الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ السادس عَشْر (4) تناقضات يهودية حول أسطورة بناء الهيكل
توراة اليهود وكتبهم المقدسة لم تحدد مكان الهيكل الحقيقي وماجاء فيها هو وصف لبناء ومحتوياته فقط
من تناقضات اليهود في بناء الهيكل أنه يقع غرب نهر الأردن في أرض الكنعانيين وهذه ترهات لأن القدس لم تكن يوماً للكنعانيين
كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى[ التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم نستكمل شرح الحديث السادس عشر:
تناقضات يهودية حول أسطورة بناء الهيكل
وإليك -عزيزي القارئ- جملة من تناقضات اليهود في بناء الهيكل الأول لتتهاوى عندها هذه الدعوى الكاذبة، منها:
1- إنّ توراة اليهود وكتبهم المقدسة لم تحدد بعد المكان الحقيقي للهيكل، وأَنّ ما جاء عن الهيكل في التوراة وصف لبنائه ومحتوياته، ومع الاختلاف في الوصف! لم يأت ذكر لمكان هذا البناء، سوى هرطقات حاخامية يروج لها على أساس أنها مسلمات دينية يهودية.
2- ومن غريب أوصاف الهيكل التي وردت إلينا في كتاب اليهود التوراة، هو تقريبًا (بطول 32م – وعرض 11م – وارتفاع 167م). فإنّ حجم هذا الهيكل يُعَدُّ صغيرًا بالنسبة لما ذكره اليهود من عدد الذين استعملوا لهذا المشروع:
30.000 عامل لقطع الأخشاب، 80.000 حجار، 3.300 رؤساء تشغيل، 70.000حمال، 550 بناؤون من صور، وهل يعقل أن حجم هذا البناء يستحق هذا العدد الكبير من العمال؟!
3- ولا بد أن أشير إلى ملاحظة مهمة لاتجاه هيكلهم الذي أخذ أبعاده من جهة الغرب إلى الشرق نحو الشمس وهو غالبا اتجاهات المعابد الوثنية القديمة في بابل ومصر وغيرها!.
4- ومن أعاجيب تناقضاتهم في بناء الهيكل ماجاء في (سفر التثنِيَة)، واصفاً مكان الهيكل الذي يتغنى به اليهود مؤكدين أنه كان هناك معبدًا وأن المعبد تتوفر فيه الشروط الآتية: «أن يقع غرب (نهر الأردن) في أرض الكنعانيين الساكنين في العربة مقابل الجلجال بجانب بلوطة مورة».
وللرد على هذه الترهات لابد أن يعلم أن القدس لم تكن للكنعانيينَ، بل كانت لليبوسيين، وأنّ الأماكن الموصوفة لم تكن في القدس بل هي قريب بما يعرف اليوم بمدينة (نابلس).
5- وعلى رواية بعض اليهود وكما جاء في التلمود أنّ داود قد عرف مكان الهيكل في صباه، وأن الهيكل سيبنى على جبل موريا.
وفي موضع آخر يتحدث اليهود أنّ داود ذهب إلى عين حطام التي كانت تقع جنوب بيت لحم وهناك حفر، أساسات البناء؛ فخرجت المياه من هذه العين، حينها فهم داود أن هذا المكان ليس هو مكان الهيكل! وهل هم بهذا يؤكدون فقدان التوراة، وأنها لم تكن بين يدي داود؟ وهل هم في القرن العشرين علموا مالم يعلمه داود -عليه السلام- أم هو مزيد في اتهام هذا النبي الكريم المفترى عليه عندهم؟!
6- يقولون إِنَّ المذبح أساس في الهيكل، والهيكل في القدس وقد جاء في التوراة: «حينئذ بنى يشوع مذبحاً للرب إِله إسرائيل في جبل (عيبال) كما موسى عبد الرب، بني إسرائيل...».
أقول: إِنْ كان البناء الأول للمذبح وهو أساس أعمال الكهنة كما يقولون وهو أهم محتويات الهيكل كان على جبل عيبال وهو أحد أهم جبال نابلس وليس في القدس، وكذلك لم يكن في يوم من الأيام مكان في القدس يدعى بهذا الاسم!
أمّا الخلاف الجذري بين عموم اليهود والطائفة السامرية كما نقل د. محمود مصالحة في كتابه في لقائه مع الكاهن السامري عبد المعين صدقة من يهود السامرة في نابلس.
يقول عبد المعين: «في ديننا لا يوجد هيكل، وإنما توجد خيمـة الاجتمـاع أو (المشكان) التي كانت مكونة من الخشب والجلود والذهب، بناها سيدنا موسى عندما كان اليهود في الصحراء، وخيمة الاجتماع بنيت لكي يكلم الله من داخلها سيدنا موسى -عليه السلام- وعندما عبر بنو إسرائيل نهر الأردن توجهوا إلى (شكيم) نابلس إلى جبل جرزيم؛ حيث وضعت خيمة الاجتماع هنا على جبل جرزيم وليس في القدس، وهذا دليل قاطع على أن القدس ليست مقدسة عندنا» انتهى من كلام صدقة.
وفي موضع آخر من المقابلة في الكتاب نفسه قال: «أكرر وأقول: نحن لا نؤمن بالقدس، لا يوجد قدس في التوراة، لم يرد للقدس ذكر في الخمسة أسفار، وهي: (التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، تثنية الاشتراع).
أقول: ردّاً على ما قاله الكاهن عبد المعين صدقة هداه الله، لا بد من الإشارة إلى قضية مهمة وهي قد درجت عليها في هذا الكتاب وأؤكدّها هنا، أن ما ذكره عبدالمعين مجانب للصواب ولا يفرحنا كثيرًا لأسباب عدة:
- لأنه كما هو معلوم، أن بقعة المسجد الأقصى هي بقعة مقدسة قبل دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة (فلسطين).
- ولا يعني هذا أن بني إسرائيل لم يدخلوا المسجد الأقصى، بل إن الأحاديث النبوية والروايات التاريخية فضلا عن التوراة مع ما فيها من تحريف، كل هذه المصادر أثبتت دخول الفئة المؤمنة من بني إسرائيل المسجد الأقصى وتعاقب عليهم ثلة من الأنبياء وعظوهم فيه، جاء ذكر بعضهم في أحاديث هذا الكتاب.
- وإنْ صَحَّ مجازاً أنهم حطوا رحلهم ونصبوا خيمة الاجتماع على جبل جرزيم في نابلس، فإن ذلك يعني أنهم حطوها ونصبوها في أماكن كثيرة مروراً بطريقهم إلى الأرض المقدسة، وفي صحراء سيناء حال التيه وخلال أربعين سنة نصبوها مرات ومرات؛ وهذا لا يعني أَنَّهُ كلما نصبوها في مكان، نزلت عليها القدسية المخصصة لهذا المكان كما هو اعتقاد يهود السامرة، وهل كلما نصبوها أو وضعوها في مكان حلّت القدسية عليه، وأصبح مكاناً مقدساً أو له خصوصية دينية يهودية؟ وماذا لو ادّعت كل طائفة من طوائف اليهود المتنوعة والكثيرة بمكان ثالث وطائفة أخرى بمكان رابع؛ وهكذا فلا يبقى مكان سهل أو جبل في فلسطين أو سيناء إلا وادعوا أنهم أصحاب الحق الشرعي فيه؟ وفي النهاية وبهذه الطريقة سيصلون إلى تهويد فلسطين وغيرها من أماكن!
ما بين الدمارين للمسجد الأقصى:-
ظل بنو إسرائيل في الأسر، وبيت المقدس في خراب تام، من خراب نبوخذ نصر عام (586) ق.م، إلى بداية شروع هيرودوس في بناء البزيليكا أو ما يسميه اليهود بهيكل سليمان الثاني، أي ما يزيد عن 600 سنة تقريبًا.
وأما ما يسمى بالهيكل الثاني فهي من تاريخ 516ق.م تبدأ بعد عودة اليهود من سبي بابل، وتنتهي بتدمير تيتوس لمدينة القدس وخراب مسجدها عام 70م.
اليهود في الأَسْرِ البابلي ودعوى أن الرب يأمر ببناء الهيكل، ثم رجوع اليهود من سبي بابل، وفي عام (515 ق.م) وبعد سبعين عاماً تقريبًا، من خراب بيت المقدس ومسجدها وسبي اليهود إلى بابل على مراحل.
استولى كورش الأخميني الفارسي على خرسان وأرمينية والشام وفلسطين وغزا بلاد الهند وقتل ملكها، واستولى على بابل في العراق، وأزال مملكة الكلدانيين، وأذن لليهود بالرجوع إلى بيت المقدس وعمارة مسجدها، وأطلق لهم المال لعمارته شكراً لجهود اليهود لمعاونته في الظفر على الكلدانيين.
وكان كورش كل عام يطلق لهم الحنطة والزيت والبقر والغنم والخمر وما يحتاجون إليه في خدمة البيت، وجرى على ذلك بعض ملوك الفرس.
وقيل إنَّ سبب هذا التعاطف بسبب زواجه من أخت (زروبابل) ابن شلاثيل، حتى دخلت قلبه ومال إليها، فطلبت منه إعادة بني إسرائيل إلى أورشليم، وقيل كذلك؛ لأنه تربى في كنف (استير) اليهودية التي كانت في حوزة أبيه.
فجمعهم (كورش) وخيرهم بين البقاء أو الرحيل إلى أورشليم، فاختار خمسون ألفًا من الرجال غير النساء والأولاد الرحيل إلى (أورشليم)، وكان من بينهم ملكهم ( زروبا بل)وكاهنهم (يشوع).
فمضى بنو إسرائيل راجعين إلى بيت المقدس كأمة وليس كدولة، ومضى معهم كاهنهم الأكبر (عزرا) ويسميه العرب (عزير) وبعد سنتين من رجوعهم جدد لهم (عزرا) التوراة، ثم بنوا مذبحاً للرب؛ وذلك قبل تأسيس الهيكل، جاء في سفر عزرا الثاني: (ولما كان الشهر السابع –بعد العودة- اجتمع الشعب كرجل واحد، وبنوا مذبحاً للرب.. وذلك قبل تأسيس هيكل الرب).
هيكل (زرو بابل)، هيكل بين هيكلين!:
باشر (زروبابل) وجماعة إسرائيل في تشييد هيكل متواضع بديلًا عن البناء الذي هدمه (بختنصر) من الفترة (520 – 515 ق.م تقريباً) استغرق بناؤه أربعة أعوام تقريباً كما يزعمون.
وباشر (عزرا) في بناء مذبح للقرابين في العراء مكان أطلال الهيكل، وصف ابن حزم الأندلسي حال مذبحهم لما فرطوا في دينهم فقال: «وبعد رجوعهم إلى بيت المقدس مع عزرا، قربوا الخنازير على مذبح البيت، وبعدها انقطعت القرابين عن المذبح»، وكما جاء في المصادر اليهودية أن الرب أمر (عزرا) في بناء هذا الهيكل.
أسطورة هيكل سليمان الثاني كما يسميه اليهود:
يشار بهذا الاسم إلى البناء الذي قام به (هيرودوس). عوضًا عن الهيكل الذي هدمه (نبوخذنصر) لذلك لما قرر (هيرودوس) بناء- البزليكا - وقيل إِنه هيكل لليهود كان بمثابة مجاملة لهم، يستجلب به رضاهم، ويكف أذاهم؛ لذا هدم الهيكل القديم، وشرع في بناء البزليكا.
فأخذ هذا البناء بلب عقولهم، وكان ذلك عام (20-19 ق.م) لكن الموت عاجل (هيرودوس)، واستمر البناء حتى عهد (أجريبا الثاني) (64م) إلى أن هدمه (تيطس) سنة (70)م، ومع هذا يرى اليهود أن ما بناه (هيرودوس) يعود الفضل في بنائه إلى جمهور اليهود العائدين من بابل!
لماذا بنى هيرودوس هيكلاً لليهود؟!
المتفق عليه ومن غير جدال أن (هيرودوس) ليس يهوديًا بل هو أدومي النسب عسقلاني المولد وأمه من أنباط العرب، عينه (أغسطس) قيصر الرومان على القدس وما فيها من يهود، وهي النصف الجنوبي من فلسطين، ولم يعرف عنه أنه دان باليهودية، ويبقى السؤال مطروحًا، لماذا بنى (هيرودوس) هيكلاً لليهود؟! فإليكم الجواب في نقاط:
1- الرومان أُمَّةٌ وثنية، شُغفت بهوس نحت الأصنام وتقديسها، وتشييد المباني الصخرية الضخمة والمدرجات في الساحات العامة، حتى ملؤوا بها البلاد التي حكموها، وها هي ذي آثارهم شاهدة على ذلك في كثير من بلادنا الإسلامية، وإلى حد كبير كان مراد (هيرودوس) من بناء البزليكا على الطراز الروماني بمساحة أكبر وشكل مهيب، ليضفي على مملكته روعة الأبنية ذات المؤسسات المتنوعة الراقية.
2- وبالاستقراء نرى أن من أسباب بناء الهيكل، محاولة استرضاء اليهود ودفع بلائهم وشرورهم ومكائدهم المستمرة على الإمبراطورية الرومانية، عله بهذا يكسب ودهم ويدفع شرهم.
3- ولتثبيت حكم وسيطرة الإمبراطورية الرومانية الوثنية على أورشليم، من خلال إقناع اليهود بأن الإمبراطورية الرومانية من أنفع الإمبراطوريات التي يمكن لليهود أن يعيشوا تحت ظلها بسلام، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأمم الوثنية قديمًا وحديثًا لا يعنيها عبادة الأمم الأخرى، ولا تحرص أو تتبنى دعوة الآخرين إلى وثنيتها.
لاتوجد تعليقات