الأربعون الوقفية (25)
جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وأحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا .
الحديث الخامس والعشرون:
الوقف جريان للحسنات
عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت: من مات مرابطًا في سبيل الله، ومن علم علمًا أجري له ما عمل به، ومن تصدق بصدقة، فأجرها يجري له ما جرت، ورجل ترك ولدًا صالحًا فهو يدعو له».
الأيام تمضي، والعمر قصير، والحياة زائلة، والفرصة في بذل الخير في الدنيا لن تتكرر، وقد أنعم الله على عباده وهيأ لهم من الأعمال ما يستمر فيها الأجر إلى بعد الممات، فجعل الحسنات تزداد للمتصدقين والمحسنين وهم في قبورهم، يغنمون من الحسنات ما لم يكن في الحسبان، ومنهم أناس يكسبون من الحسنات بعد مماتهم أكثر مما كسبوه في حياتهم، وهؤلاء تحقق في وقفهم الإخلاص لله عز وجل، ومتابعة هدي النبي[، وبذلوا من الأسباب واجتهدوا ليدوم عطاء وقفهم.
يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن أربعة تستمر فيها الأجور حتى بعد الموت، فلا ينقطع ثوابها بموت أصحابها، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته الواسعة على عباده، أن المسلم يستطيع أن يعمل من الأعمال في حياته ما يستمر معها الأجر والثواب، ولا ينقطع بعد موته، وتفصيلها الآتي:
- أولا: من مات مرابطا في سبيل الله، فمن مات وهو ملازم ساحة الحرب، ومرابط في الثغور للذب عن المسلمين، ولفتح البلاد ونشر الإسلام، فإن أجره مستمر لا ينقطع؛ فالمرابط في سبيل الله عمله عظيم وأجره أعظم، فقد بذل نفسه للجهاد في سبيل الله، ولنشر دينه، فنال هذا الأجر الدائم.
- ثانياً: من علم علما أجري له عمله ما عمل به: ومن علم علما وعلمه غيره ثم مات فيجري عليه ثوابه مدّة دوام العمل به بعده، كالدعوة إلى الله تعالى، وتعليم الناس الخير ونشر العلم النافع بينهم، وما زلنا نذكر علماء ماتوا من مئات السنين ونترحم عليهم وندعو لهم، بعد أن تركوا لنا علماً نتعلمه منذ أكثر من ألف عام، وكلما كان العلم أكثر نفعاً وأوسع انتشاراً كان أعظم ثواباً.
- ثالثاً: من تصدّق بصدقة فأجرها يجري له ما وجدت، أي وإنسان تصدّق بصدقة جارية كوقف فيجري له أجره مدّة بقاء العين المتصدّق بها، كحفر الآبار، وبناء المساجد وغيرها من الأعمال الصالحة التي يجري أجرها ما جرت ولا تنقطع بإذن الله تعالى، فمن أسس وقفاً فهو له صدقة جارية، ولو مات الواقف فإن أجره مستمر، ما دام الوقف مستمراً.
فمن بنى هذا المسجد, كل صلاة تؤدى في هذا المسجد، وكل كلمة تقرأ من كتاب الله تعالى في المسجد، وكل أذان يرفع كل صلاة، وكل درس علم ينعقد، في صحيفة من أسهم في بناء هذا المسجد وتأسيسه، وكذلك كل وقف استمر نفعه ودام عطاؤه.
- رابعاً: ورجل ترك ولدا صالحا يدعو له، أي إنسان ترك ولداً - ذكرا أو أنثى- فهو يدعو له بالرحمة والمغفرة، فدعاؤه أسرع قبولا من دعاء البعيد، فإذا عمل الولد الصالح أعمالاً صالحة فإن لوالديه اللذين أحسنا تربيته وتعليمه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء، وهذه صدقة جارية يوفق لها الفقير والغني.
ومن صلاح الأبناء وبرهما بوالديهما بعد موتهما، المحافظة على استمرار ما خلفاه من أوقاف وصدقات جارية، كمن بنى مسجدًا أو أوقف عقارًا جعل ريعه في أوجه البر، أو ترك علمًا نافعًا، أو حفر بئرًا، أو كفل يتيمًا، ونحو ذلك، فإنه ينبغي على البررة والأوفياء من أهله المحافظة على استمرار تلك الأوقاف والصدقات الجارية، حتى يثابوا على ذلك، ويجري أجرها على ميتهم بعد موته بإذن الله تعالى.
ولا يشترط في الوقف أن يكون ذا قيمة عالية، بل إن الله تبارك وتعالى يسر أعمالا كثيرة تجري بها الحسنات بعد الممات لجميع خلقه، فيمكن للمسلم أن يوقف مصحفًا لوالديه يلحقهما الأجر العظيم عند تلاوته. يقول سماحة الشيخ بن باز رحمه الله: المصحف إذا خلفه الميت فهو ينفعه إذا وقفه، أي: جعله وقفًا ينفعه أجره.. وينفع الميت الوقف الذي يوقفه بعده في سبيل الخير، من بيت أو أرض أو دكان أو نخيل، أو ما شابه ذلك فينتفع هو بهذا الوقف إذا انتفع به الناس.
ومن فضل الله تعالى أن هذه الأجور العظيمة ممكنة التحقق بإقامة الوقف الذي هو صدقة جارية يجري ثوابها للمسلم في حياته وبعد مماته، كمن رابط في سبيل الله تعالى، ومن علم علما ونشره بين العباد، ومن ترك ولداً صالحا، ومن حفر بئراً أو أوقف مدرسة أو عقاراً وغيره، وهذا فضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء.
- ومن فوائد الحديث: أن فيه دلالة على أن الميت ينفع بما تسبب لنفسه في حياته من عمل صالح، وفيه أن النماء الحقيقي لعمل المسلم هو ما استمر نفعه ودام أجره، والذي لا ينتهي بموته.
وفيه أهمية اغتنام الحياة والأوقات، بالمبادرة والحرص على الاستكثار من الأعمال الصالحة، والصدقات الجارية ذات النفع المتعدي، التي تجري أجورها ونفعها في الحياة وبعد الممات .
وفيه الحث على تربية الأبناء تربية صالحة، والاجتهاد في تربيتهم على طاعة الله وخشيته والقرب منه، والحرص على استمرار الخير في أبنائهم، وذلك بتوصيتهم على دوام فعل الخير، ورعاية أعمال الخير التي أنشأها والدهم في حياته، وفيه حث الأبناء للاجتهاد في الدعاء للآباء في حياتهما وبعد مماتهما وانقطاع أعمالهما.
وفيه حث المسلم أن يعمل من الأعمال التي يستمر فيها الأجر بعد الموت، فالذي يفتح باب خير فأجره مستمر، ومن أعظم أعمال العبد تلك الأعمال التي لا تنتهي بموت صاحبها، وكما يحرص الإنسان على الكسب في الدنيا، وينشط لتجديد أعماله ليدوم ربحها، فعليه أن يستثمر لآخرته .
وفيه حث للواقف على الحرص في أن يدوم نفع وقفه، وأن يبذل الأسباب التي يستمر معها الوقف في عطائه، فيرعاه في حياته، ويجعل عليه القوي الأمين من ذريته أو غيرهم ليديره إدارة رشيدة لحفظ أصوله، وتحصيل ريعه، وصرفه في المصارف الشرعية المحددة، وتنميته وصيانته حتى يبقى على حالة يدوم معها الانتفاع به، ويحقق مقاصده.
والأعمال الواردة في الحديث، أعمال تبقى للإنسان بعد وفاته، وتجري لها الحسنات إلى ما بعد الممات، وكم من الناس من يتمنى أن تكون له مثل تلك الآثار والأعمال الصالحة التي يجري ثوابها ويدوم أجرها بعد مماته، ولكنه يسوف ويفرط ويهمل حتى يأتيه الموت، فلا يستطيع حينئذ أن يقدم ما كان يتمناه فقد انقطع عن دار العمل وانتقل إلى دار الجزاء والحساب.
فالحياة فرصة عظيمة للأحياء في أن يعملوا وأن يتزودوا بالأعمال الصالحة التي يدوم أجرها، وشتان بين عبدين: عبد تطوى بموته صحيفة حسناته، وعبد تجري عليه الأجور والحسنات العظيمة لتملأ صحيفة حسناته، ويرفع الله تعالى درجاته، حتى يحين الفصل بين العباد.
لاتوجد تعليقات