رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أحمد فريد 13 يناير، 2020 0 تعليق

الأسباب التي يرجى بها تعجيل الفرج بعد الشدة


فإذا كان الله -عز وجل- قد وعد بالفرج بعد الشدة، وباليسر مع العسر، وبعده؛ فلا يتنافى ذلك مع الأخذ في الأسباب التي نرجو بها تعجيل اليسر بعد العسر، والفرج بعد الشدة؛ فالله -عز وجل- يقول: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}(الذاريات:22)، ومع ذلك نأخذ في أسباب الرزق، وكذلك أسباب الرحمة، التي نرجو بها دخول الجنة، بل قال الله -عز وجل-: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} (هود:6)، ومع ذلك قال -تعالى-: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك:15).
 
- فمن الأسباب التي يُرجى بها تعجيل الفرج بعد الشدة، والخير العاجل والآجل في الدنيا والآخرة؛ من حيث يحتسب العبد؛ ومن حيث لا يحتسب:
 
     تقوى الله -عز وجل- قال -تعالى-: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} (الطلاق:2-3)، قال ابن كثير -رحمه الله-: أي: ومَن يتق الله فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه يجعل له مِن أمره مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي مِن جهة لا تخطر بباله، وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال: «إن أجمع آية في القرآن: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} (النحل:90)، وإن أكبر آية في القرآن فرجًا: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}، وعن علي بن طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا»، يقول: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة»، وقال الله -عز وجل- في السورة نفسها: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} (الطلاق:4)، قال ابن كثير -رحمه الله-: أي: «يسهِّل له أمره، وييسره عليه، ويجعل له فرجًا قريبًا ومخرجًا عاجلًا»؛ فتقوى الله -عز وجل- سبب لتيسير الأمور، وترك التقوى سبب لتعسيرها، كما قال بعض السلف: «إني لأعصي الله؛ فأجد ذلك في خلق دابتي وامرأتي».
 
التعرف إلى الله في الرخاء
     ومن هذه الأسباب التي يرجى بها الفرج العاجل في الشدة: التعرف إلى الله في الرخاء، كما في حديث ابن عباس مرفوعًا: «تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» (رواه أحمد، وصححه الألباني)، قال ابن رجب -رحمه الله-: «وليس المراد بالمعرفة: المعرفة العامة التي هي الإقرار والتصديق والإيمان، وإنما المراد: المعرفة الخاصة التي تقتضي ميل القلب إلى الله -عز وجل- والانقطاع إليه، والأنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له. قال أحمد الأنطاكي: أحب ألا أموت حتى أعرف مولاي. وليس معرفته الإقرار به، ولكن المعرفة التي إذا عرفته استحييت منه، وفي الجملة؛ فمَن عامله الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه، عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته، قال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس -عليه السلام- كان يذكر الله -تعالى-؛ فلما وقع في بطن الحوت، قال الله -تعالى-: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ  لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (الصافات:143-144).
 
الدعاء مع الاضطرار
     قال الله -تعالى-: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} (النمل:62)، قال القاسمي -رحمه الله-: «أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ»، وهو الذي أحوجه مرض، أو فقر، أو نازلة من نوازل الدهر، إلى اللجأ والتضرع إلى الله -تعالى-، وقال ابن كثير -رحمه الله-: ينبِّه -تعالى-: أنه المدعو عند الشدائد، الموجود عند النوازل، كما قال: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} (الإسراء:67)، وقال -تعالى-: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} (النحل:53)، وهكذا قال ههنا: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}، أي: مَن هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، الذي لا يكشف ضر المضرورين سواه.
 
من أقوى الأسباب
     وقال ابن القيم -رحمه الله-: الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاءً لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء؛ فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًّا؛ فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها علينا، والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل؛ فله مع البلاء ثلاثة مقامات:
- الأول: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
- الثاني: أن يكون أضعف من البلاء؛ فيقوى عليه البلاء؛ فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه.
- الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه.
 
كثرة الاستغفار
     أما كثرة الاستغفار؛ فلأن البلاء لا ينزل إلا بذنبٍ، وعلاج الذنوب الاستغفار، قال بعض السلف: «إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم؛ فأما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار»؛ لذلك قوله -عز وجل-: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا}(نوح:10-12).
 
كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
وأما كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكيف أنها سبب من أسباب زوال الضيق والهم؛ فعن زيد بن طلحة التيمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي عَلَيْكَ صَلَاةً إِلَّا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»؛ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْعَلُ نِصْفَ دُعَائِي لَكَ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ»، قَالَ: أَلَا أَجْعَلُ ثُلُثَيْ دُعَائِي لَكَ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ» قَالَ: أَلَا أَجْعَلُ دُعَائِي لَكَ كُلَّهُ؟ قَالَ: «إِذَنْ يَكْفِيكَ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا، وَهَمَّ الْآخِرَةِ» (أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الألباني: صحيح مرسل).
 
كثرة الاستغاثة بالله -عز وجل
     وأما كثرة الاستغاثة بالله -عز وجل-؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وعن أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ أَوْ سَقَمٌ أَوْ شِدَّةٌ؛ فَقَالَ: اللهُ رَبِّي لَا شَرِيكَ لَهُ، كَشَفَ ذَلِكَ عَنْهُ» (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).
 
التوسل إلى الله -عز وجل- بالعمل الصالح
     قال الألباني -رحمه الله-: «وهذا توسل جيد وجميل، قد شرعه الله -تعالى- وارتضاه»، ثم ذكر أدلة مشروعيته إلى أن قال:«ومن ذلك ما تضمنته قصة الثلاثة نفر أصحاب الغار، التي رواها عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- في الحديث المعروف، وقد قال الشيخ الألباني -رحمه الله- معلقًا عليه: «ويتضح من هذا الحديث: أن هؤلاء الرجال المؤمنين الثلاثة، حينما اشتد بهم الكرب وضاق بهم الأمر، ويئسوا مِن أن يأتيهم الفرج مِن كل طريق إلا طريق الله -تبارك وتعالى- وحده، لجأوا إليه ودعوه بإخلاص؛ فتوسلوا إليه -سبحانه- بتلك الأعمال، توسل الأول ببره بوالديه وعطفه عليهما، وتوسل الثاني بعفته عن الزنا بابنة عمه بعد ما قدر عليها، وتوسل الثالث بحفاظه على حق أجرته، التي كانت فرقًا من أرز.
 
دعاء الثلاثة
     دعا هؤلاء الثلاثة ربهم -سبحانه- بهذه الأعمال الصالحة أي صلاح، والمواقف الكريمة أي كرم، معلنين أنهم فعلوها ابتغاء -رضوان الله تعالى- وحده، لم يريدوا بها دنيا قريبة، أو مصلحة عاجلة، أو جاهًا أو مالًا، ورجوا الله -جل شأنه- أن يفرج عنهم ضائقتهم، ويخلصهم من محنتهم؛ فاستجاب -سبحانه- دعاءهم، وكشف كربهم، وكان عند حسن ظنهم به؛ فخرق لهم العادات، وأكرمهم بتلك الكرامة الظاهرة؛ فأزاح الصخرة بالتدريج على مراحل ثلاث»، وليت شعري: هل ادخرنا من الأعمال الصالحة التي تستحق أن نتوسل بها إلى الله -عز وجل- في الشدائد حتى يفرج الله عنا؟!
 
التوكل على الله
     وهو صدق اعتماد القلب على الله -عزوجل- في استجلاب المصالح، ودفع المضار في أمور الدنيا والآخرة، وقد جعل الله لكل عملٍ مِن أعمال البر جزاءً معلومًا، وجعل نفسه جزاء المتوكل عليه وكفايته؛ فقال: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}، وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (النساء:69)، ثم قال في التوكل: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق:3)؛ فانظر إلى هذا الجزاء الذي حصل للمتوكل ولم يحصل لغيره، وهذا يدل على أن التوكل مِن أقوى السبل عنده، وأحبها إليه، وقال -تعالى-: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} (الزمر:36)؛ فطالب الكفاية من غيره هو التارك للتوكل، وقال -عز وجل-: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} (النساء:81).
 
كفى به وكيلًا
     وإذا كان كفى به وكيلًا؛ فهذا مختص به -سبحانه- ليس غيره من الموجودات كفى به وكيلًا؛ فإنه مَن يتخذ من المخلوقين وكيلًا، غايته أن يفعل بعض الأمور، وهو لا يفعلها إلا بإعانة الله له، وهو عاجز عن أكثر المطالب؛ فإذا كان -سبحانه- وصف نفسه بأنه كفى به وكيلًا، على أنه يفعل بالمتوكل عليه ما لا يحتاج معه إلى غيره في جلب المنافع ودفع المضار؛ إذ لو تبقى شر لم يكن كفى به وكيلًا، وهذا يقتضي بطلان ظن أن المتوكل عليه لا يحصل بتوكله عليه جلب منفعة ولا دفع مضرة، بل يجري كما لو لم يتوكل عليه.
 
التوكل سبب للنجاة
     وقد أخبر الله -عز وجل- كيف كان التوكل سببًا للنجاة من الشدائد، كما قال -تعالى-: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّه} (آل عمران:173-174)، وقال عن مؤمن آل فرعون: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} (غافر:44-45)، ومن تمام المتوكل على الله -عزوجل- اليأس من المخلوقين، واعتقاد أنهم لا يملكون له ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، بل هم أقل وأذل من ذلك، ولله -عز وجل- وحده الخلق والأمر.
 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك