رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 29 يناير، 2026 0 تعليق

الأسرة المسلمة 1294

البَركة في حياة الأسرة

البركة مطلبٌ فطريّ لكل أسرة؛ فكم من بيوتٍ كثرت فيها الموارد وقلّ فيها الخير! وكم من بيوتٍ ضاق عيشها ماديًا لكنها تنعم بسكينة وطمأنينة واتساع في القلوب! وهنا تتجلّى حقيقة البركة؛ فهي ليست كثرةً في المال؛ بل نماءٌ في الخير، ودوامٌ في النفع، وطمأنينةٌ في العيش.

(1) الإيمان والتقوى أصل البركة: من أعظم أسرار البركة في حياة الأسرة تحقيق الإيمان والتقوى؛ فهما مفتاح الخير في الدنيا قبل الآخرة، قال الله -تعالى-: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} (الأعراف: 96).

(2) طاعة الله في شؤون البيت: الأسرة التي تجعل أوامر الله ونواهيه مرجعًا في علاقتها، وتربيتها، وإنفاقها، تجد أثر ذلك سكينةً في القلوب، وتيسيرًا في الأحوال، قال -تعالى-: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} (الطلاق: 4)، ومن أعظم مظاهر الطاعة في البيت: إقامة الصلاة، وتحري الحلال في الكسب والمطعم، والبعد عن الظلم والبغي.

(3) الذِّكر في البيت: البيت الذي يُذكر فيه اسم الله، ويُتلى فيه القرآن، بيتٌ تحفه الملائكة وتتنزل عليه الرحمة؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «مثل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه مثل الحي والميت»، وقال -تعالى-: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28)، ولا طمأنينة بلا بركة، ولا بركة بلا ذكر.

(4) البرُّ وصلة الرحم: من أسرار البركة في حياة الأسرة برّ الوالدين وصلة الأرحام؛ فهما سبب لبركة العمر والرزق، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «من أحبّ أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه»؛ فالبيت الذي تُحفظ فيه هذه الحقوق، بيتٌ مبارك في أثره، محفوظ في مساره.

(5) العدل والرحمة داخل الأسرة: البركة لا تسكن بيتًا يقوم على الظلم أو القهر، وإنما تحلّ حيث يسود العدل والرحمة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه»، فالرفق بين الزوجين، والعدل بين الأبناء، والرحمة في التربية، من أعظم أسباب دوام الألفة والبركة.

(6) الشكر طريق الزيادة: الشكر يحفظ النعم ويزيدها، ويمنع زوالها، قال الله -تعالى-: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} (إبراهيم: 7)، والأسرة الشاكرة لا تُكثِر التذمّر، ولا تُهوِّن النعمة، بل ترى الخير في القليل، فتحل البركة حيث حَلَّ الرضا.

 

الاستقرار الأسري لا يعني غياب الخِلاف

       الاستقرار الأسري لا يعني غياب الخلاف؛ بل القدرة على استيعابه والتعامل معه بحكمة ورحمة، فالأسرة المسلمة تتعلم من القرآن والسُنَّة كيف تحوّل الخلاف إلى تفاهم، والاختلاف إلى تقارب، قال الله -تعالى-: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: 19)؛ فالعيش بالمعروف والرفق أساس التعامل مع الاختلاف، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»؛ فالأفضل هو من يحسن في بيته، ويهذب خلافاته بالرحمة والصبر، ويصنع من كل نزاع فرصة للود والمحبة.

المرأة في الإسلا م شريكةُ بناءٍ

       المرأة في الإسلام ليست كائنًا تابعًا ولا عنصرًا ثانويًّا في مسيرة الحياة، بل شريكةُ بناءٍ أصيلة، قرر القرآن مكانتها، وأكدت السنة دورها، وجعلها الإسلام ركنًا من أركان صلاح الأسرة والمجتمع. قال الله -تعالى-: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (التوبة: 71)، فولاية الإيمان هنا ولاية تعاونٍ وتكاملٍ وتناصر، لا ولاية صراعٍ أو إقصاء، وقد قرر القرآن مبدأ وحدة التكليف والجزاء، فقال سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (النحل: 97)، فجعل العمل الصالح معيار الكرامة، لا الجنس ولا الموقع.

         وفي السنة النبوية بيان واضح لمكانة المرأة ودورها في البناء، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة»؛ فالمرأة الصالحة ليست متاعًا استهلاكيًّا، بل رأسُ مالٍ إيماني تُبنى به البيوت وتُصان به القيم، وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم - المرأة شريكةً في المسؤولية، فقال: «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»؛ فالرعاية هنا بناءٌ وتوجيهٌ وتحمّل أمانة، لا مجرد قيامٍ بأعمالٍ شكلية، ولم يكن هذا التصور نظريًّا، بل جسّدته نساء الصحابة -رضي الله عنهن-؛ فكنّ شريكات في العلم والتربية والنصيحة، دون أن يخرجن عن ضوابط العفة والوقار. قالت عائشة -رضي الله عنها-: «نِعْمَ النساءُ نساءُ الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين»، وهكذا يقرر الإسلام أن شراكة المرأة في البناء شراكة تكاملٍ لا تزاحم، ورسالة لا ادّعاء، وعملٌ هادئ عميق الأثر، تُقام به الأسرة، وتُحفظ به الفطرة، وتنهض به الأمة.

 

تنمية القيم داخل الأسرة

        الأسرة المسلمة التي تغرس القيم والأخلاق في أبنائها، وتعززها بالقدوة الصالحة، والتربية بالرحمة، والتعليم بالمعروف، تكون قد أسست مجتمعًا متوازنًا، وأجيالًا صالحة تقود الأمة نحو الخير والاستقامة؛ فالقيم والأخلاق ليست خيارًا ثانويا، بل هي أساس البناء الأسري والاجتماعي، وتنمية القيم داخل الأسرة تبدأ بغرس المسؤولية والصدق في القول والعمل لدى الأبناء؛ فالمسؤولية تولّد الالتزام، والصدق يبني الثقة بين أفراد الأسرة، يقول الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (النساء: 58)، فتكون الأمانة أساس التعامل، والأخلاق، والقدوة الصالحة للجيل الصاعد.

 

البيت الصالح يقوم على التكافل والتعاون

        الأسرة المستقرة تحتاج إلى تعاون جميع أفرادها؛ فالبيت يقوم على التكافل والتعاون، فإذا قصر أحد الأفراد في مهام البيت أو في تربية الأبناء، أثقل ذلك على الآخرين وأضعف أواصر التماسك والمحبة، يقول الله -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: 2)، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»؛ فكل فرد في الأسرة مسؤول عن جزء من رعاية البيت وتنمية القيم فيه، والتعاون المتبادل هو سرّ استقراره ونجاحه.

العطاء والتضحية داخل الأسرة

       من أعظم القيم التي تُبنى داخل الأسرة العطاء والتضحية؛ فالعطاء فيها ليس مجرد تقديم المال، بل يشمل الحب والوقت والجهد، والتضحية تعني تقديم مصلحة الآخرين على المصلحة الشخصية، بما يضمن استقرار الأسرة وسعادتها.

- والعطاء داخل الأسرة ركيزة المحبة والتواصل بين أفرادها؛ فالوالدان يقدمان من وقتهما وجهدهما لأجل الأبناء، والأبناء يبادلون الوالدين طاعةً واحترامًا، وكل فرد يسهم بما يستطيع لصالح الآخرين.

- أما التضحية فهي تجسيد للمحبة والإخلاص؛ فالوالدان يتحملان المشقة في التربية والتعليم، والأبناء يتعلمون تقديم المصلحة العامة على الذاتية.

- والأسرة التي تغرس العطاء والتضحية في أبنائها تصبح أكثر تماسكًا، وأعضاؤها أكثر محبة واحترامًا لبعضهم؛ فالعطاء المستمر والتضحية المتبادلة تخلق بيئة أسرية مستقرة، يتعلم فيها الأبناء القيم، ويستعدون لتحمل المسؤولية في حياتهم المستقبلية.

 

الإفراط في الماديات على حساب القيم!!

        من الأخطاء التي قد تقع داخل الأسرة: الإفراط في الماديات على حساب القيم، فالتركيز على المال والامتلاك دون غرس القيم والأخلاق يجعل الأسرة ضعيفة الأساس، ويؤثر على تنشئة الأبناء السليمة، فيصبح البيت خاليًا من جوهر التربية وروح الاستقامة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك