رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 31 أغسطس، 2022 0 تعليق

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية – بعض الأحكام المستفادة من قصة داود وسليمان -عليهما السلام-  حكـم

قال -تعالى-: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} (سورة ص:20)، لا نزال مع ذكر إنعام الله -تعالى- على عبده ونبيه داود -عليه السلام-، قال القرطبي: «قوله -تعالى-: {وشددنا ملكه} أي: قويناه حتى ثبت. قيل: بالهيبة وإلقاء الرعب منه في القلوب. وقيل: بكثرة الجنود. وقيل: بالتأييد والنصر.وقال ابن عباس: كان داود أشد ملوك الأرض سلطانا.

أما قوله -سبحانه-: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ}، فقال السدي: النبوّة.

وأما قوله -تعالى-: {وَفَصْلَ الْخِطَابِ} فقال مجاهد: إصابة القضاء وفهمه، وقال السدي: علم القضاء.

حكم القضاء

     فمن المسائل المستفادة من الآية الكريمة مسألة (حكم القضاء): لا شك أن ولاية القضاء من الولايات الشرعية الضرورية للمجتمع المسلم، لما فيها من إقامة العدل، ورد الحقوق لأهلها، ودفع المفاسد، ومنع الظلم وأهله، قال ابن فرحون مبينا ثمرة القضاء أن فيه: «رفع التهارج، ورد النوائب، وقمع الظلم، ونصر المظلوم، وقطع الخصومات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

شروط تولي القضاء

     ويشترط في القاضي العلم بالفقه والقضاء؛ و(علم القضاء) علم مستقل غير علم الفقه، يعتمد عليه ويمتاز عنه بأمور، فقد يكون الرجل فقيها ولا يحسن علم القضاء كما قال ابن العربي: «وقد يكون الرجل بصيرا بأحكام الأفعال، عارفا بالحلال والحرام، ولا يقوم بفصل القضاء».

     فالفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، وموضوعه أفعال المكلفين من حيث الحكم عليها بالأحكام الشرعية، ويعتمد على الأدلة الشرعية.

     أما علم القضاء: هو العلم بكيفية الفصل في الخصومات، وتطبيق الأحكام الشرعية التي ترفع إلى القاضي، ويعتمد على البينات والحجج القضائية.

     قال مالك: «كان الرجال يقدمون إلى المدينة من البلاد ليسألوا عن علم القضاء، وليس كغيره من العلوم، ولم يكن بهذه البلدة أعلم بالقضاء من أبي بكر عبد الرحمن كان قاضيا لعمر بن عبد العزيز، وكان قد أخذ شيئا من علم القضاء عن إبان بن عثمان، وأخذ ذلك إبان عن أبيه عثمان بن عفان - رضي الله عنه ».

المراد بقوله -تعالى-: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ}

     وتقدم في أقوال المفسرين أن المراد بقوله -تعالى-: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} علم القضاء، وأشار إليه النبي -عليه السلام- بقوله: «أرْأَف أمتي بأمتي أبو بكرٍ، وأشدُّهم في دينِ اللهِ عمر، وأصدقُهم حياءً عثمانُ، وأقضاهم عليٌّ، وأفرضُهم زيدُ بنُ ثابتٍ، وأقرؤهم أُبَيُّ، وأعلمُهم بالحلالِ والحرامِ معاذُ بنُ جبلٍ» أخرجه أبو يعلى وصححه الألباني. ففرق بين القضاء والفقه.

     وقال ابن فرحون: «ولا غرابة في امتياز علم القضاء عن فقه فروع المذهب؛ لأن علم القضاء يفتقر إلى معرفة أحكام تجري مجرى المقدمات بين يدي العلم بأحكام الوقائع الجزئيات، وغالب تلك المقدمات لم يجر لها في دواوين الفقه ذكر، ولا أحاط بها الفقيه خبرا، وعليها مدار الأحكام، والجاهل بها يخبط خبط عشواء في الظلام».

تعريف القضاء

القضاء في اللغة هو الحكم والفصل، قال ابن فارس: «ولذلك سمي القاضي قاضيا؛ لأنه يحكم الأحكام وينفذها».

     وأما القضاء في الاصطلاح: فهو الحكم بين الخصوم بالقانون الإسلامي بكيفية مخصوصة، والمراد بالكيفية المخصوصة هي كيفية رفع الدعوى، وإجراءات التقاضي، ووسائل الإثبات، ووسائل الدفع.

مشروعية القضاء

      وردت آيات كريمة توجب على الأنبياء عامة، وعلى نبيينا - صلى الله عليه وسلم - خاصة أن يفصلوا بين الناس بالعدل ويقضوا بالحق، فمن ذلك قوله سبحانه عن داود عليه السلام: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} (سورة ص:20)

     فعن الحسن قال: «العلم بالقضاء». وقال الجصاص: «الفصل بين الخصوم بالحق، وهذا يدل على أن فصل القضاء واجب على الحاكم إذا خوصم إليه، وأنه غير جائز إهمال الحكم».

     وقال -تعالى-: {نَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} (النساء:105)، قال الطبري: «لتقضي بين الناس فتفصل بينهم بما أراك الله؛ يعني: بما أنـزل الله إليك من كتابه».

      ومن السنة المطهرة عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثم أَصابَ فله أَجْرَان، وإِذا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثم أَخْطَأَ فله أَجْرٌ» متفق علي

فالحديث يدل على أهمية القضاء، وأنه لا يحصل إلا بالاجتهاد المستند إلى العلم الشرعي.

لا حسد إلا في اثنتين

     وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته بالحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعمل بها» متفق عليه، قال ابن حجر: «وَفِي الْحَدِيثِ التَّرْغِيبُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ لِمَنِ اسْتَجْمَعَ شُرُوطَهُ، وَقَوِيَ عَلَى أَعْمَالِ الْحَقِّ، وَوَجَدَ لَهُ أَعْوَانًا؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَأَدَاءِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَكَفِّ يَدِ الظَّالِمِ، وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْقُرُبَاتِ، وَلِذَلِكَ تَوَلَّاهُ الْأَنْبِيَاءُ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ النَّاسِ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ وَلَّى عُمَرَ الْقَضَاءَ. وَبِسَنَدٍ آخَرَ قَوِيٍّ أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَلَى الْقَضَاءِ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى عُمَّالِهِ: «اسْتَعْمِلُوا صَالِحِيكُمْ عَلَى الْقَضَاءِ وَاكْفُوهُمْ»، وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ وَإِنَّمَا فَرَّ مِنْهُ مَنْ فَرَّ خَشْيَةَ الْعَجْزِ عَنْهُ وَعِنْدَ عدم الْمعِين عَلَيْهِ».

     وقد باشر النبي - صلى الله عليه وسلم - القضاء بنفسه؛ حيث قضى في الخصومات والحدود والجنايات، وأرسل بعض أصحابه قضاة خارج المدينة كعلي ومعقل بن يسار وأبي موسى.

وأجمع المسلمون على مشروعية القضاء والحكم بين الناس.

حكم القضاء

      ذكر ابن قدامة أن القضاء من فروض الكفايات بالاتفاق؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه فكان واجبا عليهم كالجهاد والإمامة، وهو فرض كفاية، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء كانوا يبعثون قاضيا واحدا، ولو كان فرض عين لم يكف واحد.

     واتفق الفقهاء على أن نصب القضاة للحكم بين الناس فرض عين على الإمام؛ لأن وظيفة الخليفة تطبيق الأحكام الشرعية، والقضاء سبيل العدل، فكان واجبا عليه تنفيذ هذا إما بنفسه أو بغيره.

     وأما ما جاء من أحاديث في التحذير من القضاء كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من جعل قاضيا فكأنما ذبح بغير سكين» أخرجه أصحاب السنن وصححه الألباني.

      وقوله: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة؛ قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض قضى بجهل فهو في النار، وقاض عرف الحق فجار فهو في النار» أخرجه أبو داود وصححه الألباني

     فهو محمول على القضاء بالجور، أو بالجهل، أو تولي القضاء مع العجز عن القيام بمسؤولياته، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تبرأ منه وألزمه الشيطان» أخرجه الحاكم وحسنه الألباني.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك