رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: جهاد العايش 5 يناير، 2017 0 تعليق

الأربعون الفلسطينية (الْحَدِيثُ التَّاسِعُ والْعِشْرُون) إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلا خَيْرَ فِيكُـم

أدرك الأعداء أن الشام ميزان الأمة فعملوا ليلًا و نهارًا سرًا و جهارًا على تمزيق هذا الجسد وتفكيك مفاصله، لكنهم غفلوا أن الطائفة المنصورة لهم بالمرصاد

الطائفة المنصورة ماضية في الحق الذي تدعو إليه وتدافع عنه، في ظل خذلان أبناء جلدتها، ومع خذلان الناس لهم إلا أن الله ناصرهم لا محالة على عدوهم

 

كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب» الأحاديث الأربعون الفلسطينية « قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث التاسع والعشرون:

     عن قُرَّة بن إياس المزني - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إِذا فَسَدَ أَهلُ الشَّام فلا خَيْرَ فيكم، لا تَزالُ طائِفةٌ مِنْ أُمَّتي منصورين (وفي رواية: منصورة على الناس)، (وفي رواية: ظَاهِرِينَ)، (وفي رواية: ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ)، (وفي رواية: قَوَّامَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ)، (وفي رواية: يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، لا يَضُرُّهُم مَنْ خَذَلَهُم، (وفي رواية: لَا يَضُرُّهُمْ خِذْلَانُ مَنْ خَذَلَهُمْ)، (وفي رواية: لَا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَهَا)، حَتَّى تقومَ الساعةُ، (حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ)، (وفي رواية: حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ)».

شرح الحديث

أدرك الأعداء أن الشام ميزان الأمة وقلبها النابض ودرعها الحصين، وأن الفساد إذا عم الشام وانتشر في سائر الأوطان، فعملوا ليلًا و نهارًا سرًا و جهارًا على تمزيق هذا الجسد وتفكيك مفاصله، لكنهم غفلوا أن الطائفة المنصورة لهم بالمرصاد.

قوله: إِذا فَسَدَ أَهلُ الشَّام: الخطاب هنا لأهل ذلك الوقت، بمعنى كثرة الفتن بينهم حينئذٍ، ومن معاني الفساد هنا هو الخروج عن طاعة الإمام.

 وفيه إشارة إلى زمان علي ومعاوية رضي الله عنهما، ويحتمل أن المراد: فسادهم بكثرة المعاصي والطغيان وترك الجهاد.

 قوله: فلا خَيْرَ فيكم: إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم أي للقعود فيها أو التوجه إليها.

وخطابه - صلى الله عليه وسلم - للناس عموماً، لا لأهل ذلك الوقت الذين كان بعضهم حاضرين عنده - صلى الله عليه وسلم - « ومعنى ذلك نفي الخير عن أهل الإسلام عند وجود الفساد في أهل الشام.

أصل أهل الشام:

     جاء في الأثر أن أصل أهل الشام من ولد سبأ، وذلك ما رواه ابن عباس قال: إنَّ رجلًا سأل رسول الله عن سبأ ما هو؟ أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال: «بل هو رجل ولد عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير عربًا كلها، وأما الشامية فلخم وجذام وعاملة وغسان».

قوله: لا تَزالُ طائِفة: والجملة تفيد الاستمرارية «لا تَزالُ طائِفة» أي إن الجهاد ماض ومستمرٌ لا ينقطع أبدًا.

 وهي بشارة بأن الحق لا يزول بالكلية فيما بينهم والأمة بعامة، كما زال فيما مضى بل لا تزال عليه طائفة، ومع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم مع شرط التوحيد فيهم.

الطائفة الجماعة من النّاس والتنكير للتّقليل أو التعظيم لعظم قدرهم ووفور فضلهم، ويحتمل التّكثير أيضا فإِنّهم وإِن قلّوا فهم الكثيرون؛ فإن الواحد لا يُساويه الألف بل هم النّاس كلّهم.

     وطائفة الشيء بعضه من الناس أو المال. والطائفة في الأصل هي: القطعة من الشيء. يقال: طائفة من كذا؛ أي: قطعة منه. وهي من الناس: الجماعة. قال مجاهد: هم من الواحد إلى الألف. وكذلك قال النخعي. وقال عطاء: أقله رجلان فصاعدًا. وقال الزهري: ثلاثة فصاعدًا. والطائفة هي الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة، وكأنها الجماعة الحافة حول الشيء، أقلها ثلاثة أو أربعة.

ويرى ابن بطال في شرحه أن الطائفة التي على الحق مقيمة إلى قيام الساعة أنها بيت المقدس دون سائر البقاع.

     قال البخاري: هم أهل العلم أي المجتهدون؛ فلا يخلو الزمان من مجتهد حتى تأتي أشراط الساعة الكبرى. والطائفة تطلق لُغَة على الواحد فصاعدًا، وقال علي بن المديني -رحمه الله-: هم أصحاب الحديث. وقال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فما أدري من هم؟ قال عياض: وأراد أحمد بأهل الحديث أهلَ السنة والجماعة ومن يعتقد مذهبهم، قال مطرف: وكانوا يرون أنهم أهل الشام.

     وفيها خصوص بعض الناس دون بعض، قال النووي: «ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدّثون، ومنهم زُهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أَنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرّقين في أقطار الأرض، وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة فإِن هذا الوصف ما زال -بحمد اللَّهِ تعالى- من زمن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - إِلى الآن ولا يزال حتى يأتي أمر اللَّه».

قوله: مِنْ أُمَّتي: أي أمة الإجابة وهي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.

قوله: منصورين: أي بالحجج والبراهين أو بالسيوف والأَسنَّةِ؛ فعلى الأول هم أهل العلم وعلى الثاني الغزاة، فإِنهم منصورون باللَّه؛ لما فيهم من الخير، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (النحل: 128).

     وفي رواية: (على الحق): أي على تحصيله وإظهاره(ظاهرين): غالبين منصورين (على من ناوأهم): أي على من عاداهم وفي (شرح مسلم): هو بهمزة بعد الواو وهو مأخوذ من ناء إليهم ونأوا إليه أي نهضوا للقتال وفي (النهاية): النواء والمناواة المعاداة، أَي: غالبين على أعدائهم; قال تعالى: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} (المائدة: 56).

قوله: لا يَضُرُّهُم: الضَّر: ضد النفع، أي فلا يضرهم عدم نصر الآخرين لهم، حتى لا تخلوا الأرض من قائم لله بالحجَّة. أي لم يُعاونهم ولم ينصرهم من الخلق.

قوله: مَنْ خَذَلَهُم: خذله: ترك عونه ونصرته وإغاثته ويقال: تُرك وحده، وبسبب ثباتهم على دينهم وتحاملهم على أنفسهم خذلان الناس لهم.

قوله: حَتَّى تقومَ الساعةُ: أَي: إِلى قُرب قيام السَّاعةِ، وفي رواية: (حتى يقاتل آخرهم): أي المهدي وعيسى -عليه السلام- وأتباعهما.

فدل هذا الخبر أن الساعة تقوم أيضًا على قوم فضلاء، وأنهم فى صبرهم على دينهم كالقابض على الجمر. نسأل الله لنا ولهم الثبات حتى الممات.

من فوائد الحديث:

1- أهل الشام معيار الأمة بصلاحهم أو فسادهم.

2- إن فلاح الأمة ونجاحها مرهون بصلاح أهل الشام واستقامتهم أولًا.

3- الطائفة المنصورة ماضية في الحق الذي تدعو إليه وتدافع عنه، في ظل خذلان أبناء جلدتها، ومع خذلان الناس لهم إلا أن الله ناصرهم لا محالة على عدوهم.

4- فيه دليل لكون الإجماع حجة، وهو أصح ما يستدل به.

5- في الحديث أن أمة محمد هي آخر الأمم وأن منها من يقوم بأمر الله حتى قيام الساعة.

6- وفيه ضَمِنَ نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بقاء شريعته وإن ضيَّعها بعضهم أو قل عدد ناصريها أحيانًا.

7- في الحديث بشارة للمؤمنين، أن الحق لا يضيع، وأن ناصريه قائمون به إلى قيام الساعة.

8- وفيه دلالة على العموم والشمول في قوله - صلى الله عليه وسلم -(من خذلهم) وأن من خذلهم كثير كما نراه اليوم.

9- وفي الحديث أيضًا بشارة وتخفيف على أهل الشام؛ فكثرة المتخاذلين عنهم لاتضرهم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك