استعادة الثقة بين الحاكم والمحكوم تنهي حمامات الدماء وتمهد السبيل لمصالحات واسعة -العالم العربي والخروج من الأزمة
لا شك أن خروج العالم العربي من المأزق الشديد الذي يعانيه حاليًا والذي يعد أكبر تحد يواجهه منذ نكسة 1967، يشكل همًا كبيرًا لكل الوطنيين العرب والغيورين على استقرار ورخاء أمتهم وأوطانهم، فالأزمات التي تعانيها مصر وتونس ومن بعدهما اليمن وسوريا وليبيا تشير لمدى المأزق الذي تعانيه المنطقة، فحالة الاضطرابات الأمنية ونعوش آلاف الشهداء التي تحاصر العواصم العربية تجعل البحث عن حلول للخروج من هذا المأزق ضرورة حتمية.
ونتيجة صعوبة الأوضاع في البلدان العربية خصوصًا في الثلاثي المشتعل حاليًا «اليمن وسوريا وليبيا» وسقوط مئات القتلى يوميًا في هذه البلدان خصوصًا في سوريا التي استخدم فيها النظام الحاكم كل الحيل للبقاء في السلطة حتى لو ضحى بآلاف الشهداء فإن استمرار الوضع الحالي في البلاد يعد نوعًا من العبث.
فالواضح حتى الآن أن النظام السوري قد استفاد بشدة من مصير النظامين المصري والتونسي وأخذ الحيطة والحذر لكيلا يواجه السيناريو نفسه، حيث استعان بالصديق الإيراني وعملائه في لبنان ليذيقوا الشعب السوري الأمرين لتصفية متظاهريه والقبض على أطفاله ونسائه وتعذيب رجاله في زنازين النظام العلوي وسط صمت إسلامي مطبق.
سيناريو دموي
وما يحدث في سوريا مثله يتكرر في ليبيا حيث أذاقت كتائب القذافي الشعب الليبي الأمرين في مدن الوسط والغرب الليبي؛ حيث تعمدت رفع معدل الخسائر في صفوف الثوار لعلهم يقبلون المقايضة مع نظام العقيد ويقدمون تنازلات قد تفضي إلى تقاعده وعدم مغادرته ليبيا مع تقديم ضمانات تستبعد ملاحقته.
وإذا كانت الأوضاع في سوريا وليبيا على هذه الوتيرة السيئة فإن الأوضاع في اليمن ورغم تدهورها إلا أنها تبقى الأقل سوءًا حيث لم تشهد مدنها حتى الآن قتالاً من شارع إلى شارع كما يحدث في سوريا وليبيا، إلا أن الأزمة اشتعلت بعد استهداف الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في مسجد قصر الرئاسة في صنعاء بشكل وضع اليمن على شفير الأزمة.
ولا شك أن حل الأزمة اليمنية يبدو أكثر سهولة من الأزمتين في سوريا وليبيا، فالمبادرة الخليجية التي ما زالت مطروحة لتسوية الأزمة كما أكد وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل تشكل حلاً منطقيًا لتسويتها، خصوصًا أن الرئيس اليمني وبحسب مصادر متطابقة قد أقر بالتنازل عن السلطة غير أنه ماطل في تنفيذها عله يستطيع إجبار المعارضة على تقديم تنازلات تمنع ملاحقته وعائلته والموالين له خصوصًا قيادات الحرس الجمهوري التي تنسب إليها كثير من العمليات المشبوهة ضد المتظاهرين في المدن اليمنية.
أزمة ثقة
ومن البديهي التأكيد أن أزمة فقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم هي المسؤولة عن الأوضاع السيئة التي آلت إليها الأوضاع عربيًا، فوصول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى هذا المنحى السيئ ووصول معدلات البطالة لأكثر من 25 مليون عربي أغلبهم من الشباب ومحاصرة الفقر لأغلب الدول العربية دون وجود أي سياسات لمحاصرته هي من فجرت الأحداث.
لذا فمن المهم التأكيد أن قيام أغلبية الأنظمة العربية بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية يشكل السبيل الأول لحل الأزمة كما يؤكد د. حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، فمثل هذه الأجواء المتوترة على كافة الأصعدة هي التي جعلت الأوضاع تخرج عن السيطرة وتجعل شعوبا عديدة من البلدان تضحي بدمائها وزهرة شبابها للخلاص من الديكتاتورية؛ لذا - والكلام مازال لنافعة - فمن الواجب على الأنظمة العربية خصوصًا في البلدان التي تشهد ثورات إقرار مثل هذه الإصلاحات التي تخفف قبضتها على السلطة وتكرس من تداول السلطة وتنهي زمن الحزب الواحد وتفكك المؤسسات الأمنية القمعية وتعيد هيكلتها وفق أسس جديدة تحترم حقوق الإنسان وتنهي للأبد عصور المعتقلات والزنازين وزوار الليل.
ولفت نافعة إلى أن تردد النظم الحاكمة في عدد من الدول العربية في إقرار إصلاحات شاملة وجذرية هو الذي فجر الصراعات والتوترات وحال دون الوصول لحلول وسط بين الشعوب والأنظمة التي ساحت على مقاعدها دون أن تسعى لتحسين أوضاع شعوبها.
ورأي أن مشاركة جميع مؤسسات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية في إيجاد حلول للأزمات المشتعلة يعد ضروريًا للغاية بشرط أن تؤدي هذه المؤسسات دورها باستقلالية ولا سيما أن حالة الانهيار التي أصابت مؤسسات الدولة في البلدان الخمسة التي اشتعلت فيها الأحداث قد أدت الدور الأهم في استبعاد الحلول السلمية لهذه الأزمات.
ظواهر إيجابية
ورغم قتامة الأوضاع في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة إلا أنه لا يخلو من ظواهر إيجابية منها استعادة بعض مؤسسات المجتمع وعلى رأسها المؤسسات الدينية لاستقلاليتها وانهيار السيطرة الأمنية التي غدت خلال السنوات الأخيرة كموجة لسياسيات هذه المؤسسات، بل إن القيود قد رفعت عن الأنشطة الدعوية بمختلف ألوان طيفها حيث أتيحت الحرية لجميع التيارات الدينية لممارسة دورها بعيدًا عن الحصار الأمني.
ومن المؤكد أن مثل هذه الظروف توفر أجواء إيجابية لاستعادة الهوية الإسلامية بعدد من الدول العربية عبر نشر الفكر الإسلامي السليم والنابع من كتابنا وسنة نبينا وعمل سلفنا الصالح، وهو الدور الذي تصاعد في عدد من البلدان العربية وفي مقدمتها مصر.
وفي الإطار ذاته لا يمكن تصور تصاعد الدور الدعوي للتيارات الإسلامية دون أن يكون للأمر وجه إيجابي في محاربة التيارات الوافدة والفكر الضال الذي سيطر على المشهد في عدد من البلدان الإسلامية، فهذا طائفي والثاني علماني والآخر عروبي وقومي وهي التيارات التي تضررت بشدة من قيام الثورات في العالم العربي ولا سيما أن مناخ الحرية الذي أتيح للتيارات الإسلامية سيستغل في تجريف هذا الفكر الضال وتعرية رموزه بعد أن حيل بينها وبين تحقيق هذا الهدف طوال العقود الماضية بحجة رغبة الأنظمة الحاكمة في تسويق نفسها دوليًا.
ويدعم هذا الطرح السابق كوكبة من علماء الأمة وفي مقدمتهم د. عبد المهدي عبد القادر أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر الشريف حيث يرى أن الدعوة الإسلامية استفادت بشدة من التطورات التي شهدتها المنطقة في الفترة الأخيرة حيث رفعت أغلب القيود وأعطيت الحرية للتيارات الإسلامية لاستعادة دورها الدعوى واستأنفت كافة أنشطتها، وهو ما سيكون له تداعيات إيجابية على مسار الدعوة الإسلامية التي تضررت بشدة طوال العقود الماضية.
وتابع: لاشك أن استعادة الوجه الإسلامي لبلدان المنطقة وغياب شمس أنظمة سعت طويلاً لتكريس الفكر الليبرالي والاشتراكي على حد سواء على حساب تراث الأمة وعقيدتها، سيجعلان المذاهب المشبوهة والفرق الضالة تواجه نفس المصير الذي واجهته الأنظمة الغابرة.
وشدد على أهمية تبني التيارات الإسلامية لخطاب عاقل ومتوازن وواضح يراعي ثوابت الأمة ولا يتجاهل المتغيرات الحالية حتى يستطيع استعادة أرضيتها واكتساب مؤيدين لها خصوصًا من الشباب، ويعيد الأغلبية العظمى من المواطنين لجادة الصواب بعد أن تعرضت لمحاولة تجريف بسبب بطش الأنظمة واستئناس المؤسسات الدعوية الرسمية.
لاتوجد تعليقات