الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ الثالث والْعِشْرُون (2) فَضُلُ الْهِجْرةِ إِلَى بِلادِ الشَّامِ
كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها ، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها, صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم؛ فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الثالث والعشرون:
صحابة هاجروا إلى الشام واستوطنوها:
ولحرص الصحابة على سكنى الشام والتعرض لنفحاتها وبركاتها والمسارعة في الاستجابة لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فقد رحل إليها جمع كبير جدًا من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بلغ عددهم كما أخبر الوليد بن مسلم: «دخلت الشام عشرة آلاف عين رأت رسول الله»، توافدوا إلى الشام بعامة وفلسطين بخاصة ومسجدها المبارك، معظمين له مؤكدين فضله, وإليكم ثلة، ومنهم على سبيل الإجمال لا الحصر:
- أبو عبيدة عامر بن الجراح: أمين هذه الأمة، القائد العام لجيوش فتح الشام وأحد العشرة الَّذِينَ شهد لهم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالجنة، وكان من كبار الصحابة وفضلائهم، وأهل السابقة منهم -رضوان اللَّه عليهم- توفي وَهُوَ ابْن ثمان وخمسين سنة فِي طاعون عمواس سنة ثماني عشرة بالأردن من الشام وبها قبره، وصلى عَليه معاذ بن جبل، وعن سعيد ابن عبد الرحمن ابن حسان- قال: مات في طاعون عمواس ستة وعشرون ألفًا. كان خالد بن الوليد رضي الله عنه أميرًا على جيوش المسلمين التي بعثها أبو بكر الصديق في بداية السنة الثالثة عشرة لقتال الروم وهي: جيش يزيد بن أبي سفيان ووجهته دمشق، وشرحبيل بن حسنة ووجهته الأردن، وأبي عبيدة بن الجراح ووجهته حمص.
- سعيد بن زيد بن نفيل: المكنى أبا الأعور، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد البدريين و العشرة المبشرين بالجنة، قدم من الشَّام بعدما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلّم المدينة وهو أنبل أهل المدينة والمتوفى بها سنة 51 هـ.
- بلال بن رباح : يُكنى أبا عبد الكريم, وأمُّه حمامة، وهو مولى أبي بكر الصديقرضي الله عنه اشتراه بخمس أواقٍ وأعتقه لله -عز وجل- وكان مؤذنًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الشام فكان به حتى مات، وهو أحد سبعة أظهروا الإسلام في مكة ، تُوفِّي بدمشق ودفن بباب الصغير سنة عشرين وهو ابن بضع وستين سنة وقيل غير ذلك ، وأذن لعمر بن الخطاب لما دخل الشام مرة واحدة, فلم يُر باكيًا أكثر من ذلك اليوم.
- مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ:أعلم الأمة بالحلال والحرام، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد، إِمام الفقهاء، وكبير العلماء بعثه النّبي صلى الله عليه وسلم عاملًا على اليمن، مات بعمواس عام الطَّاعون بالشَّام في خلافة عمر بن الخطَّاب وهو ابن ثلاث أو أَربع وثلاثين سنة» .
- معاوية بن أبي سفيان: أمير المؤمنين، وحكى الواقديّ أنه أسلم بعد الحديبيّة وكتم إسلامه حتى أظهره عام الفتح، وأنه كان في عمرة القضاء مسلمًا، كان من الكتبة الحسبة الفصحاء، صحب النبي صلى الله عليه وسلم ، وكتب له، وولّاه عمر الشام بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان، وأقره عثمان، ثم استمر فلم يبايع عليًّا، ثم حاربه، واستقلّ بالشام، ثم أضاف إليها مصر، ثم تسمّى بالخلافة بعد الحكمين، ثم استقلّ لما صالح الحسن، واجتمع عليه الناس، فسمّي ذلك العام عام الجماعة.
ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الشام مكان أخيه يزيد و بقي أميرًا خلافة عمر، ثم أقره عثمان.
بقي معاوية أميرًا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة، وقال الوليد بن مسلم: كانت خلافته تسع عشرة سنة ونصفًا، وقيل: تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وعشرين يومًا، وولي دمشق أربع سنين من خلافة عمر، واثنتي عشرة من خلافة عثمان، مع ما أضاف إليه من باقي الشام، وأربع سنين تقريبًا أيام خلافة علي، وستة أشهر خلافة الحسن، وسلمت إليه الخلافة سنة إحدى وأربعين، توفي بدمشق يوم الخميس لثمان بقين من رجب، سنة ستين من الهجرة .
- عَوفُ بن مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ: سكن الشَّام، وقدم مصر، توفي سنة ثلاث وسبعين، حدّث عنه من الصَحابة: أبو أيوب الأنصاريّ، وأبو هريرة، وغيرهم .
- وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ اللَّيثيّ سكن بيت جِبرين من الشَّام، قَدِم قَبل مَخرَج النَّبي صلى الله عليه وسلم إِلى تَبُوك بليَال، فسكن الصُّفَّةَ، شهد المغازي بدمشق وحمص، ثم تحول إِلى بيت المقدس، ومات بها. توفّي سنة خمس وثمانين وله ثمان وتسعون سنة.
- عبادة بن الصامت: وجهه عمر رضي الله عنه إلى الشام قاضيًا ومعلمًا؛ فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين، وهو أول من ولي القضاء بفلسطين ، قال ضمرة بن ربيعة عن عبد الحميد بن يزيد الجذامي، قال لي رجاء بن حيوة يا أبا عمرو: هاهنا قبر أخيك عبادة بن الصامت إلى جانب الحائط الشرقي يعني ببيت المقدس .
قال ابن عبد البر : انتقل إلى فلسطين، ومات بها ودفن بالبيت المقدس وقبره معروف إلى اليوم .
قال الإمام ابن حبان: سكن الشام ومات بالرملة، ودفن ببيت المقدس سنة أربع وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وكان على القضاء بها .
- خالد بن الوليد: سماه النبي صلى الله عليه وسلم سيف الله، هاجر بعد الحديبية هو وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة، ومات بحمص سنة إحدى وعشرين، ومات على عهد عمر.
أَوْسُ بْنُ أَوْسِ: نزل دمشق، ومسجده وداره بها فى درب القتلى، وقبره بها .
- خُرَيمُ بن فاتِكٍ الأَسَديُّ: شهد بدرا نزل الرَّقَّة، وقيل: إِنَّه مات بها في عهد معاوية، روى عنه أبو هريرة، وَابن عبّاس، وأنس بن مالِك، ووابصة بن معبد .
- عبدالله بن حوالة الأزدي: يكنى أبا حوالة، قال الهيثم بن عدي: هو من الأزد، كان يسكن الأردن، ومات سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة معاوية وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، توفي في الشام وروى في فضل الشام أحاديث
سلمة بن نفيل السكوني: هو من حضرموت،له صحبة، أصله من اليمن، وسكن حمص، حديثه عند أهل الشام.
- العرباضُ بن سَارِيَةَ السُّلَميُّ: له صحبة، نزيل حمص وللعرباض صحبة،سكن الشام وتوفي بالشام سنة خمس وسبعين، في خلافة عبدالمك بن مروان, وروى عنه جماعة من تابعي أهل الشام.
- أبو أُمامة الباهِليُّ: صحب النَّبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه وروى عنه، وتحول إِلى الشام فنزلها، وتوفي بالشام سنة ست وثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان وهو ابن إِحدى وستّين سنة.
- واثلة ابن الاسقع: انظر ترجمته عند شرح الحديث السابع والعشرين .
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر: شهد فتح بيت المقدس، وشد الرحال إليها وهو من رواة حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ومنها المسجد الأقصى».وانظر ترجمته عند شرح الحديث الرابع.
- تميم الداري: انظر ترجمته عند شرح الحديث السادس والثلاثين.
وآخرهم: عبد اللَّهِ بن بسر المازني: وهو ممن صلى إلى القبلتين, روى عنه الشاميون، وقيل: مات بحمص، أيام سليمان بن عبد الملك سنة ثمان وثمانين للهجرة, وعمره مائة سنة، وهو آخر من مات بالشام من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «دلت الدلائل المذكورة على أن ملك النبوة بالشام، والحشر إليها، فإلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق والأمر، وهناك يحشر الخلق، والإسلام في آخر الزمان يكون أظهر بالشام، وكما أن مكة أفضل من بيت المقدس، فأول الأمة خير من آخرها، وكما أنه في آخر الزمان يعود الأمر إلى الشام كما أسري بالنبي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فخيار أهل الأرض في آخر الزمان ألزمهم مهاجر إبراهيم عليه السلام وهو بالشام».
من فوائد الحديث:
إن فسطاط المؤمنين آخر الزمان هو مهاجر إبراهيم في بلاد الشام.
يشير الحديث إلى أن من أبى الهجرة آخر الزمان رغبة إلى بلاد الشام هو من شرار أهل الأرض.
ومن سوء طالع شرار أهل الأرض آخر الزمان أنهم يلزمون الهجرة، طردًا من الأرض التي هم فيها ورهبة من النار التي تدفعهم وتلاحقهم من مكان إلى مكان وبصحبة القردة والخنازير.
وفي الحديث إشارة إلى فضل الشام والترغيب بسكناها والهجرة إليها .
لاتوجد تعليقات