{اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}
توهم نفسك يا أخي إذا تطايرت الكتب، ونصبت الموازين، وقد نوديت باسمك على رؤوس الخلائق، أين فلان بن فلان؟ هلمَّ إلى العرض على الله تعالى
لله -سبحانه- الأسماء الحسنى والصفات العليا؛ فعلمه محيط بكل شيء، وحكمته أحكمت كل تدبير، وعدله شامل كل المخلوقات، ورحمته وسعت كل شيء.
وقد بين لنا -سبحانه وتعالى- إحاطة علمه بأدق تفاصيل حياة الإنسان بما يكون يوم القيامة من تقديم الأدلة والبراهين على ما صدر من العبد في الدنيا، فيقوم الأشهاد، وتنشر صحائف الأعمال، ويشهد على الإنسان أعضاؤه التي بها اكتسب الخير أو الشر.
يقول -تعالى- مبينا هول ذلك الموقف: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف:49).
قال ابن كثير: «وقوله:(ووضع الكتاب) أي: كتاب الأعمال، الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير (فترى المجرمين مشفقين مما فيه) أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة، (ويقولون ياويلتنا) أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا (مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) أي: لا يترك ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا عملا وإن صغر (إلا أحصاها) أي: ضبطها، وحفظها».
ومن عدل الله -تعالى- أن يقيم البينات على عبده بما لا يدع مجالا للإنكار أو التسويغ كما قال الله تعالى:{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}( الإسراء:13-14).
قال الشيخ ابن سعدي: «هذا إخبار عن كمال عدله: أن كل إنسان يلزمه طائره في عنقه، أي: ما عمل من خير وشر يجعله الله ملازما له لا يتعداه إلى غيره، فلا يحاسب بعمل غيره ولا يحاسب غيره بعمله.
{ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} فيه عمله من الخير والشر حاضرا صغيره وكبيره، ويقال له: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}.
وهذا من أعظم العدل والإنصاف أن يقال للعبد: حاسب نفسك، ليعرف ما عليه من الحق الموجب للعقاب».
وقال الطبري: «وعنى بقوله: {اقرأ كتابك}: اقرأ كتاب عملك الذي عملته في الدنيا، الذي كان كاتبانا يكتبانه، ونحصيه عليك {كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} يقول: حسبك اليوم نفسك عليك حاسبة تحسب عليك أعمالك، فتحصيها عليك، لا نبتغي عليك شاهدا غيرها، ولا نطلب عليك محصيا سواها.
وعن قتادة في قوله تعالى: {اقرأ كتابك} قال: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا». وقال الحسن: «يقرأ الإنسان كتابه أميا كان أو غير أمي».
قال القرطبي: «قال بعض الصلحاء: هذا كتاب، لسانك قلمه، وريقك مداده، وأعضاؤك قرطاسه، أنت كنت المملي على حفظتك، ما زيد فيه ولا نقص منه، ومتى أنكرت منه شيئا يكون فيه الشاهد منك عليك».
قال الشنقيطي: «قوله -جل وعلا- في هذه الآية الكريمة: {ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} ذكر -جل وعلا- في هذه الآية الكريمة: أن ذلك العمل الذي ألزم الإنسان نفسه إياه يخرجه له يوم القيامة في كتاب يلقاه منشورا، أي مفتوحا يقرؤه هو وغيره.
وبين أشياء من صفات هذا الكتاب الذي يلقاه منشورا في آيات أخر:
فبين أن من صفاته: أن المجرمين مشفقون; أي خائفون مما فيه، وأنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنهم يجدون فيه جميع ما عملوا حاضرا ليس منه شيء غائبا، وأن الله -جل وعلا- لا يظلمهم في الجزاء عليه شيئا.
وبين في موضع آخر: أن بعض الناس يؤتى هذا الكتاب بيمينه - جعلنا الله وإخواننا المسلمين منهم - وأن من أوتيه بيمينه يحاسب حسابا يسيرا، ويرجع إلى أهله مسرورا، وأنه في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية،قال تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا}(الانشقاق: 7-9).
وقال تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية} (الحاقة: 19-23).
وبين في موضع آخر: أن من أوتيه بشماله يتمنى أنه لم يؤته، وأنه يؤمر به فيصلى الجحيم، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ذراعا، وذلك في قوله: {وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه ياليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه}(الحاقة: 25-32).
وبين في موضع آخر: أن من أوتي كتابه وراء ظهره يصلى السعير، ويدعو الثبور وذلك في قوله: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا}.
وقوله تعالى: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}(الانشقاق: 10-12) يعني أن نفسه تعلم أنه لم يظلم، ولم يكتب عليه إلا ما عمل ; لأنه في ذلك الوقت يتذكر كل ما عمل في الدنيا من أول عمره إلى آخره، كما قال تعالى: {نبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر}(القيامة: 13).
قال القرطبي: «فتوهم نفسك يا أخي إذا تطايرت الكتب، ونصبت الموازين، وقد نوديت باسمك على رؤوس الخلائق، أين فلان بن فلان؟ هلمَّ إلى العرض على الله تعالى، وقد وكلت الملائكة بأخذك فقربتك الى الله، لا يمنعها اشتباه الأسماء باسمك واسم ابيك، إذا عرفت أنك المراد بالدعاء إذا قرع النداء قلبك، فعلمت أنك المطلوب، فارتعدت فرائصك، واضطربت جوارحك، وتغير لونك، وطار قلبك، وتخطوا بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه، والوقوف بين يديه، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم، وأنت في أيديهم، وقد طار قلبك، واشتد رعبك لعلمك أين يراد بك.
فتوهم نفسك وأنت بين يدي ربك، في يدك صحيفة مخبرة بعملك، لا تغادر بلية كتمتها، ولا مخبأة أسررتها، وأنت تقرأ ما فيها بلسان كليل، وقلب منكسر، والأهوال محدقة بك من بين يديك ومن خلفك، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكرتها، وكم من سيئة قد كنت أخفيتها قد أظهرها وأبداها، وكم من عمل ظننت أنه سلم لك وخلص فرده عليك في ذلك الموقف، وأحبطه بعد أن كان أملك فيه عظيما، فيا حسرة قلبك ويا أسفك على ما فرطت فيه من طاعة ربك.
فتوهم نفسك إن كنت من السعداء، وقد خرجت على الخلائق مسرور الوجه، قد حلّ لك الكمال والحسن والجمال، كتابك بيمينك، آخذ بضبعك ملك ينادي على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً.
أما إن كنت من أهل الشقاوة، فيسود وجهك، وتتخطى الخلائق، كتابك في شمالك أو من وراء ظهرك، تنادي بالويل والثبور، وملك آخذ بضبعك ينادي على رؤوس الخلائق: ألا إن فلان بن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً».
فهذه الآية الكريمة إعذار من الله -تعالى- لعباده؛ فقد أخبرهم بما يكون يوم القيامة من إقامة الأشهاد ونشر الكتب، ليستعدوا لذلك الموقف، فلا يضعوا في صحف أعمالهم إلا ما يسرهم وينفعهم عند الله تعالى، ويجتنبوا فعل ما يسوؤهم، وإن زلت أقدامهم بادروا بمحو ما سطرت أيديهم بالتوبة النصوح والعمل الصالح، وفقنا الله وإياكم لكل خير.
لاتوجد تعليقات