رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: جهاد العايش 23 مايو، 2016 0 تعليق

الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ الخامس عَشْر- حَبْسُ الشَّمْسِ عَنْ يُوشَع بِن نُون عليه السلام حَتَّى يُدْرِكَ دُخُولَ بَيْتِ الْمَقْدِس

لمَّا قُتِلَ عَلِيُّ بن أَبي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال الْحَسَنُ: «قَدْ قَتَلتُم وَاللَّهِ اللَّيلةَ رَجُلًا فِي اللَّيلةِ الَّتي أُنزِلَ فِيهَا القُرآنُ، وَفيها رُفع عيسى ابْنُ مَريَمَ، وَفِيهَا قُتِلَ يُوشَعُ بنُ نُونٍ فَتى مُوسى».

 

كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية)، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها, صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن  كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا؛ فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم, فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الخامس عشر:

     عـن أبـي هـريـرة رضي الله عنه قـال: «قـال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : «مَا حُبِسَتِ الشَّمْسُ عَلَى بَشَرٍ قَطُّ» وفي رواية عن أبي هريرة: «إن الشمس لم تحبس»، إِلا عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونَ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ»، وفي رواية عن أبي هريرة: «فَغَزَا فَدَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا. فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِم».

شرح الحديث:

     أوصى موسى من بعده لفتاه يوشع بن نون بخلافة بني إسرائيل لما كانوا في التيه، وهو ما جاء بحقه في قوله تباركَ وَتعالى:{إِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} (الكهف:60). فكانت قيادته لهم بمثابة عصر وعهد جديدين لبني إسرائيل؛ فخرج بهم من سيناء متوجهًا إلى الأرض المقدسة فكانت الانتصارات والفتوحات على يديه فيها، حتى أكرمه الله بأن حبس له الشمس لما أوشكت على الغروب، وقد كان بينه وبين الفتح ساعات قليلة؛ فأمرها يوشع ألا تغرُب حتى يفتح المدينة، وبقدر الله كان له ما طلب؛ فكانت معجزة أجراها الله ليوشع بن نون -عليه السلام- تكرمة له.

مَا حُبِست الشمسُ عَـلَـى بَـشَـرٍ قط: قيل في هذا الحبس: إنها رجعت على أدراجها، وقيل: وقفت فلم ترد، وقيل: هو بطء حركتها. والمعتمد أنها لم تحبس إلا ليوشع، على هذا الوجه، على ما مضى من الأنبياء قبل نبينا.

وسبب حبسها أنه قاتل الجبارين يوم الجمعة فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم، ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فدعا الله فرد له الشمس.

غير أن القاضي عياض أجمل الأقوال في كيفية حبس الشمس فقال: «اختلف في حبس الشمس هنا، فقيل: ردت على أدراجها. وقيل وقفت. وقيل: بَطُؤت حركتها، وكل ذلك محتمل، والثالث أرجح عند ابن بطال وغيره.

الحكمة من حبس الشمس ليوشع بن نون عليه السلام:

     وللقرطبي توجيه لطيف في الحكمة من حبس الشمس؛ حيث قال: قال علماؤنا: والحكمة في حبس الشمس على يوشع عند قتاله أهل أريحاء وإشرافه على فتحها عشي يوم الجمعة، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح: أنه لو لم تحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السبت؛ ويعلم به عدوهم فيعمل فيهم السيف ويجتاحهم، فكان ذلك آية له خُصَّ بها، بعد أن كانت نبوته ثابتة بخبر موسى على ما يقال.

     قال الألباني: وأيهما كان الأرجح، فالمتبادر من الحبس أن الغرض منه أن يتمكن النبي يوشع وقومه من صلاة العصر قبل غروب الشمس، وليس هذا هو المراد، بل الغرض أن يتمكن من الفتح قبل اللَّيل؛ لأن الفتح كان يوم الجمعة، فإذا دخل اللَّيل، دخل يوم السبت الذي حرّم الله عليه العمل فيه، وهذا إذا صح ما ذكره ابن كثير عن أهل الكتاب: «وذكروا أنه انتهى من محاصرته لها يوم الجمعة بعد العصر، فلما غَرَبت الشمس أو كادت تغرب ويدخل عليهم يوم السبت الذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك الزمان... والله أعلم».

هل حبست الشمس لغير يوشع بن نون -عليه السلام-:

أجاب عن هذا السؤال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- بعد أن أجمل الأقوال وحررها فقال:

1- ما ذكره ابن إسحق في (المبتدأ) من طريق يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه أن الشمس حبست لموسى لما حمل تابوت يوسف.

وقال -أي الألباني-: هذا موقوف، والظاهر أنه من الإسرائيليات، وقصة نقل موسى لعظام يوسف -عليه السلام- من قبره في مصر في (المستدرك) (2/571-572) بسند صحيح عنه صلى الله عليه وسلم ، وليس فيها ذكر لحبس الشمس.

ب – أنها حبست لداود -عليه السلام-.

     أخرجه الخطيب في (ذم النجوم) له من طريق أبي حذيفة وابن إسحق في (المبتدأ) بإسناد له عن عليّ موقوفًا مطولاً. قال الحافظ: «وإسناده ضعيف جدًا، وحديث أبي هريرة المشار إليه عند أحمد أولى، فإن رجال إسناده محتج بهم في الصحيح، فالمعتمد أنها لم تحبس إلا ليوشع».

جـ – أنها حبست لسليمان بن داود -عليهما السلام- في قصة عرض الخيل، وقوله الذي حكاه الله عنه في القرآن: (ردوها علي) ص: 23، رواه الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس.

قال الحافظ: «وهذا لا يثبت عن ابن عباس ولا عن غيره، والثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من الصحابة ومن بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله تعالى: {ردوها علي} للخيل. والله أعلم.

د- ما حكاه عياض أن الشمس ردت للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق لما شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فردها الله عليه حتى صلى العصر.

قال الحافظ: «كذا قال! وعزاه للطحاوي، والذي رأيته في (مشكل الآثار) للطحاوي ما قدمت ذكره من حديث أسماء»، وقصة انشغالهصلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر في (الصحيحين) وغيرهما، وليس فيها ذكر لرد الشمس عليه صلى الله عليه وسلم . انظر: (نصب الراية) (2/164).

ه – ومن هذا القبيل ما ذكره يونس بن بكير في زياداته في (مغازي ابن إسحق) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر قريشًا صبيحة الإسراء أنه رأى العير التي لهم وأنها تقدم مع شروق الشمس فدعا الله، فحبست الشمس حتى دخلت العير.

... قال الألباني: وقفت والحمد لله على إسناد الحديث، فتبين أنه ليس بحسن، بل هو ضعيف أو موضوع؛ ولذلك أودعته في (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) رقم: 972.

و – ما رواه الطحاوي وغيره من حديث أسماء بنت عميس أن الشمس ردت بعد غروبها لعليّ رضي الله عنه حتى صلى صلاة العصر، وكان قد فاتته بسبب نوم النبي صلى الله عليه وسلم على فخذه. قال الألباني: وهذه القصة لا تثبت، وهي عند الطحاوي من طريقين عن أسماء، فيهما ضعف وجهالة... كما بينته في السلسلة المشار إليها رقم: 976.  إِلاَّ على يُـوشـَـعَ بن نون: هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب، وتوفي وعمره مائة وعشرون سنة. فتى موسى -عليهما السلام- خلفه في بني إسرائيل وفتح بيت المقدس بعد أن هزم العماليق. وقيل إنه مات قتلًا كما جاء في الأثر أنه لمَّا قُتِلَ عَلِيُّ بن أَبي طَالِبٍرضي الله عنه قَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَطِيبًا، فَقَالَ: «قَدْ قَتَلتُم وَاللَّهِ اللَّيلةَ رَجُلًا فِي اللَّيلةِ الَّتي أُنزِلَ فِيهَا القُرآنُ، وَفيها رُفع عيسى ابْنُ مَريَمَ، وَفِيهَا قُتِلَ يُوشَعُ بنُ نُونٍ فَتى مُوسى».

     لَيـالـِيَ سَـارَ إِلَـى بَـيـْـتِ الْمَقْدِسِ: قال ابن حزم الأندلسي: دخل بنو إسرائيل الأردن وفلسطين والغور مع يوشع بن نون مدبِّر أمرهم إثر موت موسى -عليهما السلام- ومع يوشع العازار بن هارون -عليه السلام- صاحب السرادق بما فيه، وعنده التوراة لا عند أحد غيره بإقرارهم، فدبر يوشع -عليه السلام- أمرهم في استقامة وألزمهم للدين إحدى وثلاثين سنة مذ مات موسى إلى أن مات يوشع -عليهما السلام-.

من فوائد الحديث:

1- في الحديث أن الشمس لم تحبس لأحد إلا ليوشع -عليه السلام- وهي معجزة خُصَّت به دون غيره من الأنبياء.

2- وفيه دليل على أن الذي فتح بيت المقدس بعد سِنِيِّ التِّيه في سيناء، هو يوشع بن نون -عليه السلام-.

3- كما أن الشمس حبست ليوشع تكرمة له، فقد حبست لبيت المقدس تكرمة لها.

4- وفي الحديث إشارة لتكرمة الله لجند يوشع على صدق إيمانهم وحسن متابعتهم لنبي الله يوشع. 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك