رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 1 يوليو، 2020 0 تعليق

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية – الأحكام الفقهية من ميثاق الله لبني إسرائيل

 

لا نزال مع المسائل الفقهية المستفادة من قوله -تعالى-: { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} (المائدة:12)

     وقد ذكرنا في مقدمة المقال السابق قول ابن كثير في الآية وهو: «لما أمر الله -تعالى- عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه، الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأمرهم بالقيام بالحق والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة، فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين: (اليهود والنصارى)؛ فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنا منه لهم، وطردا عن بابه وجنابه، وحجابا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم النافع والعمل الصالح»، وذكرنا الآية الكريمة التي دلت على مسائل فقهية، ذكرنا منها المسألة الأولى وهي مشروعية وجود ممثلين للناس يأخذون عليهم العهود، ويبلغونهم التكاليف، واليوم مع المسألة الثانية وهي: قبول خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ الْمَرْءُ وَيَحْتَاجُ إلَى اطِّلَاعِهِ مِنْ حَاجَاتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، فَيُرَكِّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ، وَيَرْبِطُ بِهِ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ».

خبر الآحاد

وخبر الآحاد هو الحديث الذي لم يصل إلى حد التواتر، ومنه مقبول ومردود، وقد اختلف الناس في مدى الاحتجاج بخبر الآحاد الثابت في العقيدة والأعمال وذلك على النحو التالي:

- المذهب الأول: من رد أخبار الآحاد مطلقا في الاعتقاد والعمل، وهو قول أهل البدع كما ذكره النووي وشيخ الإسلام.

- المذهب الثاني: من رد خبر الآحاد في العقيدة وهو قول المتكلمين.

- المذهب الثالث: من رد خبر الآحاد لمخالفته القياس وهو قول بعض الحنفية.

- المذهب الرابع: من رد خبر الآحاد فيما تعم به البلوى وهو قول أكثر الحنفية.

- المذهب الخامس: من رد خبر الآحاد إذا خالف الراوي ما روى وهو مذهب الحنفية.

- المذهب السادس: من رد خبر الآحاد إذا خالف عمل أهل المدينة وهو مذهب المالكية.

- المذهب السابع: من رد خبر الآحاد في الحدود وهو قول بعض الحنفية.

- المذهب السابع: من رد خبر الآحاد إذا تضمن حكما زائدا على النص القرآني وهو قول الحنفية.

- المذهب الثامن: قبول خبر الآحاد الثابت مطلقا في الاعتقاد والعمل، وهو قول عامة العلماء.

قال النووي: «والذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول: أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع يجب العمل بها».

كتاب خبر الآحاد

     وقد عقد البخاري في جامعه كتابا عنوانه: (كتاب خبر الآحاد) وعقد في أوله (باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام)، قال ابن حجر: «والمراد (بالإجازة): جواز العمل به والقول بأنه حجة»، وبين أن مراد البخاري هو: «الرد به على من يقول: إن الخبر لا يحتج به إلا إذا رواه أكثر من شخص واحد حتى يصير كالشهادة».

وقد ناقش الشافعي هذه المسألة في كتابه (الرسالة) في (باب خبر الواحد) واستغرق أكثر من مائة صفحة، وهو قول كثير من العلماء كمالك ومسلم وابن حزم وابن الصلاح وابن كثير والاسفراييني وابن حجر وابن تيمية وابن القيم والسخاوي وخلق كثير.

اعتقاد خطأ

وقد أخطأ من ادعى أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيبات، وزعم أنه قول مجمع عليه وثابت بحكم الضرورة العقلية التي لا مجال للخلاف فيها عند العقلاء.

     وقد أجاب عن هذا ابن القيم بقوله: «فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم من الدين بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أتباع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام، ووافقوا المعتزلة والجهمية والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعوا بعض الأصوليين».

أدلة الجمهور

وقد استدل الجمهور بأدلة كثيرة منها:

خبر الصادق مقبول

1- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}، قال ابن سعدي: «فيه دليل على أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب مردود، وخبر الفاسق متوقف فيه»، وقال ابن حجر: «يؤخذ من مفهومي الشرط والصفة، فإنهما يقتضيان قبول خبر الواحد».

الطائفة تطلق على الواحد

2- قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. فالله -تعالى- أخبر أن الإنذار يحصل بالطائفة، والطائفة تطلق على الواحد فما فوقه، مما يدل على أن خبر الواحد يحصل به العلم والإنذار، وقد احتج البخاري بهذه الآية في صحيحه على الأخذ بخبر الآحاد، قال ابن حجر: «وهذا مصير منه إلى أن لفظ «طائفة» يتناول الواحد فما فوقه ولا يختص بعدد معين، وهو منقول عن ابن عباس وغيره كالنخعي ومجاهد».

وقال القرطبي: «الطائفة في اللغة الجماعة، وقد تقع على أقل من ذلك حتى تبلغ الرجلين»،ثم نقل عن ابن العربي وغيره أنهم يرون أن الطائفة هاهنا واحد ويعتضدون فيه بالدليل على وجوب العمل بخبر الواحد، وهو صحيح».

قبول الرسول - صلى الله عليه وسلم - خبر الواحد

3- قبول الرسول- صلى الله عليه وسلم - خبر الواحد، فمن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله قال: صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر خمسا؛ فقيل أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمسا؛ فسجد سجدتين بعدما سلم». فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل خبر من أخبره بأنه زاد في صلاته ركعة وكان واحدا.

اعتماد النبي - صلى الله عليه وسلم - على الواحد في التبليغ

4- اعتماده - صلى الله عليه وسلم - على الواحد في التبليغ، كما قال البخاري: (باب ما كان يبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأمراء والرسل واحدا بعد واحد)، قال ابن حجر: «وهو استدلال قوي لثبوت خبر الواحد من فعله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن خبر الواحد لو لم يكف قبوله ما كان في إرساله معنى»، فبعث أبا عبيدة لأهل نجران، وبعث عليا وأبا موسى ومعاذا لأهل اليمن، وقال مالك بن الحويرث: أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة...الحديث وفيه قوله لهم: «وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم».

قبول الصحابة لخبر الواحد

5- أن الصحابة كانوا يقبلون خبر الواحد في العقيدة والعمل، قال ابن حجر: «وقد شاع فاشيا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من غير نكير؛ فاقتضى الاتفاق منهم على القبول»، فقد تحول الصحابة في مسجد قباء وهم في الصلاة إلى جهة الكعبة بخبر واحد شهد أنه صلى مع رسول الله جهة الكعبة، وأمر أبو طلحة أنسا أن يكسر جرار الخمر لما سمع رجلا يقول: إن الخمر قد حرمت، وكان عمر يتناوب مع جاره الأنصاري في الحضور عند رسول الله ثم يحدث كل منهما الآخر بما سمع من رسول الله في العقيدة والعمل.

تبليغ الشريعة واجب

6- أن تبليغ الشريعة واجب، وهو متعذر بالتواتر، مما يدل على أن خبر الواحد كاف في حصول العلم ووجوب العمل به، قال ابن حجر: «واحتج بعض الأئمة بقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} مع أنه كان رسولا إلى الناس كافة ويجب عليه تبليغهم، فلو كان خبر الواحد غير مقبول لتعذر إبلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة لتعذر خطاب جميع الناس شفاها، وكذا تعذر إرسال عدد التواتر إليهم».

آثار خطيرة

7- أن عدم قبول خبر الآحاد في العقيدة له آثار خطيرة، منها: إنكار جملة من العقائد، مثل إنكار نبوة الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن، والشفاعة العظمى للنبي- صلى الله عليه وسلم - في المحشر، وسؤال الملكين في القبر وعذاب القبر، وما يكون يوم القيامة من نصب الميزان والصراط وحوض النبي، ودخول سبعين ألفا الجنة بغير حساب، وأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، وغيرها مما ورد بأحاديث الآحاد الثابتة، قال الشافعي: «ليس لك أن تشك في أحاديث الرسول التي رواها الثقات العدول؛ فهذه الأحاديث أصل الدين، والدين محفوظ إلى نهاية الزمان».

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك