الأربعــون الوقفيــة (39)
جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها.
أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
الحديث التاسع والثلاثون:
أفضل الوقف سقي الماء
عن سعد بن عبادة – رضي الله عنه - أنه قال: «يا رسول الله، إن أُم سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟ قال: “الماء”؛ فحفر بئراً، وقال: هذه لأم سعد»(1).
سعد بن عبادة أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن توفيت أمه فقال: يا رسول الله «إن أم سعد» أي أمه، «ماتت، فأي الصدقة أفضل؟» لتنال بها الأجر والمثوبة من الله تعالى بعد موتها؛ براً بها وحرصاً على جريان حسناتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الماء».فهو أعم نفعاً خصوصاً وحاجة الناس له شديدة في البلدان الحارة التي يشح فيها الماء. فحفر سعد رضي الله عنه بئراً، وقال سعد: إن هذه البئر صدقة لأم سعد، أي سبّلها وأعلنها للملأ، لينتفعوا بها، ويدعوا لواقفها وأمه. وكانت سقاية أم سعد معروفة في المدينة، وقد انتفع بها خلق كثير.
يقول الشيخ عبد المحسن العباد – حفظه الله – في شرحه لسنن أبي داود: «سقي الماء من خير أنواع الإحسان؛ وذلك لشدة حاجة الناس إلى الماء، وعدم استغنائهم عنه، وهذا الحديث يدل على عظم شأن إنفاق الماء لمن يحتاجه، وبذله في سبيل الله، وتسبيله للناس حتى يستفيدوا منه، فهو مادة الحياة، وبه حياة المخلوقات، وقد جعل الله تعالى من الماء كل شيء حي، والمراد بذلك من لا يعيش إلا بالماء، وكان الماء من ضرورياته، فلا تحصل حياته إلا به... وحفر الآبار للسقي سواء لسقيا الناس أو لسقيا الدواب من الصدقات الجارية التي يكون الثواب عليها مستمراً بهذه الصدقة؛ لأن أجر الصدقات منه ما هو منته بانتهاء بقائها لمن يستحقها، ومنه ما هو مستمر لاستمرار الصدقة، كبناء المساجد، فالناس يستفيدون من المسجد باستمرار، ومثل حفر الآبار ومد الماء منها إلى الناس كي يشربوا منه، فما دام النفع حاصلاً فإن الأجر مستمر ودائم»(2).
والأفضلية من الأمور النسبية، وكان في المدينة أفضل لشدة الحر والحاجة وقلة الماء(3). فأفضل الصدقة وأفضل الوقف ما كان الناس بحاجته، ففي الجزيرة العربية الحر شديد وحاجة الناس للماء ماسة؛ ولهذا كان توجيه النبي صلى الله عليه وسلم في الماء، سقياً وتوفيراً له.
وللماء قيمة عظيمة؛ ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام وأمته من بعدهم على حفر الآبار وسقي الماء وتوفيره، ونهى عن حبس فضل الماء واعتبر فعل ذلك كبيرة من الكبائر، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة] قال: قال رسول الله[: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم - ذكر منهم-: رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل»(4). وقالصلى الله عليه وسلم: «الناس شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار» (5).
وللحديث فوائد ودلالات: ففيه فضيلة لسعد بن عبادة رضي الله عنه حيث بلغ به بر أمه أنه أراد أن يوقف وقفاً لأمه ينال به الأجر عند الله، ويجري لأمه الأجر بعد الممات.
وفيه دليل على انتفاع الميت بصدقة الحي، أي انتفاع الأموات بسعي الأحياء، وفيه أن التصدق للوالدين باب من أبواب برهما حتى بعد موتهما، وهو من الأعمال التي يصل ثوابها للميت، وفيه أن الصدقة من أعمال الأحياء المالية التي ينتفع بها الميت، وفيه استعجال التصدق والبذل للميت، خاصة إن كان أباً أو أماً فهما أولى الناس بالبر والإحسان. وفيه دليل واضح على أن الصدقة تلحق الوالدين بعد موتهما إذا كانا مسلمين، بدون وصية منهما.
وفيه دلالة على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى. وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء. وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب، فكيف بمن سقى رجلا مؤمنا موحدا وأحياه؟! روى البخاري عن أبي هريرة رضي اله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينا رجل بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها، فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرا؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر» (6).
وحث النبي صلى الله عليه وسلم على حفر الآبار والعيون وجعلها صدقة في سبيل الله ينتفع بها الناس ؛ فقد روي: «أفضل الصدقة الماء» وحث النبي صلى الله عليه وسلم على المساعدة في نقل الماء وإعطائه لمن طلب وجعل ذلك من قبيل فعل الخيرات، وقد أرشدنا رسول الله[ أن أفضل ما يقدمه الواحد منا لوالده أو لوالدته بعد مماتهما من صدقة جارية عنهما هو إجراء عين ماء أو حفر بئر.
وصدقة المـاء من خــير الصدقات وسبلها متعددة، منها إقامة أسبلة الماء وتوفير الماء لها والكهرباء والمصافي ولوازم استمرار أدائها، وتوفير عبوات الماء البارد لعابري الطريق، وكذلك شق الجداول والأنهار، وتسهيل مجاريها لتوفير الماء لكل من يحتاجه، وتيسير الوصول له، والانتفاع به ليشرب منه الناس، وكذلك زروعهم وماشيتهم، كل ما جرى فيه الماء من سبيل ومد الأنابيب، وعمل السدود، وتوفير الماء في الطرق وتجمعات الناس، ففيه الأجر العظيم من رب العالمين.
ووقف سيارات نقل الماء لتوفير الماء للقرى والمناطق التي تنقطع عنها الماء لأشهر عديدة، ومد الأنابيب للمناطق التي لا يصلها الماء، وكذلك إنشاء وحدات التحلية للماء وتزويد الفقراء والمساكين بالماء الصحي، فقد كثرت الملوثات في الماء؛ مما أدى إلى ظهور أمراض خطيرة، ومنها الفشل الكلوي والأمراض الجلدية، فميسور الحال قادر على شراء الماء النقي، أما الفقير فإنه مضطر لاستخدام الماء الملوث، وإقامة وحدات لتحلية الماء وتوفير مستلزماتها باب صدقة جارية يستمر معها الأجر ما دام الناس ينتفعون بها.
الهوامش:
1 - أخرجه أبو داود، برقم 1678، في «باب في فضل سقي الماء»، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم 1474.
2- شرح سنن أبي داود، للشيخ عبد المحسن العباد، محاضرات صوتية، موقع audio.islamweb.net.
3- انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، ( 5/66) المجلد الثالث.
4- أخرجه البخاري في صحيحه، برقم 2358.
5- صحيح أبي داود، للألباني، برقم 3477.
6- أخرجه البخاري في صحيحه، برقم 2466، ومسلم في صحيحه برقم 2244.
لاتوجد تعليقات