رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: منذر المشارقة 17 أبريل، 2016 0 تعليق

إدارة المخاطر في المؤسسات الدعوية

يجب أن يكون التخطيط جزءاً أساساً من سلوك المؤسسة الدعوية حتى يكون لدى قائدها رؤية واضحة لمواجهة المخاطر التي تواجهه

المخاطر التي تهدد العمل الدعوي هي توقعات أو احتمالات غير مرغوب فيها، تهدد كيان المؤسسة الدعوية، سواء داخليًا أم خارجيًا

إدارة المخاطر هي عملية قياس وتقييم للمخاطر وتطوير استراتيجيات لإدارتها، لتجنبها وتقليل آثارها السلبية وقبول بعض تبعاتها أو كلها

 

العمل الدعوي المؤسسي يحتاج إلى تطوير في الأداء يواكب المستجدات المعاصرة، ولاسيما في ظل المتغيرات السريعة والمتتابعة في البيئة الدعوية، وهذا يتطلب من قيادات العمل الدعوي الوعي بهذه المتغيرات حتى تتجنب الكثير من الأزمات التي قد تؤدي إلى ضعف تلك المؤسسات أو زوالها، وقد حصل هذا كثيرًا في تاريخ الأمة قديمًا وحديثًا؛ لذا كان لابد من إيجاد آليات جديدة تساعد تلك المؤسسات على تجنب تلك المخاطر.

     والمخاطر التي تهدد العمل الدعوي هي توقعات أو احتمالات غير مرغوب فيها، تهدد كيان المؤسسة الدعوية، سواء داخليًا أم خارجيًا، أما إدارة المخاطر فهي عملية قياس وتقييم للمخاطر وتطوير استراتيجيات لإدارتها، وتتضمن هذه الاستراتيجيات نقل المخاطر إلى جهة أخرى وتجنبها وتقليل آثارها السلبية وقبول بعض تبعاتها أو كلها.

لذلك فإن هذا الموضوع من الأهمية بمكان لحماية المشروع الدعوي من الآثار السلبية للمخاطر التي تهدد كيانه، وتقليل آثارها، وضمان اتخاذ القرارات الصحيحة المتعلقة بتلك المخاطر.

وتتنوع المخاطر التي تهدد المؤسسة الدعوية بين خارجية وداخلية؛ فمن الأمثلة على المخاطر الخارجية: الوضع السياسي للدولة، الأعداء المتربصون بالمؤسسة، وجود منافسين لها في الساحة الدعوية، الإعلام الفاسد، إلخ.

أما المخاطر الداخلية فمنها: ضعف القيادة، الفشل الإداري، الضعف المنهجي والفكري، غياب التخطيط وعدم وضوح الرؤية، إلخ.

نماذج من السيرة

وإذا تتبعنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، نجد الكثير من الأمثلة والمواقف التي تدلل على استشراف النبي صلى الله عليه وسلم للمخاطر وحرصه الكبير في الحفاظ على المكتسبات الدعوية، والحفاظ على رأس مال الدعوة وهم الصحابة -رضوان الله عليهم-.

     ففي مكة حينما تعرض المسلمون إلى مخاطر عظيمة أوشكت أن تقضي عليهم وعلى الدعوة، قام النبي صلى الله عليه وسلم بإرسال ثلة من هؤلاء الصحابة إلى الحبشة عند النجاشي الحاكم الصالح العادل، تجنبًا للمخاطر التي كانت تحيط بهم، وليكون للصحابة -رضوان الله عليهم- موطئ قدم في حال حصول شيء للمسلمين في مكة، وتستمر دعوة الإسلام، كما أنه صلى الله عليه وسلم انتقى خيرة الصحابة منهم جعفر بن أبي طالب، ليستطيعوا أن ينافحوا ويدافعوا عن الإسلام.

وبعد بيعة العقبة الأولى قام بإرسال مصعب بن عمير إلى المدينة لتهيئة الأجواء هناك، وتكوين أرضية دعوية له.

كل هذه الإجراءات دليل على قدرة النبي صلى الله عليه وسلم على تجنب المخاطر المتوقعة التي إذا أهملت ستكون أثرها كبير على دعوة الإسلام.

فالمؤسسات الدعوية إذا أرادت البقاء والاستمرار فيجب أن يكون التغيير جزءًا من ثقافتها، وسأتطرق إلى جوانب مهمة في آلية معالجة المخاطر التي تحتاجها كل مؤسسة دعوية ليستمر عطاؤها وبناؤها.

ومن أهم الخطوات الواجب اتخاذها لإدارة المخاطر وتجنبها أو تقليلها.

- أولا : القدرة على استشراف المخاطر: وهذا يحتاج بعد توفيق الله -عز وجل- إلى خبرة دعوية تستطيع النظر إلى المستقبل بناء على المعطيات الموجودة لتوقع المخاطر المحتملة، كما يحتاج الى معرفة بسنن الله الكونية حتى يستمد هذه المعرفة من معين الكتاب والسنة؛ فإن لله سننا لا تتبدل ولا تتغير، كما ينبغي معرفة سنن الله في النصر والهزيمة، حتى يعمل على أسباب النصر، ويتجنب أسباب الهزيمة كما قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(الأنفال: 46)، فبداية الآية فيها سبب النصر وهي طاعة الله ورسوله، وتكملة الآية فيه سبب الهزيمة وهو التنازع والاختلاف؛ فهذه سنة الله لا تتبدل ولا تتغير.

     ومن الأمثلة على ذلك من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في استشراف المستقبل في غزوة الأحزاب؛ حيث استفاد النبي صلى الله عليه وسلم مما أصابهم في غزوة أحد وخروجه من المدينة لمقاتلة قريش، فبقي في المدنية، وأخذ برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق، واستطاع المسلمون مواجهة الأحزاب؛ فكان النصر حليفهم في أحداث كثيرة ذكرها الله -سبحانه وتعالى- في كتابه العزيز.

- ثانيًا: وجود الشعور لدى القيادة الدعوية بأهمية المعالجة والتغيير؛ وأن حدوث هذا التغيير ضروري لبقاء المؤسسة الدعوية، ونقل هذا الشعور إلى الأفراد العاملين وقناعتهم به، نقطة في غاية الأهمية؛ وذلك حتى يدرك الأفراد العاملون عند التنفيذ أهمية هذه الخطوات التي تقوم بها القيادة الدعوية ويتعاونوا معها في تحقيق الهدف.

     ففي الحديث الذي رواه الإمام البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم : «يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وأظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود»، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخطر كبير قادم على الأمة من جهة الخوارج، فنبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الخطر ليعرفه جميع الصحابة، ويخلق لديهم شعوراً بالحذر منه، وأشار إليهم بطريقة معالجة هذا الخطر، وفعلا عندما وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عالج الصحابة هذا الخطر بما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم .

- ثالثا: وجود فريق قيادي يتولى التغيير وتبعاته؛ فمن المعالم المهمة لهذا التغيير والتحدي الجديد الذي قام به النبي صلى الله عليه وسلم عندما أمرهم بالهجرة، أنه كان يمتلك رجالا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة، لديهم القدرة على تحمل تبعات هذا التغيير الجديد، كان حوله رجال يموتون دونه ودون دينهم، فكانوا حجر الأساس في المرحلة الجديدة، فأبوبكر الصديق -رضي الله عنه- يهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وعمر -رضي الله عنه- يعلن لقريش بالهجرة، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ينام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، ومصعب -رضي الله عنه- يدعو أهل يثرب إلى الإسلام، وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير وغيرهم الكثير من الصحابة الذين تحملوا الكثير في سبيل نصرة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم .

- رابعًا: التخطيط ووضوح الرؤية، فيجب أن يكون التخطيط جزءاً أساساً من سلوك المؤسسة الدعوية حتى يكون لدى قائد المؤسسة رؤية واضحة لما سيقوم به.

     ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت لديه استراتيجية ورؤية واضحة كان يلهمها للصحابة بين فترة وأخرى، فكان يقول لهم «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار» ويقول «لترين كنوز كسرى بن هرمز تنفق في سبيل الله» ويقول «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب» وغيرها الكثير ليلهب الحماس لدى الصحابة -رضوان الله عليهم- ويوضح لهم رؤيته صلى الله عليه وسلم ؛ لذلك عندما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل الصحابة الطريق، وحققوا ما كان يريده قائدهم.

- خامسًا: العزم والجدية في الأداء، ففي حال البدء في التغيير ولتجنب المخاطر لابد أن تعمل المؤسسة الدعوية بحماس واجتهاد، كما يقول الشاعر

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة

حيث إن تحقيق أي نجاحات صغيرة في العمل بالخطة الجديدة ستعطي الثقة الكبيرة لدى الأفراد العاملين تجاه قيادتهم.

     ومن خلال هذه الخطوات والعناصر تنجح المؤسسة الدعوية بعد توفيق الله -عزوجل- بتخطي العقبات والمخاطر التي تحيط بها ويبقى أثرها وعملها لفترات أطول. لذلك أقول إن النجاح الحقيقي لأي عمل دعوي مؤسسي هو وجود قيادة حكيمة تقود مسيرة العمل نحو الهدف المنشود، ويجتمع في هذه القيادة التوجيه والتقدير والتحفيز، ولعلي أتحدث عن هذه الأمور في مقالات أخرى.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك