-: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} (النساء:35).  

الأسرة الرحيمة في رمضان

        في زمنٍ ازدادتْ فيه السرعة، وجفَّت فيه المشاعر، يأتي رمضان نسمةً دافئة تذكِّرنا أن الحياة أجمل حين يَسكُنها قلبٌ رحيم؛ حيث تبدأ هذه الرحمة من البيت، بالكلمة الطيبة، وبالنظرة الحنونة، وبالعفو الصادق عن الزَّلات؛ قال -تعالى-: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّاحِمونَ يرحَمُهم الرَّحمنُ -تبارَك وتعالى-، ارحَموا مَن في الأرضِ يرحَمْكم مَن في السَّماءِ».  

من رجاحة العقل ونضج التفكير

         من رجاحة العقل ونضج التفكير أن يوطِّن الإنسان نفسه على احتمال بعض المضايقات، وأن يغضّ الطرف عن بعض المنغِّصات، ولا سيما في الحياة الزوجية؛ فالزوج -وهو ربُّ الأسرة- مطالبٌ بمزيدٍ من الصبر والحِلم، وألّا يبالغ في محاسبة زوجته على كل صغيرة وكبيرة؛ فإن المبالغة في تقويمها قد تفضي إلى كسرها، وكسرها طلاقها، وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك بقوله: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج»، فمن الحكمة أن يتذكر الزوج هذا التوجيه النبوي، فيصبر على ما قد يراه من تقصير، وينظر إلى جوانب الخير في زوجته، ولا يركّز على العيوب وحدها؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن كره منها خُلُقًا رضي منها خُلُقًا آخر»، وبذلك تستقر الحياة الزوجية، وتبقى الأسرة قائمة على المودة والرحمة، امتثالًا لقوله -تعالى-: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (النساء: 19).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك