رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 30 أكتوبر، 2016 0 تعليق

إلى الذاهبين لاختيار نواب الشعب- القواعد الشرعية في اختيار مرشحي المجالس النيابية

يجب أن تتيقن أن اختيارك للمرشح هو أمانة ومسؤولية أمام الله، وستحاسب عليها ثم مسؤولية أمام المجتمع الذي يقوى بقوة أمانة أفراده ويضعف بضعف أمانتهم

الواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة قدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهم ضرراً فيها

الناخب لا يجوز له أن ينتخب شخصاً لمجرد القرابة أو العطية أو الهدية أو المجاملة أو لمجرد الانتماء القبلي أو الانتماء المكاني أو لمجرد الانتماء في المنهج الدعوى

مشاورة العلماء وأهل الحل والعقد من هدى السلف الصالح فعمر رضي الله عنه جعل الأمر في اختيار الخليفة بعده في ستة نفر وهم أكابر الصحابة وأهل الحل والعقد في وقتهم

 

تتصارع الأهواء، ويتجاذب العقل والعاطفة، وتتنازع الرغبات والمقاصد في الإجابة عن السؤال الأهم الذي هو موضوع حديث اليوم وهو، من ننتخب من المرشحين؟ وقد وضعت الشريعة الإسلامية منطلقات وقواعد وثوابت عدة لاختيار الأصلح من هؤلاء المرشحين ومن تلك القواعد ما يأتي:

الاختيار أمانة ومسؤولية

القاعدة الأولى أن تتيقن أن اختيارك للمرشح هو أمانة ومسؤولية أمام الله، وستحاسب عليها، ثم هي مسؤولية أمام المجتمع الذي يقوى بقوة أمانة أفراده، ويضعف بضعف أمانة أفراده.

     وإن مما ينبغي أن تتذكره دائماً أيها الناخب أن الولايات والمناصب وما يلحق بها هي من الأمانات التي قال الله في شأنها: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»، ولقد حذرنا النبي[ في أحاديث عدة من خطورة هذه الأمانة ومسؤولية هذا الاختيار؛ فقال صلى الله عليه وسلم : «من ولى رجلا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين» رواه الحاكم في صحيحه.

وقال صلى الله عليه وسلم : «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل يارسول الله: وما إضاعتها؟ قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أجمع المسلمون على معنى هذا» أي على أن إسداء الأمر إلى غير أهله من تضييع الأمانة وهو مؤشر على قرب الساعة.

من هنا فإن الناخب لا يجوز له أن ينتخب شخصاً لمجرد القرابة أو العطية أو الهدية أو المجاملة، أو لمجرد الانتماء القبلي أو الانتماء المكاني، أو لمجرد الانتماء في المنهج الدعوى.

نقل ابن تيمية -رحمه الله- كلاماً نسبه إلى الفاروق عمر رضي الله عنه أنه قال: «من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين». ا.هـ

الكفء الأمين

     القاعدة الثانية هو أن يُنتخب الكفء والأمين، وهما كما ذكر العلماء ركنا الولاية، والأمانة أي أن يكون المرشح الذي تنتخبه أميناً، أميناً في نفسه وفي تمسكه بالإسلام، أميناً في تصرفاته وأقواله وأعماله وما استحفظ عليه، أميناً في عدله، أميناً في الأمر الموكل إليه {إن خير من استأجرت القوي الأمين}. والأمانة كما قال ابن تيمية «ترجع إلى خشية الله ولا يشتري بأياته ثمناً قليلاً وتركَ خشية الناس» ا.هـ. فالأمانة هي الصفة الأولى وهي الصفة الكبرى التي يجب أن يفاضل بين المرشحين على أساسها، ولكن من هو صاحب الأمانة؟

تساؤلات عدة

وهنا تأتي الأسئلة الكثيرة: - هل المرشح الذي يأكل الربا ويتعامل بالربا هل هو صاحب أمانة؟!

هل المرشح الذي يحارب ثوابت المجتمع وأعرافه الشرعية هل هو أمين؟!

هل المرشح المستهتر الذي يبحث عن الشهرة والقالة هل هو أمين؟!

قال إمام الحرمين الجويني في كتابه غياث الأمم يقول: «من لا يوثق به في باقة بقلٍ كيف يُرى أهلاً للحل والعقد؟ وكيف ينفذ نصبه على أهل الشرق والغرب؟ ومن لم يتق الله لم تؤمن غوائله، ومن لم يصن نفسه لم تنفعه فضائله» ا.هـ

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها؛ فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربا يتقرب بها إلى الله؛ فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات» ا.هـ

الكفاءة

الصفة الثانية في المرشح والمقياس الثاني في الاختيار هي الكفاءة أي أن يكون المرشح عالماً بما رشح لأجله بأن يكون ذا علم وبصيرة بالأمور وبتدبيرها.. الخ.

     وما أعظم القاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية حينما قال: «القوة في كل ولاية بحسبها»، ثم مثَّل رحمه الله على هذه القاعدة بقوله: - فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلي شجاعة القلب وإلي الخبرة في الحروب والمخادعة فيها، والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلي العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة إلي آخر ما ذكره. فالمقصود أن الكفاءة في كل شيء بحسبه، وقد تكون الكفاءة في الشيء الواحد أن يجتمع في الشخص أكثر من صفة لتتحقق له الكفاءة في الشيء المرشح فيه أو المولى عليه.

بين الكفاءة والأمانة

     القاعدة الثالثة في الاختيار للمرشح وهو محك الاشتباه عند الناس في الاختيار وهو: - أن يوجد مرشح قوي لكفاءته وقدراته العلمية وشخصيته، ولكنه ضعيف من حيث الأمانة، وقد يوجد خلاف ذلك، بأن يوجد مرشح أمين ورع صالح ولكن ليس عنده القدرات والكفاءة التي عند الآخر، وصنف ثالث من المرشحين أن توجد فيه كلتا الصفتين على حد سواء ولكنها صفات وسطية أي لم يبرز في إحداها، وهكذا يتفاوت المرشحون في قدر صفة الأمانة والقوة.

- والجواب: أن الحقيقة التي تقال منذ زمن بعيد إن اجتماع الصفتين في شخص واحد بقوة واحدة هو أمر نادر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: { اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة»؛ فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة قدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهم ضرراً فيها، ثم مثل على ذلك بقوله: يقدم في إمارة الحروب الرجل القوى الشجاع؛ لأن الحاجة هنا للقوة والشجاعة، وإن كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد قُدم الأمين مثلُ حفظ الأموال ونحوها... وقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد قدم الدين، وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات قدم العلم – قال – وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين، ويشير بذلك إلى غير ولاية الحروب، وإلا فولاية الحروب هي للرجل القوى الشجاع.

     ثم قال رحمه الله: «فيولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل فإن لم يوجد الأصلح فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه... وأعدل الناس في كل قوم أمثلهم. ثم قال رحمه الله { فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما أو ولاء أو عتاقة أو صداقة أو مرافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس: كالعربية والفارسية... أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب أو لضَغَن في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى «يا أيها الذين امنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون».

المشورة

     القاعد الرابعة والمنطلق الرابع فيمن نختاره: - هو منطلق وصفة تلازم المسلم في كل أمر يحتاج إلى اتخاذ القرار فيه وهي المشورة، ولكن من نستشير؟ إن المتعين على كل واحد من الناخبين استشارة أهل الحل والعقد وهم العلماء وطلاب العلم والحكماء وأصحاب التجارب الذين عرفوا بقوة إيمانهم وإدراكم للأمور، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «لا غني لولي الأمر عن المشورة فإن الله -تعالى- أمر بها نبيه فقال تعالى: «فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر»، وأبو هريرة رضي الله عنه يقول ما رأيت أحداً قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

صفات من يستشارون

وأما صفات من يستشارون من أهل الحل والعقد، فقد ذكر الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية أن لهم ثلاث صفات:

العدالة

والعدالة تعني أن يكون المستشار عدلاً وهي الاستقامة في الدين والمروءة.

العلم

العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الولاية أو الترشيح.

الرأي والحكمة

ونعني بهما الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو أصلح وبتدبير المصالح أقوم وأعرف

 إذاً فعليك أخي المسلم قبل الانتخاب أن تشاور من يتصف بهذه الصفات وهي: العدالة والعلم والرأي والحكمة، وإياك ثم إياك أن تتبع الهوى أو تسير وراء الرغبات أو العواطف، أو أن ترشح أناساً لا تعرفهم فيدخل عليك الخلل من وجهين: -

الخلل الأول: أنك بترشيحك قد شهدت للمرشح بالصلاحية وأنت لاتعرفه فشهدت بما لا تعلم.

والخلل الثاني: أنك بخست الأصلح حقه في الاستفادة من صوتك وهذا خلاف العدل وضعف في الأمانة.

من هدي السلف

     إن مشاورة العلماء وأهل الحل والعقد هو هدي السلف الصالح؛ فعمر رضي الله عنه جعل الأمر في اختيار الخليفة بعده في ستة نفر وهم علي وعثمان والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن فجعل لهم الخيار في أن يرشحوا الخليفة وهم أكابر الصحابة وأهل الحل والعقد في وقتهم.

قال الطبري -رحمه الله-: «ولم يكن في أهل الإسلام أحد له من المنزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم والمعرفة بالسياسة ما للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم» فهذا يدل على نهج السلف في الاختيار.

     قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتحاضن على الخير أو ليسحتنكم الله جميعاً بعذاب أو ليؤمرن عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم». نقل القرطبي في تسفيره عن بعض السلف وهو ابن خويز منداد قال: «واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدين ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، وأمور الناس فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها» ا. هـ.

     إذا المشورة للعلماء تدخل في أمور الدين وأمور الدنيا وعمارتها وغير ذلك؛ ولذا تتعين الاستشارة على كل ناخب براءة للذمة واتباع للسنة ولله الأمر من قبل ومن بعد. نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يولي عليهم خيارهم، وأن يكفهم شر شرارهم.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك