الأبعاد التاريخية للعداء للدعوة السلفية
في الآونة الأخيرة ظهرت بعض الأصوات التي تتهم السلفيين بأنهم دُعاة فتنة وتكفير، وهذه الدعاوى باطلة من أساسها؛ كون من يطلقها يجهل ما السلفية ابتداءً؛ فلو سألته ماذا تعني السلفية؟ ما أجابك، ونال هذا التطاول وهذا الظلم دعوة التجديد التي قام بها الإمام محمد بن عبدالوهاب وبدعم ومساندة من الإمام محمد بن سعود - رحمهما الله - كون هذه الدعوة أو الحركة التجديدية من أشهر الحركات السلفية في عالمنا الإسلامي.
ومما يؤسف عليه أن بعض الطبقات المثقفة سواء في عالمنا العربي أم حتى داخل وطننا المملكة العربية السعودية انساق وراء هذه الدعاوى، بل صار مروجاً لها، من أجل ذلك عزمت على كتابة هذه المقالة، مبتغياً بذلك الأجر من الله أولاً في دفاعنا عن ديننا وعقيدتنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وثانياً آملاً بأن يكون فيما سأعرضه من بيان وإيضاح كشفاً لغشاوة سببت هذا الظلم وهذا التجني على منهجنا السلفي ودعوة الشيخ المجدد محمد بن عبدالوهاب.
ما السلفية ومن السلفيون؟
يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - معرفاً لها: «الدعوة السلفية هي الدعوة إلى ما بعث الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ، هي الدعوة إلى التمسك بالقرآن العظيم والسنة المطهرة، هذه هي الدعوة السلفية، الدعوة إلى السير على المنهج الذي درج عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ثم المدينة من إبلاغ الدعوة إلى المسلمين وغيرهم، وتوجيه الناس إلى الخير وتعليمهم ما بعث الله به نبيه من توحيد الله والإخلاص له، والإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وترك الإشراك بالله -عز وجل- والقيام بما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، هذه الدعوة السلفية».
ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين في تعريف السلفية والسلف: «السلفيَّة هي اتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأنهم سلفنا تقدموا علينا، فاتِّباعهم هو السلفيَّة، وأما اتِّخاذ السلفيَّة منهجاً خاصاً ينفرد به الإنسان ويضلل من خالفه من المسلمين ولو كانوا على حقٍّ: فلا شكَّ أن هذا خلاف السلفيَّة، فالسلف كلهم يدْعون إلى الإسلام والالتئام حول سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا يضلِّلون مَن خالفهم عن تأويل، اللهم إلا في العقائد، فإنهم يرون من خالفهم فيها فهو ضال».
يضلِّل كل من خالفه
لكن بعض من انتهج السلفيَّة في عصرنا هذا صار يضلِّل كل من خالفه ولو كان الحق معه، واتَّخذها بعضهم منهجاً حزبيّاً كمنهج الأحزاب الأخرى التي تنتسب إلى الإسلام، وهذا هو الذي يُنكَر ولا يُمكن إقراره، ويقال: انظروا إلى مذهب السلف الصالح ماذا كانوا يفعلون في طريقتهم وفي سعة صدورهم في الخلاف الذي يسوغ فيه الاجتهاد، حتى إنهم كانوا يختلفون في مسائل كبيرة، في مسائل عقديَّة، وفي مسائل علميَّة؛ فتجد بعضَهم - مثلاً - يُنكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه، وبعضهم يقول بذلك، وبعضهم يقول: إن الذي يُوزن يوم القيامة هي الأعمال، وبعضهم يرى أن صحائف الأعمال هي التي تُوزن، وتراهم - أيضاً - في مسائل الفقه يختلفون، في النكاح، في الفرائض، في العِدَد، في البيوع، في غيرها، ومع ذلك لا يُضلِّل بعضهم بعضاً؛ فالسلفيَّة بمعنى أن تكون حزباً خاصّاً له مميزاته ويُضلِّل أفراده سواهم؛ فهؤلاء ليسوا من السلفيَّة في شيء.
اتباع منهج السلف
وأما السلفيَّة التي هي اتباع منهج السلف عقيدةً، وقولاً، وعملاً، واختلافاً، واتفاقاً، وتراحماً، وتوادّاً، كما قال النَّبي صلى الله عليه وسلم : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثَل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسهر»، فهذه هي السلفيَّة الحقَّة.
وعن دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله-: إن دعوة الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- هي الدعوة الإسلامية التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وسلف هذه الأمة الصالح؛ ولهذا نجحت وحققت آثاراً عظيمة رغم كثرة أعدائها ومعارضيها في العالم الإسلامي أثناء قيامها، وذلك مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله».
تستحق المزيد من الدراسة
وهذه الدعوة وإن كانت ضمن سلسلة دعوة الإصلاح ومرتبطة بمذهب السلف الصالح السابق لها؛ ولم تخرج عنه, إلا أنها تستحق المزيد من الدراسة والعناية وتبصير الناس بها؛ لأن الكثير من الناس لا يزال جاهلاً حقيقتها؛ ولأنها أثمرت ثمرات عظيمة لم تحصل على يد مصلح قبله بعد القرون المفضلة؛ وذلك لما ترتب عليها من قيام مجتمع يحكمه الإسلام، ووجود دولة تؤمن بهذه الدعوة وتطبق أحكامها تطبيقاً صافياً نقياً في جميع أحوال الناس في العقائد والأحكام والعادات والحدود والاقتصاد، وغير ذلك؛ مما جعل بعض المؤرخين لهذه الدعوة يقول: «إن التاريخ الإسلامي بعد عهد الرسالة والراشدين لم يشهد التزاماً تاماً بأحكام الإسلام كما شهدته الجزيرة العربية في ظل الدولة السعودية التي أيدت هذه الدعوة ودافعت عنها».
لماذا الهجوم على النهج السلفي؟
ولقد تجددت في الآونة الأخيرة وازدادت بوتيرة متصاعدة الحملة الشرسة ضد النهج السلفي، تقودها جماعات وفئات تعمل بوعي أو غير وعي منها على تنفيذ رغبات وتحقيق استراتيجيات لأيدلوجيات تحارب الإسلام في جوهره، علاوة على ذلك فإننا نجد بعضا منا يردد أقوالاً ومصطلحات مدفونة كالسم في العسل لتؤدي دور المفاهيم البديلة حتى نعتاد تردادها دون وعي بمضمون فعلها في عقلنا العربي الإسلامي ومكنون ثقافتنا التي ترسخت عبر القرون وفقاً لما جاءنا من علوم دينية وشرعية من علماء أجلاء جاهدوا لأجل الحفاظ على سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
لا عذر لهم
لاشك أننا نرى أن للغرب عذره وللأيدلوجيا المضادة لمذهب السنة والجماعة عذرها كذلك في أن تحارب وتعادي كل ما هو سني، ولكن كيف نجد العذر والمسوغ للآخرين ممن يصنفون ضمن المذهب السني في ترديد تلك المفاهيم والأقوال التي تصف النهج السلفي بالتطرف حيناً وأحياناً أخرى بأنه السبب الرئيس في ظهور وتفريخ الجماعات التي تحمل السلاح، وتمارس العنف باسم الدين، وتقاتل الجميع كالقاعدة و(داعش)، إلخ، من الجماعات السياسية المتطرفة التي تعمل -مع الأسف- باسم الدين.
الحفاظ على الجماعة الإسلامية
من المعروف تاريخياً ولكل من قرأ تاريخ الدولة الإسلامية منذ نشأتها وتأسيسها في المدينة المنورة بأنها قامت على مبدأ الحفاظ على الجماعة الإسلامية باعتبارها القوة الحقيقية للدولة الإسلامية، أي إلى جماعة تعيد تأسيس الاجتماع الديني - الذي تكون في مكة المكرمة، وتعمق بعد الهجرة في المدينة المنورة، تعيد تأسيس الاجتماع الديني للمسلمين في صورة اجتماع سياسي، أي ما نسميه اليوم كيان دولة ذات سيادة وقيادة.
وبعد أن انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه استطاع الصحابة وبما اكتسبوه من علم وخبرة بمصاحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم القائد العظيم والنبي المرسل في الحفاظ على الجماعة الدينية والسياسية من التفكك وذلك باتباع المنهج النبوي القائم على الكتاب والسنة النبوية.
ومع تطور الدولة الإسلامية وتعدد الشعوب التي دخلت الإسلام بعد الفتوحات الكبيرة واحتكاكها بالثقافات والديانات الأخرى التي كانت تعتنقها تلك الشعوب قبل دخولها الإسلام؛ فقد تعددت الطوائف والفرق والمذاهب التي تأثرت بتلك الثقافات، ونتيجة للصراع التاريخي الذي كان قائماً قبل الإسلام بين العرب والفرس فقد ظهرت الدعوة للشعوبية للقضاء على الإسلام، ممثلاً في النهج النبوي السني»، ومنذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا وهذه الطوائف المنحرفة عن الحق تحارب الإسلام السني بالوسائل المتاحة الفكري منها والثقافي.
كذلك ونتيجة للضعف الذي اعترى الدولة الإسلامية والتفكك الذي لحق بجماعتها الدينية والسياسية ولعصور متعاقبة قرناً بعد قرن حتى اختلطت العقائد الوثنية التي كانت سائدة قبل الإسلام بالعقيدة الصحيحة؛ مما أدى إلى انحراف في العبادات الصحيحة واختلاط الشرك بالتوحيد؛ فقد قيض الله -بعلمه وقدرته- في كل عصر من العصور من يقوم من العلماء ويتصدى لتلك الظاهرة الخطيرة من الانحرافات واختلاط الشرك بالتوحيد والدعوة للعقيدة الصحيحة والعودة لنهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين.
النقطة المفصلية في التاريخ
ولقد كانت النقطة المفصلية في التاريخ تلك التي اصطلح المؤرخون على تسميتها بالفتنة الكبرى التي حدث فيها أكبر انشقاق ديني سياسي في تاريخ الإسلام؛ مما أحدث شرخاً في الجماعة الإسلامية التي أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحافظ عليها الصحابة من بعده، وتفرع من بعدها أحداث جسام أدت إلى ما أدت إليه من بروز ظاهرة الخروج على الجماعة وظهور الجماعات السياسية المتطرفة دينياً كالخوارج وغيرهم، ومنذ تلك اللحظة التاريخية الفاصلة ما زالت تتجدد ظاهرة التطرف السياسي والخروج على الجماعة بدعاوى دينية مختلفة ولكنها في جوهرها عبارة عن جماعات سياسية تخالف مذهب السنة وخروج على جماعة المسلمين والنهج السلفي.
المجددون في الإسلام هم ورثة الأنبياء
ومواصلة لجهود سلسلة متعاقبة من العلماء الأجلاء في عصور تاريخية مختلفة وجهادهم الكبير في الحفاظ على النهج النبوي الصحيح وملاقاتهم للعنت الشديد في سبيل التصدي لكل مظاهر الانحراف في العقيدة الصحيحة ودعوتهم المستمرة لتبيان الحق من الباطل؛ فقد استطاع الإمام محمد بن عبدالوهاب -بتوفيق الله عزّ وجل- أن يكون هو مجدد الدعوة السلفية في القرن الثاني عشر الهجري بعد أن أطبقت الجهالة على الأرض، وخيمت الظلمات على ديار المسلمين، وانتشر الشرك والضلال والابتداع في الدين، وانطمس نور الحق، واختفت السنة وظهرت البدعة، وأضحى الدين غريبًا والباطل قريباً؛ ولأن الله -عزّ وجل- قد قضى لعباده بحفظ دينه وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وكان من رحمته -تبارك وتعالى- بهذه الأمة أن يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها.
تلك هي الدعوة (السلفية)
وإن الدعوة السلفية التي حمل لواءها الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب لم تكن إلا مواصلة للدعوة التي نادى بها المصلح العظيم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في القرن الثامن الهجري وهو النهج نفسه الذي أوذي في سبيله إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل -رحمه الله- في القرن الثالث الهجري.
وتلك الدعوة (السلفية) باختصار هي في جوهرها تعني الرجوع إلى الإسلام كما أُنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وكما فهمها واتبعها الصحابة والتابعون من أهل القرون المفضلة عقيدة وشريعة وسلوكاً.
لاتوجد تعليقات