رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أيمن الشعبان 30 مارس، 2026 0 تعليق

إشاعة السكينة في أوقات الأزمات

  • من أولى الأولويات وأهمَّ المهمات في أوقات الشدائد والأزمات إشاعة السكينة وبث الطمأنينة وتهدئة النفوس وتثبيت القلوب
  • أعظم أسباب نجاح التوجيهات والتدابير والتعليمات ضرورة إشاعة السكينة وبث الطمأنينة
 

لعل من أولى الأولويات، وأهمَّ المهمات في أوقات الشدائد والأزمات، إشاعة السكينة، وبث الطمأنينة، وتهدئة النفوس، وتثبيت القلوب، ويُعلِّمنا القرآن مشاهد تُبيِّن أن أعظم من أسباب نجاح التوجيهات والتدابير والتعليمات، خطوةٌ مهمةٌ وأساسية لابد أن تسبق جميع الخطوات، وهي ضرورة إشاعة السكينة وبث الطمأنينة، فعندما فشل كفار قريش في القضاء على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهاجر - صلى الله عليه وسلم - في لحظات عصيبة فارقة في حياة الدعوة الإسلامية، خرج مع صاحبه أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وقد استنفرت جميع قوى الكفر للحاق بهما، ووُضعت جائزة ثمينة (مائة ناقة) لمن يأتي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حيًّا أو ميتًا!

الهجرة النبوية: التثبيت قبل التدبير

        يصف أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - كما في البخاري ومسلم- هذه اللحظات العصيبة، فيقول: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغار، فرأيت آثار المشركين - أي آثار أقدام المطاردين - فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه لرآنا؛ أي إنها لحظة فارقة فاصلة بينهم وبين الموت، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!»، إنها التهدئة، والتثبيت، والتسكين؛ ولذلك ذكر الله -سبحانه وتعالى- هذا المشهد وخلَّده في القرآن، مبيِّنًا الخطوات المنطقية، والإجراءات العملية لتحقيق النتائج النافعة التي تصب في مصلحة الفرد والمجتمع:
  • أولًا: السكينة.
  • ثانيًا: التوجيه.
  • ثالثًا: الإجراءات والتدبيرات.

السكينة قبل التدبير

         قال -سبحانه-: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ}، هذا هو البناء، وهذه هي أول خطوة: السكينة قبل التدبير، {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ الله معنا}؛ لأن الإنسان إذا أُعطي التوجيهات أو التعليمات وهو قلقٌ مضطرب، قد تكون النتائج عكسية، أما إذا سكنت النفوس، وهدأت القلوب، وثبتت الأقدام، فإنه سيتلقى هذه التوجيهات وهذه التعليمات بنفس هادئة، فتكون النتيجة: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ}، وهذا هو الأهم، وهذا هو البناء، وهذا هو الأساس: إشاعة السكينة. {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌٌ}.

إبراهيم -عليه السلام-: التطمين قبل البشارة

        وفي مشهدٍ آخر، عندما جاء الأضياف إلى خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام-، وهم من أفضل الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وقد تمثلوا في صورة شبّان، وكانوا في طريقهم لإنزال العذاب بقوم لوط، مرّوا على إبراهيم عليه السلام، فنكرهم وخشيهم، ووجل قلبه منهم، قال -سبحانه-: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ}، فالوجل هو خوفٌ نفسي داخليٌّ ممزوجٌ بقلقٍ واضطراب، فكان التوجيه من الملائكة أولًا: {قَالُوا لَا تَوْجَلْ}، ثم بدأت التوجيهات والمهام التي جاؤوا من أجلها: {قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ}، وهو إسحاق -عليه السلام-، وفي موضعٍ آخر قال -تعالى-: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قُلْنَا لَا تَخَفْ}. هذا هو التوجيه الأول، وهذه أول مبادرة، وأول كلمة تصدر من القدوة، ومن الموجِّه، ومن الذين يُعطون الإرشادات والتعليمات في البيت، وفي الأسرة، وفي الشارع، وفي المجتمع، وفي كل مكان، {قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ}؛ لذلك، فإن أول خطوة، وأول توجيه، لا بد أن يكون بنشر الطمأنينة، وإشاعة السكينة قبل التعليمات والتوجيهات.

موسى -عليه السلام-: التثبيت قبل المواجهة

         جمع فرعون السحرة للنزال أمام موسى -عليه السلام-، وكان موقفًا عصيبًا ومشهدًا عظيمًا؛ فالناس جميعًا ينتظرون، وقد جُمع السحرة من كل مكان، فقالوا لموسى: {يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى}، قال: {بَلْ أَلْقُوا}، {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى}، موقفٌ عصيب في هذا النزال، {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى}، أي إن الخوف والقلق يبدأ من الداخل، من القلب فجاء التوجيه الإلهي مباشرة: {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى}، وهذا هو التوجيه الأول، ثم تأتي بعده التوجيهات والتدابير: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ}. وكذلك عندما أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}، قالا: {رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى}، فجاء التطمين أولًا: {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}، فهدأ نفوسهما، ثم بدأت التوجيهات: {فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ}.

منهج السلف: السكينة قبل التوجيه

         وحصل زلزال في البصرة في زمن محمد بن سيرين -رحمه الله-، ففزع الناس وخافوا، فكان أول ما وجَّههم به: «لا تخافوا ولا تحزنوا، إن الله غفور رحيم»، ثم بدأ بعد ذلك يوجّههم إلى الرجوع إلى الله، وإلى التوبة، وغير ذلك، فأول ما ينبغي على الموجِّه أن يُشيع السكينة، ويبث الطمأنينة في نفوس الناس، فهذه كفيلة بأن تُبنى عليها سائر الإجراءات والخطوات والتوجيهات والتعليمات على وجهٍ ناجحٍ مثمر.  

السكينة: القاعدة الذهبية في إدارة الأزمات

  • إشاعة السكينة في الأزمات ليست خيارًا، بل هي أولى الأولويات وأساس كل معالجة ناجحة.
  • القرآن يقرر منهجًا واضحًا في إدارة الأزمات: السكينة أولًا، ثم التوجيه، ثم التدبير.
  • لا نجاح لأي توجيه أو قرار ما لم تُهيَّأ النفوس وتُثبَّت القلوب وتُهدَّأ المشاعر.
  • النفس القلقة تُفسد التلقي، بينما النفس المطمئنة تُحسن الفهم وتُجيد التطبيق.
  • منهج الأنبياء قائم على التطمين قبل التكليف: «لا تحزن» و»لا تخف» هي البداية دائمًا.
  • القيادة الناجحة تبدأ ببناء القلوب قبل توجيه السلوك، وبالسكينة قبل التعليمات.
  • السكينة ليست مجرد شعور، بل سببٌ مباشر للنصر والتوفيق والتأييد الإلهي.
  • في لحظات الخوف، الكلمة الأولى للمصلحين: طمأنة النفوس لا إثارة القلق.
  • إدارة الأزمات لا تنجح بالقرارات وحدها، بل تبدأ بإعادة التوازن النفسي للناس.
  • المنهج القرآني يعلّمنا أن التثبيت النفسي مقدَّم على أي إجراء عملي أو توجيه ميداني.
  • الخوف إذا تُرك بلا ضبط تحوّل إلى هلع، وإذا وُجِّه بالسكينة أصبح قوةً للثبات.
  • السلف الصالح واجهوا النوازل بتهدئة القلوب أولًا، ثم دعوة الناس إلى التوبة والإصلاح.
  • كل توجيه يُبنى على نفسٍ مضطربة مآله الضعف، وكل عمل يبدأ بالسكينة مآله التوفيق.
  • السكينة هي مفتاح النجاح في الأزمات، ودونها تضطرب القرارات وتفشل المعالجات.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك