«احفظ الله يحفظك» المرجفون وتهديد أمن البلاد
إنَّ مِن أعظم نِعَمِ الله -عزّ َوجلَّ- على بني الإنسان - بعد نعمة الدِّين والإسلام - نعمة الأمن والاستقرار، هذه النعمة امتنَّ الله بها على قريش حين أعرضوا عن دِين محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فقال -سبحانه-: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء}(القصص: 57)، وذكرهم بأحوال الذين فقَدُوها من حولهم؛ فقال - عزَّ مِن قائل -: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}(العنكبوت: 67) الآية، ثم جعلها لعظمها داعيًا لهم إلى الإيمان؛ فقال - جلَّ ذِكرُه -: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}(قريش: 3 - 4).
إنَّ حاجة الإنسان للأمن والاطمئنان كحاجته إلى الطعام والشراب والعافية للأبدان، كيف لا؟ وقد جاء الأمنُ في القرآن والسنة مَقرُونًا بالطعام الذي لا حياة للإنسان ولا بقاء له بدونه! وقد امتنَّ الله به على عباده، وأمرهم أنْ يَشكُروا هذه النِّعَم بإخلاص العبادة له؛ فقال -تعالى-: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}(قريش: 3 - 4)، وقال -تعالى- في الوعد بحسن الجزاء وعظيم المثوبة للمؤمنين: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}(الأنعام: 82)؛ فالمحافظة على أمن البلاد والحرص على التلاحم بين أفراده مطلب شرعي، وأمانةٌ عظيمة.ومن مهددات أمن المجتمع وجود مرجفين يعملون على نشر الإشاعات وبث الفتنة قال: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا}(الأحزاب : 60-61).
أنواع الإرجاف
الإرجاف ثلاثة أنواع:
(1) الأخبار الكاذبة التي لا أساس لها من الصحة، التي يفتريها أعداء الإسلام ومروِّجو الإشاعات والأكاذيب، افتراءً على الإسلام وأهله.
(2) الأخبار المشكِّكة، التي أصلها صحيح، وفروعها لا أساس لها من الصحة، وهي عناوين صحيحة فقط، والمضامين كاذبة، وكالعادة فالناس يحفظُون العناوين، وينسَوْن المضامين.
(3) الأخبار السيئة التي أصلها وفرعها صحيح، الأخبار والعيوب التي يجب أن تستر؛ فيفشيها ويضخمها أعداء الدين ومشعلو نار الفتنة، ومنها أخبار الفتن والشر.
أسباب الإرجاف ودواعيه
للإرجاف أسباب ودواعٍ، منها: بثُّ الفتن والاضطرابات والإشاعات بين الناس، الحرب النفسية والهزيمة النفسية، التخذيل والتثبيط للهمم، نقل الأخبار بلا روية وتثبت، دعوة إلى الخمول واليأس، وفقدان الثقة، إسقاط الرموز، الصد عن سبيل الله، تخذيل الجيوش.
نماذجُ للإرجاف
أما عن نماذج الإرجاف في حياتنا، فحدِّث ولا حرَجَ؛ فالإرجاف يضرب شتى مناحي الحياة، وسنذكر نموذجًا لكل منحى من مناحي الحياة.
مجتمع الإنترنت
أما عن الإرجاف في مجتمع الإنترنت؛ فكثير جدًّا، ومن أمثلته: نشر القصص الفاسدة والباطلة، وتهويلها وتضخيمها، سواء كانت صحيحة أم غير صحيحة، ليظهر للناس أن هذا الوضعَ الفاسد هو الوضعُ القائم في المجتمع؛ وذلك ليزعزع الأمان في المجتمع، ويخذل المصلحين عن سلوك سبيل الإصلاح، ويعطي للناس صورة خطأ عن المجتمع، وأنه مجتمع فاسد لا سبيل إلى إصلاحه؛ ليزيد الناس وهنًا على وهن، وإحباطًا على إحباط، ويثبطهم ويخذلهم، ويغلق أيَّ بارقة أمل من الإصلاح في وجوههم.
أما عن الإرجاف والطعن في العلماء والمصلحين في مجتمع الإنترنت؛ فوصل إلى نتيجة خطيرة، ومن أمثلتها أن بعض الشباب يأتي بخطأ يسير لعالم من العلماء، وينشره بعد تضخيمه وتهويله، ويبدِّع العالم ويفسِّقه بهذا الخطأ اليسير؛ ليخذل الناسَ ويصدَّهم عنه وعن دعوته، وخطورة الطعن في العلماء والمصلحين كبيرة؛ لأنه يصد الناسَ عن كثير من العلماء والعاملين، وكثير من الشباب يقوم بهذا الدور دون أن يدري خطورة ما يقوم به، من صدٍّ عن سبيل الله، وتعويق للدعوة ودعاتها؛ فيبدِّع ويفسق دون أن يكون مؤهلاً. ومع الأسف- كثير من المنتديات خصَّصت أقسامًا للطعن في العلماء، رافعين شعارَ الجرح والتعديل، والله يعلم كم أفسدوا وخذلوا كثيرًا من العلماء الربانيين! وقد مررتُ بتجربة عندما دخلت على بعض هذه المنتديات؛ فوجدت قائمة طويلة من العلماء - بل وبعض الفنانين والكتاب - يعدونهم بجملتهم مبتدعة، ومن بينهم قاسم أمين وغيره من الكتاب، ترى ما علاقة هذا الرجل بالعلماء؟! إنهم يجعلونه معهم في مركب واحد، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
الإرجاف في الصحف
أما عن الإرجاف في الصحف فهو الطامة الكبرى، والبليَّة العظمى؛ فهو أشد تأثيرًا وانتشارًا من الإنترنت؛ فهو بوتقة الإعلام الأولى، ومن أمثلته في حياتنا نشر الأخبار الكاذبة، بل وتضخيمها وتهويلها؛ لنشر فكرة فاسدة بين الناس عن المجتمع وما يجري فيه، ولكلٍّ هدفٌ في نشر تلك الأراجيف، من صدٍّ عن سبيل الله، وإشاعة الفاحشة والفساد في المجتمع، ونشر الفتن، وعدم رغبة أن يعود الناس لدين رب العالمين، ورغبة استمرار الفساد في المجتمع، وتشويه صورة العلماء والمصلحين، كلُّ ذلك نصرةً لأهل الباطل وعوناً لهم على باطلهم وزخرفته أمام الناس.
ومن أمثلة الإرجاف في الصحف، نشر الأخبار السيئة التي تكون صحيحة، وذلك مثل نشر الحوادث التي تحدث في المجتمع؛ مما يوحى للناس بفساد المجتمع، وألا أمل في الإصلاح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «من قال: هلك الناس فهو أهلكُهم»، والحكم بفساد المجتمع يؤدِّي إلى قتل العزائم والهمم التي تسير في طريق الإصلاح، ومن أمثلته أيضًا نشر سير أهل الباطل والعلمانيين وتلميعها، ومحاربة أهل الصلاح والإصلاح، وتشويه صورتهم، بافتراء الأكاذيب عليهم.
الإرجاف في الكتب
أما الإرجاف في الكتب؛ فكثير من الكُتاب يقوم ببثِّ الشبهات الفاسدة، التي تشكِّك الناس في دينها، وتفقدها ثقتها بالعلماء والصالحين، وكثير من الكُتاب يُكثِر الكلامَ عن الفتن؛ ليوحي للناس بأن الأمر قد انتهى، وأن زمن الإصلاح قد ولَّى، ويجب أن نعلم أن الكِتاب وسيلة كبيرة من وسائل المعرفة، وله أهمية كبرى، يُنشَر فيه ما ينفع الناسَ، ولكن عندما تنشر الأراجيف في الكتب، تبقى مضرتها كبيرة.
إرجاف المنافقين
وأشدُّ إرجاف يؤثِّر في الأمَّة هو إرجاف المنافقين والمثبِّطين وأعداء الدين، المنسوبين للإسلام والمسلمين، والمهزومين بدرجة جعلتْهم أبواقًا لنصرة أعداء الأمة؛ فيقومون بتخذيل الأمة وتثبيطها عن مواجهة عدوِّها، ويثيرون الرعب في الأمة، وذلك بالمبالغة في وصف قوة الأعداء، وكثرة عددهم وعُدتهم، وقوة بأسهم وقدرتهم القتالية، وأنهم صناع القرار في العالم، ويبثُّون في الأمة الفرقة والشقاق، والوقيعة والدس، ويبثون في الأمة اليأس من تحقيق النصر.
آثار الإرجاف ومضاره
خطر الإرجاف على المجتمع وعلى الأمَّة كبير جدًّا، وسنذكر بعض هذه الأخطار والمضار بإيجاز:
الهزيمة النفسية والمعنوية
الهزيمة النفسية من أخطر أضرار الإرجاف على الأمة؛ لأن الحرب النفسية أعمُّ وأشمل من أي حرب أخرى؛ لأن هدفها ذاتُ الإنسان وعقله، وفكره وعقيدته، والأمة كالفرد في ذلك، والانتصار يبتدئ من العقل والقلب، والنفس والإرادة، والهزيمة كذلك تبتدئ منها.
ضعف الثقة بالله
الإرجاف يؤدي إلى فقدان الثقة، وإذا فقد الإنسان ثقته بنفسه؛ فلن يصنع نجاحًا، وكذلك إذا فقد ثقته بربِّه؛ قال - تعالى -: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّه}(آل عمران: 173، 174).
معاونة أهل الباطل في باطلهم
عندما يجد أهلُ الفساد المساعدةَ والمعاونة، يزدادون نصرةً لباطلهم، ويحثون السعي وراء مآربهم ومصالحهم؛ لذلك نهى القرآن الكريم عن التعاون على الإثم والعدوان، قال - تعالى -: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}(المائدة: 2)؛ لأن المعاونة والتشجيع على الإثم والعدوان، إنما يضر المجتمع ضررًا كبيرًا، ويشيع الفاحشة والفساد في الأمة.
زرع اليأس في نفوس المسلمين
فعندما يجد المسلمون سطوةَ المرجفين، وأبواقهم، وكثرة الفساد والباطل، وانتشاره كانتشار النار في الهشيم - يَنبُت اليأسُ في قلوبهم، ويكثر القنوط في ديارهم، وتخور عزائمهم عن السير في طريق الإصلاح، ويموت الأمل الذي يشجعهم على المسير.
علاج الإرجاف
يتلخص العلاج في الخطوات التالية:
- التوبة من هذا الداء العضال، والإقلاع عنه، وطلب العفو والمغفرة من الله -سبحانه وتعالى.
- على ناقلي الأراجيف أن يدركوا خطورة هذا الأمر؛ لما فيه من أذية للمسلمين وجماعتهم.
- التثبُّت من الخبر وتمحيصه قبل إذاعته وإفشائه بين الناس.
- يجب عليهم أن يدركوا حرمة التعاون على الإثم والعدوان؛ قال -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.
لاتوجد تعليقات