الأربعون الفلسطينية (الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالثَّلاثُون) نُزُولُ الْخِلافَةِ فِي الأرْضِ الْمُقَدَّسَة آخِر الزَّمَانِ
كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الواحد والثلاثون:
عن عبد الله بنِ حَوالةَ الأزدي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «يَا ابْنَ حَوَالَةَ، إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتْ الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةِ، فَقَدْ دَنَتْ الزَّلَازِلُ، وَالْبَلَابِلُ، وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ، وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْ النَّاسِ مِنْ يَدَيَّ هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ».
مناسبة الحديث
عن ضمرة: أن ابن زُغب الإِيَادي حدثه قال: نزل عليَّ عبد اللَّه بن حوالة الأزدي فقال لي: بَعَثَنا رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - لِنَغنَم على أَقدَامنا، فرجعنا فلم نَغنَم شَيئًا، وَعَرَفَ الجُهدَ في وُجُوهنا فقام فينا فقال: «اللَّهُمَّ لا تَكِلهُم إِليَّ فَأَضْعُفَ عَنهُم، ولاَ تَكِلهُم إِلى أَنفُسِهِم فَيَعجِزُوا عَنهَا، وَلاَ تَكِلهُم إِلَى النَّاسِ فَيَستَأثِرُوا عَلَيهِم». ثم وضَع يَدَهُ على رأسي - أو قال: على هامَتي - ثم ذكر الحديث.
شرح الحديث
مازلنا نعيش مع الأرض المقدسة أحوالًا وألوانًا من الفضل والكرم الرباني لها من بداية التاريخ إلى نهايته، فها هي ذي الخلافة تعود إليها من جديد حتى تختم الدنيا بها وفيها.
قوله: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِنَغْنَمَ: أرسلنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لنأخُذَ الغنيمة.
قوله: عَلى أَقْدَامِنَا: ماشين على أقدامنا، وليس لنا مركب وهو حال من الضمير في بعثنا أي بَعَثنا لنأخذ الغنيمة رِجَالا غير ركاب.
قوله: فَرَجَعنَا فَلَمْ نَغنَم شَيئًا: فَرَجعنا سالمين مأمونين (فَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا) وصِرنا مغمومين محزونين لعدم حصولنا على الغنيمة.
قوله: وَعَرَفَ الْجَهْدَ: بالفتح، والضَّم، قال ابن الملك: الجهد بالضَّمِّ الطَّاقَةُ وبالفتح المشقَّةُ، والمرادُ به هنا المشقَّةُ، أَي: وعَرَفَ منا مشقة أَلَم فقد الْغنيمة.
فِي وُجُوهِنَا: فيما ظَهَر على وجوهنا من آثار الكَآبة والحُزن والخجالة والحياء.
فَقَامَ فينا: أَي: قام خطيبا لأجلنا أو فيما بيننا.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إليَّ: دعا لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: لا تكلهم،من الوُكُول أي: لا تَترُك أُمُورَهُم، من وكل إليه الأمر وكلًا ووكولًا سلمه، «إِليَّ»: أي: إلى أمري وخاصة نفسي.
قوله: فأضعف عنهم: أي عن مونتهمًا لأن الإِنسان خلق ضعيفا، وأنه بوصفه مخلوقاً عاجز عن نَفسه، فكيف به عن غيره؟ لذا ورد في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم -: اللَّهُمَّ لا تَكِلنِي إِلى نَفسِي طَرفَةَ عينٍ ولا أَقَلَّ من ذلِك، فإِنَّكَ إِن تَكلنِي إِلى نَفسِي تَكِلنِي إِلى ضَعفٍ وعَورَةٍ وذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ. وَقَالَ تعالى: {قُل لا أَملِكُ لِنفسِي ضَرًّا ولا نفعًا إِلَّا ما شاء اللَّهُ} (يونس: 49).
قوله: وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا: ثم في تأخير أنفسهم عن نفسه -صلى الله عليه وسلم - إِيماءٌ إِلى قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} (الأحزاب: 6)، أي عن مؤنة أنفسهم.
قوله: وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ: أَي: لا توكل أمورهم إِلى الخلق، وإِنما خصَّ الناس لقرب الاستئناس.
قوله: فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ: عَدَل عن قَولِه «فَيَعْجِزُوا»، إِلَى قَوله: فَيَستَأْثِرُوا ; إِشعارا منه -صلى الله عليه وسلم - أنهم لا يكتفون بإِظهار العجز فقط، بل يتبادرون إِلى اختيار الجيد لأنفسهم والرديء لغيرهم، قال الطيبي: المعنى لا تفوض أمورهم إليَّ فأضعف عن كفاية مؤونتهم، ولا تفوضهم إلى أنفسهم فيعجزوا عن أنفسهم لكثرة شهواتها وشرورها، ولا تفوّضهم إلى الناس فيختاروا أنفسهم على هؤلاء فيضيعوا،بل هم عبادك فافعل بهم ما يفعل السادة بالعبيد.
وهذا فيه تعليم من النبي -صلى الله عليه وسلم - لأمته أن يكلوا أمورهم إِلى الله تعالى، ويعتمدوا في جميع حوائجهم عليه; فمن توكَّل على اللَّه كفاه أمور دينه ودنياه، كما قال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق: 3).
قوله: ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي أو على هامتي: شك من الراوي. الهامة رأس كل شيء، وضع يده -صلى الله عليه وسلم - لحكمة لفت الانتبهاه ولتشبيه قرب دنو الساعة كقرب يد النبي من رأس ابن حواله، وفي وضع يد النبي حنوه وعطفه عليه ومع ما في يد النبي من بركة وتشريف له أن نال بركة وضع يد النبي على رأسه، ويَحتَمل أنه استمر في وضع يده الشريفة حتى فَرَغ من الكلام، ويحتمل أنه وضعها ثم رفعها.
قوله: يا ابن حوالة: اعتادت العرب أن تنسب الشخص إلى أبيه من غير ذكر اسم المخاطب كقول النبي: يا ابن حوالة، ولم يقل له يا عبدالله بن حوالة.
قوله: إذا رأيـتَ الخــلافَةَ: أي خلافة النبوة.
قوله: قَدْ نَزَلَتِ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ: أي: من المدينة إِلى أرض الشام، كما وقعت في إِمارة بني أمية.
كما سبق التعريف بالأرض المقدسة وحدودها عند الحديث الرابع عشر.
قوله: فقد دَنَتِ: أي قربت واقتربت من المدينة إلى أرض الشام كما وقعت في إمارة بني أمية.
قوله: الزلازل والْبلابِل: الزلازل هي الحركة، وهي في قوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} (الزلزلة: 1)، البلابل: جمع بلبال أو بَلبلَ، وهو هم القلب، وهو ما يؤدي إليه من الشدائد.و هي الهموم والأحزان. وبَلْبلَة الصَّدر: وُسْواسه. قوله: وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ: أَي: من أَشراطِ السَّاعة.
قوله: وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنَ النَّاسِ مِنْ يَدِي هَذِهِ من رأَسِكَ: أي: يدي الموضوعة على رأسك.
والحديث فيه دلالة أن الشام هي المقر الآمن لأهل الإيمان آخر الزمان وأنها خير مأوى لهم لكثرة ما يقع في غيرها من البلدان من فتن وأحداث، وقد أشار إلى ذلك صاحب كتاب المحاسن الشامية: يدل على كثرة الزلازل وكثرة الحوادث الأرضية من المهالك في أطراف الأرض، وكثرة الحتوف اللازم كثرته لخراب الأرض، وتكون الشام خالية من ذلك، فيكثر رحيل الناس إليها ليأمنوا؛ لأن الساعة يتقدمها أهوال.
وكفى بها من محاسن أن أوّل ما ينزل عليه السلام إلى الأرض يكون إلى دمشق.
من فوائد الحديث:
1- الرسول -صلى الله عليه وسلم - يبشر المسلمين بنزول الخلافة الأرض المقدسة، مع أنها كانت في زمانه تحت سلطان الرومان الصليبيين.
2-في الحديث بث الأمل واليقين في نفوس مسلمي اليوم بأن فلسطين التي يحتلها اليهود منذ عقود من الزمن، ستعود إلى حياض الإسلام والمسلمين بل ستكون مقرًا للخلافة في آخر الزمان.
3- الرسول -صلى الله عليه وسلم - عرف الجهد عليهم من غير شكوى منهم وهذا من نباهة النبي -صلى الله عليه وسلم - وعظيم مشاعره الفياضة.
4- القائد الفذ يبادر برفع المعنويات والتذكير بالمبشرات عند الحاجة لذلك.
5- في الحديث بيان أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة.
6- فيه ذم الحرص على الدنيا.
7- الحديث من دلائل نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم - أن يخبر بنزول الخلافة الأرض المقدسة فلسطين، وأنها من أمارات آخر الزمان وأشراط الساعة الكبرى.
لاتوجد تعليقات