استراتيجيات الغزو الفكري والثقافي لبلاد المسلمين
تحتل القضايا الفكرية والمنهجية أهمية قصوى في ظل عالم يموج بالصراعات الفكرية، وإذا كانت المعارك الحربية تعتمد على الأدوات العسكرية في مواجهاتها؛ فإن الحرب الفكرية تعتمد على الأدوات المعرفية والثقافية، وإذا كانت الحروب العسكرية تحتل الأرض وتقتل الجسد؛ فإن الحروب الفكرية تأسر العقل وتغتال القلب، وينزف الجسد فيها بلا دماء، وفي الوقت الذي تخلق فيه الحروب العسكرية روح المقاومة، وتدفع إلى الصمود والممانعة؛ إذ بالحروب الفكرية تأسر ضحاياها؛ فيتغنون بجمالها، ويذوبون عشقاً في حضارتها ورقيها، ومن هنا درج الباحثون على تسمية هذا النوع من الحرب بـ (الغزو الفكري).
الحروب الفكرية
وما أبعدنا النجعة إذا قلنا: إن الحروب الفكرية أخطر أثراً وأشد فتكاً من الحروب العسكرية، وأشهر مثال على ذلك ما شهده العالم من صراع فكري بين المدرسة الغربية الليبرالية متمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبين المدرسة الشرقية الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفيتي في الفترة الممتدة ما بين عام 1945 وحتى عام 1991، التي أطلق عليها فترة الحرب الباردة؛ حيث كان الصراع بين القطبين الكبيرين على أشده، رغم أنه لم يتم إطلاق رصاصة واحدة بين الدولتين، ومع ذلك كانت حربا بكل ما تحمله الكلمة من معان، وقد انتهت بهزيمة الاتحاد السوفيتي وتفككه في عام 1991.
هزيمة الاتحاد السوفيتي
والسبب الأظهر في هزيمة الاتحاد السوفيتي، أن أمريكا استطاعت أن تغزوه فكرياً، وتمكنت بفعل الأدوات الثقافية، والفكرية، والدعائية، أن تنفذ إلى العمق السوفيتي، ونجحت في نقل ثقافة الحياة الأوروبية إلى الشعوب هناك، حتى أنها نقلت ثقافة الوجبات السريعة (ماكدونالدز مثالاً) ونقلت كذلك مظاهر الزي الغربي (الجينز مثالا)، وما أن انتشرت تلك المظاهر داخل الشعوب التابعة للاتحاد السوفيتي، حتى تنبأ المحللون بقرب أفول نجمه وقد كان؛ فعلى الرغم من أن الصراع كان بين حضارتين كافرتين، إلا أن النصر كان حليفاً للطرف الأقدر على اختراق المجتمعات من داخلها وتغيير مفاهيمها وثوابتها وأصولها الفكرية والأيدلوجية.
أطول صراع فكري
انتهى أضخم صراع فكري وأطوله في التاريخ المعاصر بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي بهزيمة السوفييت؛ فاعتقد المفكرون الغربيون أن الحضارة الغربية ينبغي أن تسود ما دامت أنها خرجت منتصرة، وأنه يجب على المنتصر أن يفرض ثقافته على غيره، ومن هنا ظهر مصطلح (العولمة) في مقابل (العالمية)؛ إذ إن العولمة تشير إلى وجود الإرادة والرغبة في تنميط العالم وفق الثقافة المرادة، بخلاف العالمية التي كانت تعتمد على نوع من التلقائية والمرونة.
أطروحتان في غاية الخطورة
وفي هذا التوقيت ظهرت أطروحتان في غاية الخطورة، الأولى تتحدث عن فكرة (صدام الحضارات) لـ(صموئيل هنتجنتون)، والثانية تؤسس لفكرة (نهاية التاريخ) لفوكاياما، وكلا الفكرتين ترسخان لمبدأ انتصار الحضارة الغربية وضرورة أن تنضوي الشعوب والدول بأسرها تحت هذه الراية.
الخطر الأخضر
وكانت العقبة التي تعترض هذه الرغبة العارمة في إخضاع العالم هو (الإسلام)، وقد انتشرت مقولة: (الخطر الأخضر) في مقابل مقولة: (الخطر الأحمر)، والمقصود بالأولى الإسلام، وبالثانية الشيوعية، وبالتالي فالولايات المتحدة الأمريكية ما إن فرغت من مواجهة الخطر الأحمر الشيوعي حتى شحذت أسلحتها لمواجهة الخطر الأخضر الإسلامي، وأدرك الغرب أن المهمة صعبة؛ فمواجهة أفكار (كارل ماركس) التي تتصادم مع الطبع الإنساني والفطرة البشرية، تختلف عن مواجهة الدين الحق الذي أنزله الله ليحكم البشر في كل زمان ومكان، وهنا كان الصراع مختلفاً وطويلاً وعنيفاً.
خطة عمل
وبالتالي قامت خزانات الفكر الغربية ودوائر صنع القرار هناك بالدراسات المستفيضة والنقاشات المعمقة لكي تخرج بخطة عمل متعددة المحاور، متنوعة الأساليب لكي تواجه هذا المارد الفتاك في نظرهم، وانطلقت جحافلهم لتهاجم الإسلام صراحة في أصوله ومبادئه وتشريعاته، وخرج الزنادقة والمنافقون يطعنون في الدين صراحة، وينكرون المعلوم من الدين بالضرورة، ويجحدون الثوابت التي استقرت عليها الأمة عبر التاريخ، رغم أنهم من أبناء جلدتنا، ويعيشون معنا، ويتسمون بأسمائنا.
نبش التاريخ
ونبش المستشرقون في التاريخ ليستخرجوا منه بالباطل والكذب والزور ما يشوه تاريخ الأمة، ويلوث مسيرتها الناصعة؛ فسلطوا الضوء على بضعة مواقف تاريخية كان فيها نوع من الخطأ والتجاوز، وأضافوا لها الكثير والكثير من الافتراء والتجني حتى يقطعوا صلة الأجيال المعاصرة بماضيها المشرق، ومجدها التليد، ووظفت أقلام مأجورة للطعن في شموس الإسلام وأعلام البشرية، بدءاً بالصحابة، ومروراً برواة الأحاديث، وانتهاء بعلماء كل عصر ومصر.
إحياء البدع
وتوغلوا في البحث والتنقيب أكثر؛ فوجدوا أن إحياء البدع ودعم الطوائف المنحرفة عن الكتاب والسنة أمر كان له بالغ الأثر في هزيمة الأمة عبر تاريخها، حتى أن الدولة العثمانية وهى آخر دولة إسلامية جامعة كان من أهم عوامل سقوطها انتشار البدع القبورية، والاعتقادات الشركية، وظل هذا المرض ينخر في جسدها حتى خرت صريعة في عام 1924، من هنا خرجت التقارير الغربية لتوصي بدعم الصوفية وغيرها من الطوائف البدعية.
الخلاف بين الجماعات الإسلامية
كما أنهم أدركوا أثر الخلاف بين الجماعات الإسلامية؛ فلعبوا على هذا الوتر حتى تنشغل جماعات الإصلاح عن مقاصدها الرئيسة وأهدافها الأساسية؛ لتتفرغ للمعارك الجانبية، والتنافس المذموم، والاحتراب الداخلي.
الاستراتيجية الغربية
الخطير في هذا الصراع أن الاستراتيجية الغربية في مواجهة الإسلام تتسم بسمات خمس كبرى كما يلي: المرونة، وتعدد البدائل، وتنوع الأساليب، وطول النفس، والدعم المادي غير المحدود؛ فالمرونة تظهر في أنها تستخدم الأوراق المتاحة في الوقت نفسه لتحقيق الهدف المطلوب؛ فبينما هي لا تريد الإسلام الصوفي لكونه يتعارض مع أصل الفكرة العلمانية؛ إذ بها تستخدمه في مواجهة الإسلام السني.
وتعدد البدائل يظهر في تجربتها للمسارات مهما كانت مستغربة؛ فبينما تعلن أمريكا أنها تحارب جماعات العنف والتطرف وأن مخاطر تلك الجماعات يصل إلى عقر دارها، إلا أنها تدعم داعش وتوفر لها الغطاء لكي تنقل مدرعاتها وعرباتها العسكرية (الأمريكية الصنع) براً من العراق إلى سوريا، ومن سوريا إلى الصحراء الغربية وهكذا.
جبهات الهجوم والاختراق
وتنوع الأساليب يظهر في قدرتها على تحريك جبهات الهجوم والاختراق بنظام متواز؛ فمجموعات الانحلال والتفسخ الأخلاقي تعمل على تدمير الأخلاق والأسرة والعبث في ثوابت المجتمع، وميليشيات الإلحاد تخاطب الشباب بالتمرد على الدين والكفر بالإله، وجحافل التنصير تتحرك لتشكيك المسلمين في دينهم، وزعزعة إيمانهم بثوابتهم، والراغب في التدين تصدر له الصور المنحرفة والمغلوطة عن الدين حتى يبتعد لأقصى حد عن نور الكتاب والسنة.
أما طول النفس؛ فلأنها تدرك طبيعة الصراع وطبيعة العدو الذي تواجهه، وهي تدرك جيداً مصادر القوة التي يحتمي بها المسلمون عبر التاريخ، وبالتالي تبدو خطواتها متأنية متدرجة لا تتعجل قطف الثمرة، ولا حصد النتائج. ويأتي أخيراً الدعم المادي الذي يملأ أدراج مكاتب المؤسسات المشبوهة، ويظهر كذلك في الصحافة، والإعلام، والفن؛ فالكتاب والرواية والفيلم والمسلسل، كلها وسائل تُستغل لتغريب الأمة وسلخها عن دينها وقيمها وثوابتها.
لاتوجد تعليقات