الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ الثَّانِي عَشْر- النَّبِيُّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يَدْعُو نَصَارَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِلإسْلإمِ
(إِيلياءَ ) اسم من أسماء بيت المقدس وجاء في مواضع عدة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم
كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها ، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين ، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها , صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا، فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم, فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الثاني عشر:
عَنْابْنَ عَبَّاس ٍرضي الله عنهماأَنَّأَبَا سُفْيَانَ رضي الله عنه أَخْبَرَهُ: «أنَّ هرَقْل َأَرسلَ إليه وهم بإِيلياءَ، ثُمَّ دعا بكتَابِ رسُول صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا فرغ من ْقرَاءة الكتَاب كثُرَ عندَهُ الصَّخَبُ فارتَفعَت الأصوَات، وَأُخْرِجنَا فقُلتُ لأصحابِي حين أخرِجنَا: لقدأَمِرَأَمْرُابن أَبِي كبْشةَ إنَّهُ يخافهُ ملكُ بني الأَصْفَرِ».
شرح الحديث
قادت الانتصارات التي حققها الامبراطور هرقل إلى عودة البيزنطيين مرة أخرى إلى مدينة القدس، وفي 21 مارس عام 360 ميلادية، حقق الامبراطور انتصارًا كبيرًا ودخل القدس. وشجع على القتل العشوائي لليهود، وأمر في نهاية المطاف بطردهم من المدينة. ولقيت القدس البيزنطية نهايتها بعد عقد من الزمن.
وحديث الباب يحكي لنا لقاء تاريخيًا بين رأسين في الكفر موضوعهم هو (محمد بن عبدالله عليه أفضل التسليم)، سجلت لنا السنة هذا الحوار بشيء من التفصيل وتناولته كتب التواريخ؛ فكانت قصة حرَيةً بالاهتمام والدراسة.
وقد بوَّب البخاري هذا الحديث في مواضع عدة وتبويبات عدة، باب: ( دُعَاءِ النَّبِيِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ إِلَى الإِسلَام وَالنُّبُوَّةِ) وباب: (قُل يَا أَهل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ)، وباب: (فَضلِ الوفَاءِ بِالعهدِ)، وباب: (تَرْجَمَةِ الحُكَّامِ، وهل يَجُوزُ تَرجُمَانٌ واحدٌ ؟ )، و باب: (من أَمَرَ بِإِنجَازِ الوَعدِ)، وباب قوله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} (التوبة:52)، والحرب سجال ، و باب: (هَلْ يُرشِدُ الْمُسلِم أهل الْكِتابِ، أَو يُعَلِّمهُم الْكِتاب). وباب (ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها بالعربية وغيرها ). وباب (كيف يكتب إلى أهل الكتاب) وباب: (قول النبي صلى الله عليه وسلم : نصرت بالرعب مسيرة شهر) ، وغير ذلك من تبويبات .
قوله :حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ : من فمه إلى فمي إشارة لإصغائه بحيث يتمكن من الجواب .
قَالَ أبو سفيان : انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : والمدة هنا تعني صلح الحديبية التي كانت سنة ست للهجرة مدة عشر سنوات.
- قوله: قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ:وجاء في رواية متن حديث الأربعين الفلسطينية أن هرقل كان في إيلياء « أنَّهرَقْلَأَرسل َإليه وهم بإِيلياءَ » وهو اسم من أسماء بيت المقدس وجاء في مواضع أخرى من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم منها ما سيمر معنا في هذا الكتاب، أن النبي ذكرها حكاية وليس إقرارًا لها؛ لأن أصل التسمية روماني وثني حادث على المدينة المقدسة، بل وجاء في بعض الآثار النهي عن تسمية المدينة بهذا الاسم، فعن ثور بن يزيد، قال: بلغني أن كعبًا مرّ بابن أخيه ورجل معه فسألهما : «أين تريدان؟» قال: «نريد إيلياء» قال: كعب: «مه! لا تقولا إيلياء ، ولكن قولا: بيت الله المقدَّسُ، وصفوته من بلاده.
وكان أول ما أطلق هذا الاسم على المدينة المقدسة، لما أعلن اليهود تمردهم عام (130م – 136م) بقيادة أحد زعمائهم يدعى(بركوكبا) على الإمبراطورية الرومانية، في ثورة مسلحة انتصر فيها اليهود كما تقول مصادرهم، اجتاحهم الإمبراطور الروماني (إيليوسهدريان)فأزال معالم المدينة وما بقي من مسجدها، وحرث الأرض تدميرًا ولاحق اليهود؛ لاجتثاثهم من أورشليم، ثم أقام مكانه معبدًا و هيكلًا وثنيًا رومانيًا للمشتري –رب الآلهة عند الرومان- باسم (جوبيتار).
بعدها لم يبق لليهود أثر في الأرض المقدسة بعد أن هاموا على وجوههم في البلاد، فغير الرومان كل شيء في المدينة المقدسة حتى اسمها الذي أصبح ( إيليا كابوتلينيا ).
وإيلياء: فيه ثلاث لغات أفصحهن وأشهرهن هذه الواقعة هنا (إيلياء) بكسر الهمزة واللام وبالمد، والثانية كذلك إلا أنه مقصور، والثالثة: (إلياء) بحذف الياء وبالمد. وقد وضعه الإمبراطور الروماني (هدريان) سنة 135م وإلياء اسم جد عائلة الإمبراطور، أو اسم عائلته ، وبقي هذا الاسم شائعًا حتى الفتح الإسلامي؛ حيث جاء العهد الذي كتبه عمر بن الخطاب لأهل القدس.
قوله: إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : لما وصل كتاب رسول الله إلى هرقل حاص بحثًا في الشام عمن وفد إليها من جزيرة العرب أقرب نسبًا من رسول الله، حينها كان أبو سفيان كما روى الزهري عن أبي سفيان « قال: كنا قومًا تجارًا وكانت الحرب قد حصبتنا؛ فلما كانت الهدنة خرجت تاجرًا إلى الشام مع رهط من قريش، وكان حينها موضعه من الشام في غزة.
إِلَى هِرَقْلَ: بكسر الهاء وفتح الراء على المشهور، كدمشق، ويقال مع سكون الراء، ملك الروم وهو اسمٌ، وقيصر لقبه، كما يلقب ملك الفرس كسرى وعليٌ أمير المؤمنين.
قوله: قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ: دحية بكسر الدال وحكي فتحها لغتان ويقال إنه «الرئيس» بلغة أهل اليمن وهو ابن خليفة الكلبي صحابي جليل كان أحسن الناس وجهًا وعلى صورته كان يأتي جبريل النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم في محرم عام سبعة للهجرة، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم حاملًا كتابه إلى هِرَقْل، ولعل سماحة وجه دحية من الأسباب الإضافية لإرساله لهؤلاء القوم؛ ليتلطفهم في كل شيء في مبعوثه إليهم وحسن خطابه وما حواه من رقي وأدب جم.
قوله: فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ: عظيم بصرى وهو زعيمهم وكبيرهم الذي يعظمونه، بُصرى: بضم الباء وقيل : هي مدينة حوران . موضع بالشام ينسب إليه السيوف. وعظيمها هو الحارث بن أبي شمر الغساني، وقيل: إن الكتاب أرسل إلى هرقل مع عدي بن حاتم فوصلا به معًا إلى هرقل .
قوله: فَقَالَ هِرَقْل: هَلْ ههُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ : أي هل من أحد في بلاد هرقل من قوم محمد صلى الله عليه وسلم .
فَقَالُوا: نَعَمْ قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ: والمعنى أرسل إلى أبي سفيان حال كونه في جملة الركب وذاك؛ لأنه كان كبيرهم وأقربهم نسبًا وقربًا من النبي صلى الله عليه وسلم فخصه بالسؤال و قيل إن عددهم كان ثلاثين رجلًا وقيل نحوًا من عشرين.
قوله : فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ: في مجلسه وبين خاصة قومه كبرائهم ومن البطارقة والقسيسين والرهبان.
قوله: فَقَالَ هرقل : أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا : أي قال الترجمان على لسان هرقل، أيكم أقرب من هذا الرجل الذي خرج بأرضكم و يزعم أنه نبي؟ فأجابه أبو سفيان أنه أقرب الرهط نسبًا به؛ لأنه من بني عبد مناف وهو الجد الرابع للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي سفيان، ولم يكن غيره من عبد مناف في هذا الرهط، والقُرْب الذي أراده هرقل يحققّ له مطلب المعرفة الدقيقة بالنبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة ظاهر أموره وباطنها دقيقها وعظيمها .
قوله: فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي : فجعلوهم خلف ظهره لئلا يراهم إذا نقلوا عنه الكذب إلى هرقل .
قوله: ثُمَّ دَعَا بِتُرْجُمَانِهِ: التُّرجُمَان بالضَّمِّ والفتحِ: هُو الَّذي يُترجِمُ الكلامَ، أَيْ يَنْقُله مِنْ لُغَة إِلَى لُغَةٍ أُخرى. والجمعُ التَّراجِم. وهو المُفسِّر لغة بلغة، وهي سنة الملوك في اتخاذ من يترجم لهم لغة غيرهم .
قوله: فَقَالَ هرقل قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هذَا عَنْ هذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبنِي فَكَذِّبُوهُ : كذبني : بتخفيف الذال ، نقل إليَّ الكذب .
قوله: قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللهِ : قسم يجوز بالهمزة وغيرها
قوله: لَوْلاَ أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ: أَنْ يُؤْثِرُوا :بِصِيغَة الجمع وصِيغَة المعلُوم، ويروى: ويؤثر، بِفَتح الثَّاء المُثَلَّثة بِصِيغَة الإِفراد على بِنَاء المَجهُول. أَي: لولا أَن يؤثروا عني الكذب ويحكوه أو يتناقلوا فيما بينهم. قوله وأيم الله: صيغة قسم.
لَوْلاَ أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ: واو الجماعة في الفعل يؤثروا عائدة على الوفد المرافق له، ويعني أبو سفيان، لولا أن أُعْرفَ عندهم بالكذب؛ لأن الكذب فيهم مستقبح وتعافه أخلاقهم؛ فخاف أن يعيِّروه بهذا إذا رجعوا إلى قومهم، وحرص على إبقاء مكانته عالية عندهم وبينهم .
لكذبت على هرقل مع علمه أنهم لن ينقلوا عنه الكذب؛ لأنه سيدهم ومن مصلحتهم جميعًا إخفاء محاسن النبي صلى الله عليه وسلم لا إظهارها أمام هرقل ولو كَذَبَ أبو سفيان على هرقل لأقرّوه على ذلك لاشتراكهم جميعًا في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم .
لاتوجد تعليقات