الأربعون الفلسطينية (الْحَدِيثُ الْخَامسُ وَالْعِشْرُونُ) الشَّامُ مَلاذ الْمُؤْمِنِينَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ
كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية)، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها ، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها, صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم؛ فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الخامس والعشرون:
عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ستَخْرُجُ نارٌ في آخر الزمان مـن حَضْرَمَوتَ», وفي رواية: «أو من بحر حضر موت»، تَحشُرُ النَّاسَ. قلنـا: فماذا تأمرنا, يا رسول اللـه؟ قال: عَليكُمْ بالشَّامِ.
شرح الحديث
حديث الباب هو آخر آيات قيام الساعة وأشراطها، وهي من مقدمات قيام الساعة أن يحشر الناس في الشام، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم .
- قوله: ستَخْرُجُ نارٌ في آخر الزمان: والنار الخارجة عنه إما حقيقة النار، أو فتنة عبر عنها بها, وأقول: الصحيح أنها على الحقيقة ولا يجوز صرف الغيب عن حقيقته إلا بقرينة, وهذه النار من علامات الساعة الكبرى المؤذنة بقيام الساعة ونهاية الدنيا، فعن أنس رضي الله عنه أن عبدالله بن سلام بلغه مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء، فقال: إني سائلك عن ثلاث: ما أول أشراط الساعة؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : «أَمَّا أَوَّلُ أَشراطِ السَّاعةِ فَنَارٌ تَحشُرُهُم منَ المشرِقِ إِلى المغرِبِ. ..»، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم»، ولا أظن أن بين الأحاديث تعارضًا فاختلاف جهات حشر الناس إلى محشرهم يدل على أن هناك نيراناً عدة تكون في أماكن مختلفة أو كما قال ابن مانع فلعل إحدى النارين في أول الآيات والأخرى في آخرها، وهو حشر قبل يوم القيامة وبه قال القرطبي والقاضي عياض، والله أعلم.
قال الشيخ محمود عطية معلقًا على حديث الباب: «الناس عادة لا يستجيبون لمن يأمرهم باللين، إلا من رحم الله، فاقتضت حكمة الخالق جل وعلا، أن يستجيبوا قسرًا، فيقيض الله -عز وجل- لهم من يطردهم ويفرون من أمامه فزعين، يرسل النار، تقيل معهم؛ حيث قالوا وتبيت، حيث باتوا حتى المحشر».
- قوله: مـن حَضْرَمَوتَ : حضرموت : بلد وقبيلة، جنوب اليمن. حَضْرَمَوْت قيل سمي بحضر موت بن قحطان؛ لأنهُ أول من نزلهُ وكان اسم هذا الرجل عامرًا. فكان إذا حضر حربًا أكثر من القتل فصاروا يقولون عند حضورهِ حضر موت ثم جرى ذلك عليهِ لقبًا وسكنوا الضاد للتخفيف وجعلوا الاسم مركبًا مزجيًا على الأشهر، ثم صاروا يقولون للأرض التي كانت بها قبيلتهُ هذه أرض حضر موت، ثم أطلق على البلاد نفسها وقيل في تسميتها غير ذلك.
وكانت تسمى قبل الإسلام بـ(الأحقاف) وهي اسم سورة في القرآن وهي ماجاء ذكرها كذلك في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}{الأحقاف:21} ومما جاء في فضلها وأهلها ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم : «حَضْرَمَوْتَ خَيْرٌ مِن بَنِي الحارِثِ».
وفي التوراة اسم حضر موت: حاضر ميت. وكانت موطن عاد وأقيال التبابعة وملوك حمير وكندة، أجلوا من البحرين إلى حضر موت وكانوا نيفًا وثلاثين ألفًا، وأسلموا في السنة العاشرة للهجرة وشهدوا فتح مصر مع عمرو بن العاص، فكان وقتها كثير من القضاة منهم، واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأقيال من حضر موت، كما ولى عليهم رسول الله زياد بن لبيد البياضي الأنصاري، فأقام في (تريم)، وكان المثل الأعلى في الخلق الحسن، ودخل الحضرميون في الإسلام دون أن يظهروا أي مقاومة، ليس لهم في الجزيرة العربية مثيل وهي من المفاخر التي يحفظها لهم التاريخ إلى الأبد.
أنواع الحشر : قال القرطبي : «الحشر» : الجمع ، وهو على أربعة أضرب : حشران في الدنيا وحشران في الآخرة.
وهذا الحشر سيكون آخر أيام الدنيا ومقدم الآخرة، قال القرطبي وابن حجر وغيرهم من أئمة العلم: إن هذا الحشر يكون في آخر عمر الدنيا، حين تخرج النار من قعر عدن، وتحشر الناس إلى بلاد الشام.
قال ابن كثير : «فهذه السياقات تدل على أن هذا الحشر ، هو حشر الموجودين في آخر الدنيا، من أقطار محلة الحشر، وهي أرض الشام، وهذا كله يدل على أن ذلك في آخر أيام الدنيا؛ حيث الأكل والشرب ، والركوب على الظهر المستوي وغيره؛ وحيث يهلك المتخلفون منهم بالنار، ولو كان هذا بعد نفخة البعث، لم يبق موت ولا ظهر يسري، ولا أكل ولا شرب، ولا لبس في العرصات. والعجب كل العجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي بعد روايته لأكثر هذه الأحاديث، حمل هذا الركوب على أنه يوم القيامة، وصحح ذلك، وضعف ما قلناه واستدل على ذلك: بقوله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86)} {مريم: 85-86}. وكيف يصحح ما ادّعاه في تفسير الآية بالحديث، وفيه : « إن منهم اثنين على بعير، وعشرة على بعير»، وقد جاء التصريح فيه بقلة الظهر؟ هذا لا يلتئم مع هذا. تلك نجائب من الجنة يركبها المؤمنون من العرصات إلى الجنات، على غير هذه الصفة، كما سيأتي تقرير ذلك في موضعه.أ.هـ
وقال صاحب التحفة: «لعله لم يُرد بذلك أولَ الأشراط مطلقًا ، بل الأشراط المتصلة بالساعة الدالة على أنها تقوم عما قريب ، فإن من الأشراط بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم تتقدمها تلك النار ، أو أراد بالنار نار الحرب والفتن كفتنة الترك، فإنها سارت من المشرق والمغرب»
قال الخطابي: والمذكور هنا في الحشر إنما يكون قبل قيام الساعة، يحشر الناس أحياء إلى الشام، وأما المحشر الذي بعد البعث من القبور فعلى خلاف هذه الصورة، من ركوب الإبل ، والمعاقبة عليها إنما هو البعث دون الحشر، فليس بين الحديثين تضاد، قال: قوله : عشرة على بعير، يعني أنهم يتعقبون البعير الواحد يركب بعضهم ، ويمشي الباقون عقبًا بينهم.
ومجمل هذه النيران كلها تدفع بالناس إلى مقر حشرهم ومنتهاه في الدنيا على أرض الشام ، وهي البقعة التي يجمع الناس فيها إلى الحساب، ويشمل أصناف الناس رجالًا ونساء راكبين وراجلين ومنهم من يجر جرًا إلى محشرهم في الشام ، فعن بَهْز، عن أبيه، عن جدّه، قال: قُلت: يا رسول اللهِ، أَيْنَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ:«هَاهُنَا». وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ، قَالَ:«إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ رِجَالًا وَرُكبَانًا، وَتُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِكُمْ ».
كيف يكون الحشر ؟
أفرد الإمام البخاري باباً : بعنوان:(باب كيف الحشر؟) وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاَثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاَثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا».
قال القاضي البيضاوي في تعليقه على هذا الحديث: أراد بذلك حشرًا يكون للناس في حياتهم الدنيا إلى الشام.
قال الداودي: يحملون على قدر أعمالهم والاثنان على البعير أفضل من الثلاثة، والثلاثة أفضل من أكثر منهم. وقوله: تقيل معهم؛ حيث قالوا إلى آخره يدل أنهم يقيمون كذلك أيامًا. قال البيهقي: الراغبون يحتمل أن تكون إشارة إلى الأبرار، والراهبون : المخلطون الذين هم بين الخوف والرجاء، والذين تحشرهم النار هم الكفار، ويحتمل أن يكون هذا وقت الحشر إلى موقف الحساب.
ويحشر بقيتهم النار ، تقيل معهم حيثما قالوا: ويبدو أن هذا قبل قيام الساعة، وهو من آخر أشراطها والله -تعالى- أعلم كما ذكره مسلم عن أبي سَريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن تُرَحِّلُ الناس..».
قال الشيخ محمود عطية : إن هذا الحشر يكون بعدة طرق:
- راغبين وراهبين، وينطلقون رغبة ورهبة ، هربًا من الفتن.
- من ينطلقون عندما تشتد الفتن وتتوالى الآيات.
- من تحشرهم النار؛ لأنهم استمروا حيث هم، وضاقت سبل انتقالهم إلى المحشر».أ.هـ
وقيل : إنما ذلك في القيامة، وما ذكره القاضي أظهر؛ لما في الحديث نفسه من ذكر القائلة والمبيت والصباح ، وليس ذلك في الآخرة، وقال ابن الملك الرومي: قيل هذا الحشر إنما يكون قبل قيام الساعة أحياء إلى الشام بقرينة قيلولتهم وبيتوتهم؛ لأن هذه الأحوال إنما تكون في الدنيا.
قلنـا: فماذا تأمرنا يا رسول اللـه؟ أي في ذاك الزمان ماذا تأمرنا أن نفعل.
قال: عَليكُمْ بالشَّامِ: وهذا يدل على أن ذلك يكون قبل قيام الساعة؛ فكانت وصيته صلى الله عليه وسلم لهم :خذوا طريقها ، والزموا فريقها؛ فإنها سالمة من وصول النار الحسية، أو الحكمية إليها حينئذ لحفظ ملائكة الرحمة إياها, أي الزموا سكنى أرض الشام. وقيل: مطلقاً لكونها أرض المحشر والمنشر، وقيل: المراد آخر الزمان؛ لأن جيوش المسلمين تنزوي إليها عند اختلال أمر الدين، وغلبة الفساد».
من فوائد الحديث:
1- هذا الحديث من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ حيث أخبر بخروج نار من حضر موت آخر الزمان.
2- النبي صلى الله عليه وسلم يوصِي أهل الإيمان بما ينبغي أن يقوموا به حال خروج النار، باللجوء إلى الشام والاحتماء بها.
3- توافر أحاديث المصطفى المبينة بضرورة اللجوء إلى الشام فيه دلالة على أهميتها وخطورة ما سيكون من أمر آخر الزمان.
4- حضر موت واحدة من جهات عدة ستخرج منها نار تحشر الناس إلى الشام.
5- الحشر المذكور في هذا الحديث هو حشر الدنيا.
6- لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم أمته يتخبطون أمورهم من غير نصح أو توجيه بل دلهم على ما فيه صلاح أمورهم ونجاتهم.
لاتوجد تعليقات