الأسرة المسلمة 1295
الأسرة هي الركيزة الأساسية لبناء الفرد والمجتمع؛ لذا فإن من أهم المقومات التي يجب أن تُبنى الأسرة عليها: الرحمة، والحوار، والقدوة الصالحة، والعبادة اليومية، لتصبح منطلقًا للدعوة، ونموذجًا عمليا لقيم الإسلام في كل زمان ومكان.
وسائل تهيئة الأسرة في شهر شعبان
شهر شعبان فرصة ثمينة لتقوية الروابط الأسرية، وإعداد الأسرة إيمانيًا قبل رمضان، ولتحقيق أقصى استفادة، يمكن اتباع وسائل عملية تنمّي الإيمان والقيم داخل البيت، ومن هذه الوسائل ما يلي:
- تغيير المناخ الأسري: الأسرة مثل الأرض، لا تنبت إلا في مناخ صالح، فيجب توفير بيئة مليئة بالحب والرحمة والمودة والسكينة، بعيدة عن التوتر والضغوط السلبية، لتنشأ النفوس صالحة وطائعة لله.
- تعديل بوصلة الاهتمام: يجب توجيه اهتمام الأسرة نحو الهدف الأسمى من الحياة: عبادة الله، وإصلاح النفس والمجتمع، لا الانشغال بالماديات فقط؛ قال -تعالى-: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (الأعراف: 34).
- الإكثار من الأعمال الصالحة: كالصيام، والقيام، والذِكر، والدعاء، والإحسان، والعمل بإتقان؛ فالله يحب أن يُؤتى العمل بأحسن وجه.
- تجنّب المعاصي: حماية الأسرة من تأثير الشهوات والشيطان بالاستعانة بالله والافتقار إليه: «لا حول ولا قوة إلا بالله» كنز من كنوز الجنة.
- التعريف بفضل شعبان وفضل الطاعة فيه: معرفة الأجر تحفز على الطاعة: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} (الزلزلة: 7).
- التركيز على أهمية رمضان: تنبيه الأسرة لقيمة رمضان ضيفا كريما يمنح الخير والمغفرة، وفيه ليلة خير من ألف شهر.
- الصعود التدريجي بالأعمال: اتباع مبدأ «سدّدوا وقاربوا»: فالعمل المنتظم في أوقات النشاط والراحة ييسر العبادة ويحقق الاستمرارية، قال - صلى الله عليه وسلم -: «سدّدوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة».
- تعليم فقه الصيام وآدابه: تعريف الأسرة بالأحكام والآداب لضمان أداء الصيام بطريقة ترضي الله.
- وضع خطة عملية للأسرة: (تحديد أهداف واضحة لكل الأعمال - عمل جدول للأعمال وأوقاتها وقياس الإنجاز - تنظيم مواعيد النوم والعمل والاستراحة للاستفادة من كل لحظة - ترتيب الأولويات وتجنب التسويف).
- النية الصادقة والاعتماد على الله -تعالى-: تحقيق الأهداف السابقة يتطلب نية خالصة، وعزيمة قوية، وبذل المستطاع ابتغاء وجه الله -عزوجل-.
بناء الرقابة الذاتية
الرقابة الذاتية ركيزة أساسية في بناء الشخصية الإسلامية السليمة؛ فهي تحفظ الإنسان من الانزلاق وراء الشهوات، وتجعله مسؤولًا عن أفعاله قبل أن يُحاسب عليها الآخرين، ومن يتحلى بها يصبح أقوى أمام التجارب وأقدر على الالتزام بالقيم والمبادئ، قال النبي - صلى. الله عليه وسلم -: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»، والقوة هنا تبدأ بالتحكم في النفس ومراقبتها؛ لذلك فإن الأسرة التي تبنى على هذه القيمة فتجد أفرادها يضبطون أقوالهم وأفعالهم، ويوازنون بين حقوقهم وواجباتهم، ويكبحون جماح الغضب والشهوة، ويكونون قد بنوا حماية لأنفسهم وأهلهم ومجتمعهم، فتستقيم حياتهم، وتصبح بيوتهم ومجتمعهم أكثر أمانًا واستقرارًا.
السكينة الحقيقية لا تُشترى

السكينة الحقيقية لا تُشترى بالمال، ولا تُختزل في متاع، بل هي ثمرة علاقة صادقة بالله -تعالى-، وممارسة للقيم الصالحة، وبيت قائم على الرحمة والحوار، فمن أراد حياة هادئة وقلبًا مطمئنًا، فليسعَ لبناء السكينة في نفسه وبيته؛ فالسكينة تتعزز بالعبادات اليومية، من صلاة وذكر، وبالأخلاق الفاضلة كالصّدق، والأمانة، والعدل، والرحمة، كما تُبنى بالحوار الهادئ والاستماع، واللين في التعامل، ولا سيما بين الزوجين والأبناء؛ فالرحمة تفتح القلوب، وتخفف الضغوط، وتقوّي روابط الأسرة، قال - صلى. الله عليه وسلم -: «الراحمون يرحمهم الرحمن».
التربية: عبادة تمتد آثارها إلى الجنة
(الأبوة والأمومة) ليستا مجرد مسؤولية دنيوية، بل هي عبادة تمتد آثارها إلى الجنة، فحين يستشعر الأب والأم أن تربية أولادهما تقرّب إلى الله، تتحول كل لحظة من رعايتهما إلى عمل صالح يُرفع في ميزان الحسنات، يقول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم: 6)، فالأمر الإلهي هنا هو تكليف تعبدي يحمل معنى المسؤولية الشرعية، فكما أن الصلاة والصيام عبادة، فإن تربية الأبناء على الإيمان والأخلاق عبادة أيضًا، والأبوة الحقيقية لا تُقاس بما يُقدَّم من مالٍ أو راحة، بل بما يُزرع من إيمانٍ في القلوب، وما يُغرس من قيمٍ في السلوك، فكل كلمة طيبة، وكل لحظة تربية صادقة، هي ذكرٌ لله وعملٌ صالحٌ في ثوب من الحنان والرعاية، وعندما يدرك الوالدان هذا المعنى، تتحول بيوتهما إلى محاضن إيمانية، يتربى فيها الأبناء على الطاعة والمحبة والعطاء؛ فيثمر البيت المسلم جيلًا صالحًا يحمل رسالة الأمة وبهاء الإيمان.
الأسرة منطلق الدعوة
الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الإنسان معاني التوحيد وقيم الأخلاق، وإذا صلحت الأسرة صلح الفرد، وإذا صلح الفرد صلح المجتمع، وقد حمّل الإسلام ربَّ الأسرة مسؤولية الإصلاح والدعوة؛ فقال -تعالى-: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم: 6)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، ولا تؤتي الدعوة ثمارها ما لم يصدقها السلوك، فالقدوة داخل البيت أبلغ من كل خطاب؛ إذ ينشأ الأبناء على الإيمان حين يرون الصدق، والأمانة، وحب الطاعة واقعًا معاشًا، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب: 21).
مخالفات تقع داخل البيوت احذروها!
- الإساءة اللفظية والصراخ: فالكلمات الجارحة تترك أثرًا عميقًا على الأطفال والزوجين، وتفسد جو الأسرة. قال -تعالى-:{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة: 83).
- غياب الحوار والرحمة: وغياب الاستماع والتفاهم يزرع التوتر والعداوة بين أفراد الأسرة، قال -صلىالله عليه وسلم -: «الراحمون يرحمهم الرحمن».
- اللامبالاة بالعبادات والقيم: كعدم الاهتمام بالصلاة والذكر وقيم التعاون والصدق يضعف الروابط الأسرية ويؤثر على نشأة الأبناء.
- التمييز والمحاباة: محاباة أحد الأبناء أو إهمال الآخر يزرع الكراهية ويهدم التماسك الأسري.
العفاف أمر نبوي
ثبت في «صحيح البخاري» أن هرقل سأل أبا سفيان - قبل إسلامه - عن أمر النبي - صلى. الله عليه وسلم - فقال: «يأمرنا بالصلاة والصدق، والعَفاف والصلة»، فتعجب هرقل من هذا المنهج المتكامل، وعدَّه دليلًا على أن مصدره وحي من عند الله؛ إذ جمع بين عبادة الله وحده وترك الشرك، وبين إصلاح النفس والمجتمع، وهذا يدل على أن العفاف - ومنه الحجاب وغض البصر، وتحريم الاختلاط - ركن أصيل في بناء المجتمع المسلم، وليس مجرد مظهر ثانوي.
لاتوجد تعليقات