الأسرة المسلمة 1298
بيوتنا في رمضان
حين يطلّ شهر رمضان، لا يتغيّر برنامج الطعام والشراب فحسب، بل ينبغي أن يتغيّر برنامج البيت كله؛ ليصبح بيتًا ذاكرًا، قائمًا، متراحمًا، تحفّه السكينة وتغشاه الرحمة، إن رمضان فرصة سنوية لإعادة بناء البيت على هدي القرآن والسُنَّة، وتجديد معاني العبودية في أدقّ تفاصيل الحياة اليومية.
- القرآن الكريم: في بيوت يكثر فيها تلاوة القرآن الكريم، والاستماع إليه؛ فالبيت الذي يُقرأ فيه القرآن يزداد خيره وبركته، والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يقل خيره وبركته، وكان أبو هريرة- رضي الله عنه - يقول: «البيت إذا تلي فيه كتاب الله اتسع بأهله، وكثر خيره، وحضرته الملائكة»، فبيوت الصائمين عامرة بقراءة القرآن وتلاوته والاستماع إليه والتنافس على ختمه مرات ومرات في هذا الشهر الكريم.
- إطعام الطعام: في بيوت يُطعم فيها الطعام، وتوصل فيها الأرحام ولا سيما في شهر المواساة، الذي يزداد فيه في رزق المؤمن، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا يُنقص من أجر الصائم شيئا»، وقد كان عبدالله بن المبارك يطعم إخوانه الطعام وهو صائم ويجلس في خدمتهم، وكان حماد بن أبى سليمان يفطر كل ليلة في شهر رمضان خمسين إنساناً فإذا كان ليلة العيد كساهم ثوباً ثوباً.
- الذكر والدعاء: بيوت المؤمنين في رمضان تعمر بالذكر والتسبيح والدعاء، وأعظم أوقاته عند الإفطار ووقت السحر ثم ليلة القدر وما أعظمها! وعند ليلة القدر: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى، فما أجمل أن نحرص وقت الفطر على حث الأسرة جميعا على المداومة على ذكر الله -عز وجل- والدعاء قبل المغرب كل يوم فهو دعاء لا يرد!
- الصدقات: فبيوت المؤمنين في رمضان بيوت معطاءة تبذل للمحتاجين، فأفضل الصدقة صدقة في رمضان، والجمع بين الصيام والصدقة من أبلغ الأبواب في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة منها، والصدقة من موجبات الجنة التي أعد الله فيها غرفا لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام.

خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- نموذج العقل والحكمة
خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-، سيدة مكة وملاذ الحق في صدر الإسلام، مثال للعقل والحكمة في حياة المرأة المسلمة، كانت تاجًا للفطنة والرزانة، عُرفت بحكمتها وحنكتها في الرأي، حتى صارت منارة للخير وملاذًا لمن يلتمس النصيحة، اختارها الله لتكون أوّل من آمن برسالة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فآوتَه وأيدتَه بإخلاص، وشاركتَه في نشر الدعوة، ورعت مصالحها في أحلك الظروف، ولقد تجلّت قوتها في دعم الحق ومواجهة التحديات بوعي وبصيرة، لم يعرف التاريخ امرأة جمعت بين العقل والرأي السديد، والوفاء والرحمة كما جمعت خديجة -رضي الله عنها-، ويدعونا الحديث عن سيرتها إلى إدراك أن العقل والحكمة قيمتان عظيمتان لا يقدران بثمن، وأن المؤمنة عليها أن تسعى دومًا للخير والعمل الصالح، وتسعى لنصرة دين الله -عز وجل- بكل ما تملك متبعة لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ومقتدية بأمهات المؤمنين وعلى رأسهم خديجة -رضي الله عنها-.بيوت عامرة بالبِشر مشرقة بالابتسامة
البسمة لها في النفوس أثرُ السِّحر؛ فهي لمحةُ نورٍ تبدِّد عتمةَ الضيق، وتبعث في الجسد تفاعلاتٍ تُجدِّد النشاط، وتُوقِظ الإحساس بالعافية، وتُزيل انقباض الصدر، وتسكب في العقل سكينةً وطمأنينة، أمّا العبوسُ في وجوه الناس فخُلُقٌ لا يرتضيه الإسلام، ولا ينسجم مع روح الشريعة التي جاءت بالبِشر وحسن اللقاء. وقد كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - بسّامًا، عظيمَ البشر، يُحب السرور ويكره الحزن وأسبابه، ويستعيذ من غوائله، فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن».وكان - صلى الله عليه وسلم - يبتسم، وربما ضحك حتى تبدو نواجذه، غير أن ضحكه كان ضحك العقلاء؛ يعرف داء النفوس ودواءها، ويضع لكل مقامٍ مقالَه، وهكذا ينبغي أن تكون بيوتنا -في رمضان وفي غير رمضان- عامرةً بالبِشر، مشرقةً بالابتسامات، لا مكان فيها لعبوسٍ يورث الجفاء؛ فكم من بسمةٍ صادقةٍ أزاحت همًّا، وداوت جرحًا، وحلَّت مشكلةً كانت تبدو عصيّة على الحل!
لنجعل بيوتنا منبع الأخلاق
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن لَم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»؛ فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل تربية للسان، وضبطٌ للغضب، وتهذيبٌ للسلوك؛ لذلك علينا أن نَجعل بيوتنا منبعَ الأخلاق، ومَحضِنَ القيم، ومَنبِتَ الفضائل؛ تتربّى فيها القلوبُ على الرحمة، وتتشبّع النفوسُ بالصدق، ويشبُّ الأبناءُ على الحياء والمروءة وحُسن المعاملة، لنجعلها مدارسَ للسلوك تُغرس فيها الكلمةُ الطيبة، ويُحتفى فيها بالابتسامة، ويُداوى فيها الخطأُ بالحكمة، ويُقوَّم بالحِلم والرفق، فإذا صلُحت البيوتُ صلُح المجتمع، وإذا فاح عطرُ الأخلاق من داخل الجدران، انتشر عبيرُه في الطرقات والساحات.سلة الخير الأسرية
لا تدعي رمضان يمرّ دون أن تشركي أبناءك في إطعام المساكين؛ فإن الله يقول في كتابه الكريم: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} (الإنسان: 8)، اجعليهم يجهزون وجبات بسيطة ويوزعونها بأنفسهم، ليتعلّموا منذ الصغر أن لذة العطاء تفوق لذة الأخذ، وأن السعادة الحقيقية تكمن في إدخال السرور على الآخرين، كما جاء في الحديث الشريف: «أَفْضَلُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»، إنَّ (سلة الخير الأسرية) رسالة رحمة تُذكّرنا بأن الخير يبدأ من الأسرة، وأن مشاركة ما نملك مع الآخرين ليست رفاهية، بل واجب وإنسانية، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من فرّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة».بركة التدبير
السعادة في البيت المسلم لا تُقاس بسعة الرزق أو كثرة الممتلكات، بل بما تحمله من بركة تنعكس على كل جوانب الحياة؛ فالبركة تأتي مع الرضا والشكر، كما وعد الله -تعالى- في كتابه الكريم: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} (إبراهيم:7)؛ فالبيت الذي تسود فيه البركة يصبح مدرسة للرضا والقناعة، يتعلم فيها الأبناء أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يقدّم من خير، وحسن خلق، وعطاء صادق، فتربية الأبناء على القناعة والشكر تجعلهم قادرين على مواجهة الحياة بروح طيبة، وعقل متزن، وقلوب مطمئنة. إن تدبير البيت بالحكمة والرضا يجعل من الحياة اليومية رحلة بركة، ويزرع في النفوس الطمأنينة، ويقوّي أواصر المحبة بين أفراد الأسرة، ليصبح البيت حقًا ملاذًا للسعادة الحقيقية والسكينة الدائمة.التدين الحقيقي
التدين الحقيقي لا يكتمل إلا بحسن العشرة داخل البيت؛ فالعبادة ليست محصورةً في صلاةٍ وصيامٍ فقط، بل تشمل الكلمة الطيبة للزوج، والصبر على الأبناء، والتغافل عن الهفوات الصغيرة، فكلها قربات يُرفع بها الدرجات ويُبارك بها البيت؛ فالبيت الذي يسوده الرفق، وينتشر فيه الحب والرحمة، يصبح ملاذًا للسكينة، ومرتعًا للقلوب، ومصدرًا للسعادة التي يطمح إليها كل فرد من أفراد الأسرة.
لاتوجد تعليقات