الأحكام الفقهية من القصص القرآنية – بعض المسائل المستفادة من سورة لقمان (حكم بر الوالدين غير المسلمي
قال الله -عز وجل-: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (لقمان: 14-15).
بعض المسائل المستفادة من الآيات الكريمة مسألة (حكم بر الوالدين غير المسلمين):
الوالدان سبب وجود الولد بإذن الله، وهذا السبب لا يختص بالمسلمين، بل هو سبب إنساني عام، قال ابن كثير: «لهما عليه غاية الإحسان؛ فالوالد بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق»؛ لذا لم يقتصر بر الوالدين على الأبوين المسلمين فحسب، بل يمتد لغير المسلمين، كما قال -تعالى- في هذه الآية: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
لا طاعة للوالدين في الكفر والشرك
قال ابن كثير: «إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعنك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفا، أي: محسنا إليهما»، وقال -سبحانه-: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (العنكبوت: 8)، فدلت الآيتان أن الوالدين الكافرين اللذين يجاهدان ولدهما المسلم لحمله على الكفر والشرك لا يطاعان في معصية الله -تعالى-، ومع ذلك لهما حق البر والرفق والإحسان إليهما.
لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين
قال القرطبي: «لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا كافرين يبرهما ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد، قال الله -تعالى-: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، وفي البخاري عن أسماء قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستفتيت النبي -صلى الله عليه وسلم فقلت إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: «نعم صلي أمك».
ضوابط بر الوالدين غير المسلمين
ولكن لبر الوالدين غير المسلمين ضوابط منها: إذا أمر الوالدان الكافران ابنهما المسلم بترك مستحب أو فعل مكروه فإن كان مرادهما توهين الدين من غير أن تتحقق لهما في ذلك مصلحة مشروعة فلا طاعة عليه لهما، أما إذا قصدا بذلك بعض مصالحهما فيجب طاعتهما.
الدعاء للوالدين الكافرين
وأما الدعاء للوالدين الكافرين فقد دل ظاهر قوله -تعالى-: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} على مشروعية الدعاء للوالدين مطلقا سواء أكانا مسلمين أم كافرين، في حين منع الله -تعالى- الاستغفار للمشركين في قوله -تعالى-: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}، وقد اختلف الفقهاء في التوفيق بين الآيتين على مذاهب:
المذهب الأول: أن آية الإسراء منسوخة بآية التوبة، وممن قال ذلك ابن عباس وعكرمة وقتادة.
المذهب الثاني: أن آية الإسراء مخصوصة بآية التوبة، واختلفوا في محل التخصيص:
فقال الطبري: معنى الكلام: وقل رب ارحمهما إذا كانا مؤمنين كما ربياني صغيرا.
وقال القرطبي: هو دعاء بالرحمة الدنيوية للأبوين المشركين ما داما حيين لا رحمة الآخرة.
الإنفاق على الوالدين
ومن المسائل المستفادة مسألة (حكم الإنفاق على الوالدين): قال الشيخ ابن سعدي: «فأولى الناس به، أي (الإنفاق) وأحقهم بالتقديم، أعظمهم حقا عليك، وهم الوالدان الواجب برهما، والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما، النفقة عليهما، ومن أعظم العقوق، ترك الإنفاق عليهما».
وقد اتفق الفقهاء على وجوب نفقة الأصول المباشرين، وهم الآباء والأمهات على الأبناء، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين الذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد»، ومما استدلوا به: قوله -تعالى-: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما، وقال -تعالى-: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}، ومن المعروف القيام بكفايتهما عند حاجتهما، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه «أخرجه أبو داود وصححه الألباني.
نفقة الوالدين واجبة على الولد
قال الخطابي: «فيه من الفقه أن نفقة الوالدين واجبة على الولد إذا كان واجدا لها، ووجه ذلك أن قوله: «وإن ولده من كسبه» أي من المكسوب الحاصل بالجد والطلب ومباشرة الأسباب، ومال الولد من كسب الولد، فصار من كسب الإنسان بواسطة، فجاز له أكله».
وعن جابر - رضي الله عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله إن لي مالا وولدا، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني، فأضاف مال الابن إلى الأب بلام التمليك، وظاهره يقتضي أن يكون للأب في مال ابنه حقيقة الملك، فإن لم تثبت الحقيقة فلا أقل من أن يثبت له حق التملك عند الحاجة.
شروط وجوب نفقة الأصول المباشرين على الأبناء
ولوجوب نفقة الأصول المباشرين على الأبناء شروط، منها:
- الشرط الأول: يسار المنفق: فقد ذهب عامة الفقهاء إلى أن يسار المنفق شرط لوجوب نفقة الأصول على الأبناء.
- الشرط الثاني: حاجة المنفق عليه: وذلك بأن يكون فقيرا لا مال له، فإن كان له مال لم تجب نفقته على غيره، وهذا ما ذهب إليه عامة الفقهاء؛ لأن النفقة تجب على سبيل المواساة، والموسر مستغن عن المواساة.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه تجب النفقة على الأبناء ولو كان الأصل فقيرا وهو قادر على الكسب؛ لأن الشرع نهى عن إيذاء الوالدين؛ فإلزام الأب بالكسب مع غنى الولد من الإيذاء فيكون منهيا عنه، ولأنه يقبح بالإنسان أن يكلف أصله بالكسب مع اتساع ماله.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يشترط اتحاد الدين، فتجب نفقة الأصول ولو اختلف دينهما، ومما استدلوا به ما يلي:
1-قوله -تعالى-:{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} قال القرطبي: «والآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين».
2-عن أسماء -رضي الله عنها- قالت: قدمت أمي وهي مشركة، فاستفتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك «أخرجه البخاري، قال ابن حجر: «ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة وإن كان الولد مسلما».
لاتوجد تعليقات