إعلان القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارات إليها- خطوة خطيرة واستفزاز للمسلمين يفتح على المنطقة تداعيات كارثية
سُئل سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز -رحمه الله- عن السبيل لحل القضية الفلسطينية التي تزداد مع الأيام تعقيداً وضراوة فقال -رحمه الله-: إن المسلم ليألم كثيراً، ويأسف جداً من تدهور القضية الفلسطينية من وضع سيئ إلى وضع أسوأ منه، وتزداد تعقيداً مع الأيام، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في الآونة الأخيرة، بسبب اختلاف الدول المجاورة، وعدم صمودها صفاً واحداً ضد عدوها، وعدم التزامها بحكم الإسلام الذي علق الله عليه النصر، ووعد أهله بالاستخلاف والتمكين في الأرض، وذلك ينذر بالخطر العظيم، والعاقبة الوخيمة، إذا لم تسارع الدول المجاورة إلى توحيد صفوفها من جديد، والتزام حكم الإسلام تجاه هذه القضية، التي تهمهم وتهم العالم الإسلامي كله.
فالقضية الفلسطينية قضية إسلامية أولاً وأخيراً، ولكن أعداء الإسلام بذلوا جهوداً جبارة لإبعادها عن الخط الإسلامي.
من أين بدأت الحكاية؟
رغم مرور 36 عامًا على قرار الاحتلال اليهودي، بضم الجزء الشرقي من مدينة القدس إليها عام 1980 -الذي احتلته بعد حرب سنة 1967- وإعلان المدينة عاصمة لها، إلا أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي – بما فيه الولايات المتحدة آنذاك- لا يعترف بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل)، وتعد القدس الشرقية جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا يعترف بضمها للدولة العبرية.
كما أبقت الكثير من دول العالم، قنصلياتها في المدينة، بهدف خدمة الفلسطينيين القاطنين فيها، رغم استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وكان لافتًا أن الكثير من دول العالم، قررت عقب القرار الإسرائيلي بضم (القدس الشرقية) عام 1980، نقل سفاراتها من (القدس الغربية) إلى (تل أبيب) رغم إقرارها بأن الشطر الغربي من المدينة أراضٍ يهودية.
موقف (ريجان)
إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية وقعت مع (إسرائيل) في 19 كانون الثاني 1982 وبالتحديد في اليوم الأخير لولاية الرئيس الأمريكي (رونالد ريغان) على وثيقة خطيرة، تتناول وضع القدس العربية المحتلة وسميت (اتفاق إيجار وشراء الأرض) حصلت الحكومة الأمريكية بموجبها على قطعة أرض من أملاك الوقف الإسلامي والأملاك الفلسطينية الخاصة في القدس الغربية المحتلة عام 1948 لبناء السفارة الأمريكية عليها.
وكانت الحكومة الأمريكية قبل التوقيع على هذه الوثيقة تُعدُّ القدس كياناً منفصلاً –كما تحدثنا- خارج نطاق السيادة الإسرائيلية. وعُدّ التوقيع على هذه الوثيقة اعترافًا ضمنيًا أمريكيًا بسيادة (إسرائيل) على القدس المحتلة، وفي الوقت نفسه يحرم القانون الدولي الحصول على أرض من سلطة الاحتلال عن طريق الاستئجار أو الشراء.
قرار نقل السفارة
وفي عام 1990، اتخذ الكونغرس الأمريكي قراراً برقم (106)، نص على نقل السفارة الأمريكية من (تل أبيب) إلى القدس المحتلة، وصدر قانون نقل السفارة الأمريكية في عام 1995، وذلك بعد أربعة أسابيع من توقيع اتفاق طابا (أوسلو) في البيت الأبيض بين دولة الاحتلال والمفاوضين الفلسطينيين، الذي تم فيه الالتزام بعدم المساس بوضع القدس، وتأجيل بحثها إلى مفاوضات الحل النهائي.
احتوت ديباجة القانون الأمريكي آنذاك على المزاعم والأطماع اليهودية كافة في مدينة القدس العربية، وتنكَّر القانون في الوقت نفسه لتاريخ القدس وواقعه والسيادة العربية الإسلامية عليها، ولاسيما وأن السيادة على القدس ثلاثية الأبعاد: فلسطينية أولاً، وعربية ثانياً، وإسلامية ثالثاً. وتضمن القانون ثلاثة بنود:
- الأول أن تبقى القدس موحدة غير مجزأة أي تكريس الاحتلال الإسرائيلي للقدس بشطريها المحتلين، وشرعنته.
- والثاني: يعترف بالقدس الموحدة عاصمة لـ(إسرائيل)، ويدعم الاحتلال بالضم والتهويد والدفاع عنه.
- والثالث: يلزم الإدارة الأمريكية بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس وإقامة مبنى السفارة فيها حتى عام 1999 أو متى يحين الوقت لذلك.
موقف جورج بوش
تلا ذلك، توقيع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في 30 أيلول 2002 قانوناً أقره مجلس الشيوخ الأمريكي ينص على أن (القدس الموحدة) عاصمة للكيان الإسرائيلي؛ مما أثار حينها الغضب والاستنكار الشديدين في جميع العواصم العربية والإسلامية. وقد عدت الدول العربية ذلك القانون خطيرًا، ويهدد الاستقرار في المنطقة، ويدل دلالة كاملة على الانحياز الأمريكي لدعم الاستعمار الاستيطاني اليهودي في القدس وفلسطين وبقية الأراضي العربية المحتلة وتبنيه والدفاع عنه.
موقف أوباما
وأخيرًا، في محطة الرئيس الأمريكي (بارك أوباما)، حاولت إدارته تفادي تطبيق القرار قدر المستطاع، خوفًا من تفجير حالة من الغضب لدى الفلسطينيين وانعكاس ذلك بالطبع على دولة الاحتلال؛ حيث أرجأ (أوباما) أكثر من مرة نقل سفارة بلاده لدى الكيان الإسرائيلي من تل أبيب إلى القدس المحتلة، بالرغم من الضغط الكبير الذي كان يلعبه اللوبي الصهيوني على الإدارة الأمريكية، وبحسب القانون الذي تم تمريره في عام 1995، ولكن القانون كان يجيز للرئيس تأجيل العملية لمدة ستة أشهر لأسباب تتعلق (بالأمن القومي).
لماذا الإصرار هذه المرة؟
يقول الكثير من المحللين والمتابعين للشأن الفلسطيني إن الإدارات السابقة في الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن على استعداد كامل وشجاع لتطبيق هذا القرار، خشية تفجير حالة من الغضب لدى الشعب الفلسطيني والدول العربية، وتأليب المجتمع الدولي عليها، وبالتالي جلب الخطر لنفسها، من خلال الكراهية المتصاعدة ضدها في العالم العربي والإسلامي؛ بسبب دعمها الكامل والمباشر لدولة الاحتلال الصهيوني.
إلا أن الحالة العامة التي تمر بها الدول العربية الآن، بعد الربيع العربي والثورات المضادة التي أوقفت مده، تمنعها من أن يكون لها حراكًا قويًا وكبيرًا ومؤثرًا ورافضَا للسياسة الأمريكية؛ حيث تحاول كل دولة الاهتمام -قدر المستطاع- بشؤونها الداخلية، وحل مشكلاتها التي لا تنتهي.!!!
ماذا يعني قرار نقل السفارة؟
في حال نقلت السفارة الأمريكية إلى القدس فعليًا فإن ذلك سيعني الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة للكيان اليهودي الغاصب، وهذا يعني إسقاط القرار 181 الصادر سنة 1947 والقاضي بإعلان دولتين على الأرض: دولة يهودية أنشئت، ودولة فلسطينية يجب أن تنشأ وتكون عاصمتها القدس الشرقية.
شرعنة الاحتلال
من ناحيته، يقول المحلل السياسي أحمد رفيق عوض: إن نقل السفارة الأمريكية للقدس يعني شرعنة للاحتلال الصهيوني، وتشجيع أطراف أخرى لنقل سفاراتها وقتل عملية التسوية، وبالتالي وضع حد للتفاوض وإنهاء فكرة السلام مع اليهود.
إنهاء اتفاق (أوسلو)
وأضاف عوض، أنه على إثر القرار الأمريكي سينتهي اتفاق (أوسلو) ولن يعد هناك أي صفة للتفاوض، وتنتهي فكرة المشاركة والتسوية والسلام. مشيراً إلى أن القرار الأمريكي يمثل إلغاءً للحقوق الفلسطينية في القدس.
إلغاء القرارات الأممية
وأشار إلى أن القرار الأمريكي يُلغي القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العمومية كلها وضد القرارات الدولية كافة؛ الأمر الذي يمثل تجنياً على كل ما هو فلسطيني، مشدداً على أن القرار خطير على المستوى القانوني والسياسي والإنساني.
زيادة الاضطرابات
من ناحيتها حذرت مجلة (فورين بولسي) الأمريكية من أن المضي قدمًا في خطة الرئيس الأمريكي المنتخب (دونالد ترامب) لنقل السفارة الأمريكية لدى إسرائيل إلى القدس المحتلة، يهدد باندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، واصفة تلك الفكرة بأنها مروعة لإسرائيل وفلسطين وللشرق الأوسط.
ردود الفعل العربية والعالمية
وفي ردها على القرار الأمريكي حذرت دولة الكويت من خلال مندوبها لدى جامعة الدول العربية السفير أحمد البكر، من خطورة ما يتردد حول اعتزام الإدارة الأمريكية نقل سفارتها إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، جاء ذلك في كلمة رئيس وفد الكويت امام الدورة غير العادية لمجلس الجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين لبحث التطورات التي تمس بمكانة القدس ووضعها القانوني والتاريخي، وشدد السفير البكر على ما تحمله هذه الأنباء المقلقة من مخاطر -إن حدثت لا قدر الله- على عملية السلام وانعكاساتها على الأمن والاستقرار في المنطقة، مضيفا قبل كل شيء، بل وأهم شيء هو الحق التاريخي للشعب الفلسطيني في السيادة على هذه المدينة المقدسة.
وقال: إن دولة الكويت لتؤكد مجددا على حقوق الشعب الفلسطيني وسيادته على الأراضي الفلسطينية المحتلة كافة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وأكد في هذا السياق تمسك الكويت بمبادرة السلام العربية لعام 2002 وقرارات الشرعية الدولية بما فيها قرارات مجلس الأمن (242) و( 338) وأن السلام العادل والشامل «هو خيار استراتيجي للدول العربية كافة»، وقال السفير البكر «أن مدينة القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وإن الإقدام على مثل هذه الخطوة سيمثل استفزازا لمشاعر العرب والمسلمين، ولن يخدم مسار السلام أو الاستقرار في المنطقة»، وأضاف: وندين أي إجراءات أو سياسات من شأنها المساس بمدينة القدس أو تشويه هويتها أو عزلها عن محيطها، ونطلب من أصدقائنا في الولايات المتحدة تغليب صوت العقل والحكمة في التعامل مع هذا الموضوع الحساس والحفاظ على دورهم بوصفه وسيطاً نزيهاً بعملية السلام.
الإضرار بمفاوضات السلام
من جهته أكد خادم الحرمين الشريفين للرئيس الأمريكي خلال اتصال هاتفي أن أي إعلان أمريكي بشأن وضع القدس يسبق الوصول إلى تسوية نهائية سيضر بمفاوضات السلام، ويزيد التوتر بالمنطقة، موضحا أن سياسة المملكة كانت وما تزال داعمة للشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية، وشدد على أن من شأن هذه الخطوة الخطيرة استفزاز مشاعر المسلمين كافة حول العالم نظرا لمكانة القدس العظيمة والمسجد الأقصى القبلة الأولى للمسلمين.
خطوة خطيرة
وفي السياق ذاته أكدت رابطة العالم الإسلامي أن الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل يُعد خطوة خطيرة تكابر الحق التاريخي للشعب الفلسطيني في القدس، وتصادم القرارات الدولية المؤكدة على ذلك، وأوضح الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، في بيان له، أن أي قرار من هذا القبيل سيواجه بغضب إسلامي كبير ويفتح تداعيات خطيرة، وأن أبسط ما يُمكن التعبير عنه إزاء هذه الخطوة أنها تمثل الدخول بقضية القدس المصيرية في الوجدان الإسلامي نحو تعقيدات تمس مبدأ عدم التأثير على مفاوضات الحل النهائي.
وأشار إلى أن المأمول من الولايات المتحدة الأميركية السعي الحثيث بها نحو مسيرة السلام ودفعها إلى الأمام، وأن الرجوع بها إلى الوراء سيهدد بمزيد من التداعيات بالغة الخطورة في شأن النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وأضاف أن الرابطة بوصفها مظلة للشعوب الإسلامية تؤكد أن القدس تُمثل في الشعور الإسلامي قضية مهمة لا تقبل سوى الحل العادل والمنصف الذي يحفظ التاريخ والحق؛ ليضع الأمور في نصابها الصحيح دون أي انحياز سلبي أو تعقيد خطير.
سيفتح أبواب الجحيم
حذر شيخ الأزهر د. أحمد الطيب من اتجاه بعض الدول إلى نقل سفاراتها إلى مدينة القدس، قائلا: لو فتح باب نقل السفارات الأجنبية إلى القدس؛ ستُفتح أبواب جهنم على الغرب من قبل الشرق، مؤكدًا أن الإقدام على هذه الخطوة سيؤجج مشاعر الغضب لدى جميع المسلمين، ويهدد السلام العالمي، ويعزز التوتر والانقسام والكراهية عبر العالم.
بيان (الدعوة السلفية) في مصر
من جهتها طالبت (الدعوة السلفية) في بيان لها الحكومات الإسلامية أن تهب جميعًا لوقف هذه القرارات قبْل صدورها، واتخاذ موقف قوي وواضح ضد هذه القرارات حال صدورها، يتضمن ردود فعل سياسية واقتصادية مناسبة لفداحة القرار، وتحديه لمشاعر ما يزيد على مليار ونصف المليار مسلم! فضلا عن دعم كل أفراد الشعب الفلسطيني في جهادهم ضد الاحتلال الصهيوني الغاشم لبلادهم.
كما أهاب البيان بجميع ذوي الرأي في البلاد الإسلامية أن يدركوا أن نظريات الصراع الحضاري هو المحرِّك الباعث لمعظم هذه القرارات، وأن كثيرًا مِن هؤلاء هم أصدق مَن ينطبق عليه قوله -تعالى-: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (البقرة:120).
وأن أول طريق المقاومة ينطلق مِن قوله -تعالى-: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (آل عمران:120)، ومِن قول الفاروق عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه-: «إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله!».
فلابد وأن يعمل الجميع على تمسك الأمة الإسلامية بهويتها جيلًا بعد جيلٍ؛ ليستحقوا وعد الله بالنصر والتمكين: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55).
لاتوجد تعليقات