الأخوة الإيمانية والتحذير من التعصب للبلدان والقبائل
إن من أسرار عظمة دين الإسلام هذه الأخوة في الله -تعالى- التي تربط بين أبناء هذا الدين، على اختلاف ألوانهم، واختلاف صورهم، واختلاف بلدانهم وأنسابهم وقبائلهم؛ فالمسلم يحس بأخيه المسلم في مشارق الأرض ومغاربها، ويتألم لألمه، ويفرح لفرحه رغم أنه لا تربطه به صلة نسب ولا انتساب إلى بلد أو قبيلة أو لغة أو لون أو عِرق، ولكن إخوة الدين فوق كل ذلك، وقد امتنّ الله -سبحانه وتعالى- علينا- معاشر المسلمين- بهذه النعمة العظيمة؛ فقال -سبحانه- في كتابه الكريم: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (آل عمران:103).
والميزان الذي يوزن به الناس هو تقوى الله -سبحانه وتعالى-، لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى «كلكم لآدم وآدم من تراب» كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم .
والسابقون إلى الإسلام كان فيهم بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي وأبو بكر العربي -رضي الله عنهم وأرضاهم-، رغم اختلاف ألوانهم وأنسابهم إلا أن رباط الدين هو الذي ربط بينهم، وقد امتنّ الله -سبحانه وتعالى- على المسلمين بهذه الأخوة الإيمانية في أكثر من موضع من كتابه العزيز، منها قوله -سبحانه-: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} (الأنفال:63)، كذلك يقول تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات:10) فبيّن سبحانه أن المؤمنين جميعاً إخوة.
لا تنفصم عراها
هذه الأخوة الإيمانية لا تنفصم عراها بمعصية أو فسق، وطالما ظل الإنسان منتسباً إلى الإسلام فهو أخوك في الله -سبحانه-، وهو أخوك في الإيمان، وله عليك حقوق المسلم على أخيه المسلم مهما حصل منه من معصية أو حصل منه من اقتراف جريمة من الجرائم طالما هو يشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
أخوة الإيمان
أخوة الإيمان تأتي درجتها ومنزلتها فوق أخوة النسب كما بيّن ذلك مصعب بن عمير الصحابي الجليل - رضي الله عنه -؛ فإنه في غزوة بدر أُسِر أخوه أبو عزيز بن عُمير، وكان الآسر لأخيه رجلاً من الأنصار؛ فرأى مصعب أخاه أسيراً بيد الأنصاري فقال مخاطباً الأنصاري: اشدد وثاقه؛ فإن له أماً غنية ستفتديه بمال كثير؛ فقال أبو عزيز بن عمير: أهكذا وصاتك بأخيك؟ أي بدلاً من أن توصي الأنصاري أن يطلق سراحي ويفك أسري، توصيه أن يشد وثائقي ويُحكم قيدي؛ فقال مصعب: إنه أخي دونك، أي هذا الأنصاري المسلم رغم أني لا تربطني به صلة قرابة أو نسب وهو من بلد وأنا من بلد، وهو من قبيلة وأنا من قبيلة، هو أخي دونك؛ فأنا أوصي أخي بما فيه مصلحته ومصلحة المسلمين؛ فقدّم أخوة الدين على أخوة النسب.
وهذا إذا حصل تعارض بين الأخوتين، لكن إذا كان أخوك من النسب مسلماً ويشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ فقد اجتمع فيه أخوة الدين وأخوة النسب أيضاً؛ فكان حقه أعظم، وكان له زيادة على حق أخوة الدين، كان له زيادة على ذلك حق صلة الرحم التي أوصى بها ديننا الإسلامي الحنيف.
أب واحد وأم واحدة
وجميع البشر ينتمون إلى أب واحد وإلى أم واحدة، الجميع من آدم وآدم من تراب؛ فليس هناك مدعاة للتفاخر بالأحساب أو التفاخر بالأنساب أو بالأجناس والأوطان، وإنما التفاضل عند الله -سبحانه وتعالى- بالتقوى، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات:13). ثم يقول -سبحانه- في ختام هذه الآية الكريمة: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات:13)؛ فبين -سبحانه وتعالى- أن التفاضل عنده ليس بالأحساب ولا بالأنساب وإنما هو بتقوى الله -عزوجل.
تقوى الله
وتقوى الله تكون بفعل ما أمر الله به وترْك ما نهى الله عنه، وذلك أن العرب في الجاهلية كان من خصالهم أن كل قبيلة منهم تبغي على الأخرى، وتفخر عليها، ويرى كل منهم أنه أكرم من أهل القبيلة الأخرى، ويتفاضلون فيما بينهم بالأنساب؛ فحذّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذلك، وقال: «إن الله أذهب عنكم عُبية الجاهلية وفخرها بالأنساب أو وفخرها بالأحساب»؛ والعبية: هي العصبية الجاهلية، أذهبها الله عنكم يا معشر المؤمنين، «كلكم لآدم وآدم من تراب، مؤمن تقي وفاجر شقي» فبيّن -صلى الله عليه وسلم - أن الفخر إنما هو بالإيمان وبتقوى الله -سبحانه وتعالى-، وأن الله امتنّ على المؤمنين الصادقين بأن أذهب عنهم عُبية الجاهلية وفخرها بالأحساب.
من خصال الجاهلية
وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن من خصال الجاهلية التي بقيت في هذه الأمة الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب؛ فقال: «ثنتان من أمر الجاهلية لا تدعونهما: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب»، وحصل أن تنازع رجل من المهاجرين، ورجل من الأنصار؛ فقال المهاجري: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري قومه: ياللأنصار؛ فعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فغضب وقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟! دعوها فإنها منتنة».
دعوى الجاهلية
فسمى النبي - صلى الله عليه وسلم - التنادي بهذين اللقبين الشريفين الممدوحين في القرآن (المهاجرون والأنصار) دعوى الجاهلية، أي عندما صار التفاخر بالانتساب إلى هذين اللقبين سبباً للتفرق بين المسلمين، وسبباً ليفخر بعض الناس على بعض، غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك وسماها دعوى الجاهلية، وقال: «دعوها فإنها منتنة».
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لينتهين أقوام عن فخرهم بالأحساب، أو ليكونن أهون عند الله من الجعلان الذي يدهده بأنفه الخبث»؛ فأخبر أن الذي يفخر بالأحساب إن لم ينتهِ عن ذلك فإنه سيكون أذلّ وأحقر من الجعلان وهو حشرة يُضرَب بها المثل في الحقارة والذل؛ لأنها تزحزح بأنفها الروث- أكرمكم الله-، وتحركه بأنفها، الذي هو موطن الفخر، بينما هذه الحشرة تدهده بأنفها القَذَر والخبث؛ فالذي يتفاخر بالأحساب سيهينه الله -سبحانه وتعالى- ويكون أهون عند الله من الجعلان.
وقد وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - خطيباً في بني هاشم وقال: «يا صفية بنت عبد المطلب، -عمة رسول الله- اعملي ما شئتِ، لا أغني عنكِ من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد! اعملي ما شئتِ لا أغني عنك من الله شيئاً»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» فضرب المثل في نبذ العصبيات الجاهلية، وجعل التقديم والتفاضل بتقوى الله -سبحانه وتعالى-، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الحسنة للمؤمنين.
اسم الإسلام
فالله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم اختار لنا اسم الإسلام، وأمرنا جميعاً أن ننضوي تحت هذا الاسم، ونفتخر به، وقال -سبحانه وتعالى-: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا} (الحج:78) وهو: أي رب العالمين -سبحانه وتعالى- سمانا المسلمين، من قبل: يعني في الكتب السابقة، وفي هذا: يعني وفي هذا القرآن.
الفرق بين العصبية وصلة الرحم
وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - الفرق بين العصبية المذمومة وبين صلة الرحم المحمودة عندما سُئل وقيل له: يا رسول الله هل من العصبية أن ينصر الرجل أخاه في الحق؟؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس من العصبية أن ينصر الرجل أخاه في الحق، ولكن العصبية أن تنصر أخاك في الباطل» فإذا دافعت عن قريبك، أو عمَنْ ينتمي إلى بلدك أو عشيرتك في الحق فهذا ليس من العصبية، وإنما العصبية أن تنصره في الباطل، ومن أمثلتها ما جاء عن بعض أصحاب مسيلمة الكذاب- قبّحه الله- أنه قال له: «والله إني لأعلم أنك كذاب، ولكن كذاب ربيعة أحبّ إلينا من صادق مُضَر»، أي أنت كذاب ولكنك من ربيعة فنحن ننصرك لأنك من قبيلتنا، وهو أحب إليه من صادق مُضر الذي هو رسول الله؛ فأصبح يعادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع علمه أنه صادق ونبي مُرسَل من عند الله؛ لأنه ليس من قبيلته أو وطنه، ويؤيد الكذاب الدجال؛ لأنه من وطنه أو قبيلته!
من أعراض هذا المرض
كذلك من أعراض هذا المرض الفتاك (مرض العصبية الجاهلية): أن يُعمم الإنسان الحالات الفردية السلبية التي يجدها في أهل القبائل الأخرى أو البلدان الأخرى؛ فيسُب أهل قبيلة أو بلد بكاملهم، ويقول أهلها حمقى، أو أهلها بُخلاء، أو أهلها جُبناء، أو أهلها غدّارون أو مكارون، بينما تجده يصف بلده أو قبيلته بأنهم معصومون من الخطأ، مُبَرَّؤون عن كل عيب، بينما واقع الحال أن كل بلدة أو قبيلة فيها الصالح والطالح، ولكن المتعصب يكيل بمكيالين، وقد حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك فقال: «شر الناس في الناس جُرماً الرجل يهجو الرجل فيهجو القبيلة بأسرها» وقال الله -سبحانه وتعالى-: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } (الأنعام:164)؛ فلا يعاقب شخص بجريرة شخص آخر، وإذا كان بينك وبين شخص مشكلة فلا تعمم هذه المشكلة على قومه أجمعين، أو على أهل بلده أجمعين؛ لأن هذا مما يزيد المسلمين فُرقة وتشتتاً، ويتنافى مع ما أمرنا الله -تعالى- به في قوله {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (آل عمران: 103).
لاتوجد تعليقات