رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر المحلي 19 يناير، 2015 0 تعليق

إحياء التراث أصدرت منهجها (للدعوة والتوجيه) الأمة مأمورة بنبذ التفرق والاختلاف وطريق الوحدة والاتفاق إنما يتحقق بالاعتصام بالقرآن والسنة وفهم سلف الأمة

المنهج يسعى لتحقيق المقاصد الشرعية العليا من إقامة دين الله تعالى، وعبادة الله وحده، ونشر التوحيد ومحاربة الشرك، والدعوة إلى السنة المطهرة، ونبذ البدع والمحدثات، ونشر العلم الشرعي

المنهج بيّن موقف المسلم من العلماء، وأهل العلم، والمراد بأولي الأمر: الأمراء والعلماء، وإنما تجب طاعتهم في المعروف

بين المنهج بأن الاختلاف من حيث الظاهر نوعان: اختلاف تضاد، واختلاف تنوع. وقد وضع العلماء للخلاف السائغ ضوابط

الدعوة إلى الله -تعالى- واجبة على كل مسلم مكلف حسب الاستطاعة، وأن العمل الجماعي في أمور الدعوة إلى الله -تعالى- أنفع وأفضل من العمل الفردي

أهل السنة وعلماء السلف قديماً وحديثاً قالوا بتحريم إنكار منكر الإمام المعلن للإسلام باليد، وأنه لا يجوز إنكار منكره إلا باللسان والقلب فقط

أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان والجهاد معه، وإن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن للدماء، وتسكين للدهماء

الأمة مأمورة بنبذ التفرق والاختلاف، وأن طريق الوحدة والاتفاق الذي أمر الله -تعالى- به إنما يتحقق بالاعتصام بالكتاب والسنة، وَفَهمِ السلف الصالح لهما

نخبة من أفاضل العلماء والمشايخ النجباء قاموا بتزكية منهج الجمعية والثناء عليه

 

أصدرت جمعية إحياء التراث الإسلامي طبعة جديدة من منهجها (منهج الجمعية للدعوة والتوجيه) رغبة في التعريف بالأسس العقدية والدعوية التي تستند إليها، وهي أسس تقوم على الأدلة الشرعية من القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة، والآثار عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الدين المعتبرين وفق منهج واضح، وطريق بين، أهدافه معلنة، ووسائله مشروعة، يسعى لتحقيق المقاصد الشرعية العليا من إقامة دين الله تعالى، وعبادة الله وحده، ونشر التوحيد ومحاربة الشرك، والدعوة إلى السنة المطهرة، ونبذ البدع والمحدثات، ونشر العلم الشرعي ومكافحة الجهل وآثاره بحسب القدرة والاستطاعة، مع مراعاة ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي قررها علماء الأمة وأئمة الهدى، التي تستهدف جلب المصالح وتكثيرها،ودرء المفاسد وتقليلها.

     وقد قام نخبة من أفاضل العلماء والمشايخ النجباء بتزكية منهج الجمعية والثناء عليه، في مقدمتهم سماحة الإمام الشيخ/عبدالعزيز بن باز - مفتي عام المملكة العربية السعودية السابق - رحمه الله تعالى. كما عرض على فضيلة الشيخ: صالح بن فوزان الفوزان – عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وأيضاً على علامة الشام ومحدثها في هذا الزمان الشيخ/ ناصر الدين الألباني – رحمه الله، وعلى نخبة من العلماء والشيوخ.

     وجمعية إحياء التراث الإسلامي -بفضل الله تعالى منذ إنشائها وإلى يومنا هذا- قائمة بهذا المنهج، ملتزمة به، تدعو إليه، وتذب عنه، وتمد يد العون للمسلمين في كل مكان، وتعمل على نشر هذا المنهج المبارك بينهم بحسب القدرة والإمكان.

ومما جاء في هذا المنهج ما يلي:

- مُجمَل اعتقاد السَّلَف: الإيمان بِأَنَّ الله -سبحانه- هو الرَّبُّ الخالق الرازق المُدَبِّر لجميع الأمور، وأنه سبحانه الإله الحق الذي لا معبود بحق سواه، وأَنَّ كل ما يُدعَى من دونه فهو باطل.

     والإيمان بأسمائه وصفاته كما جاءت في كتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة، وأنه - سبحانه - موصوف بها على الحقيقة على الوصف اللائق بجلاله - سبحانه - من غير تكييف، ولا تعطيل، ولا تأويل، ولا تحريف، ولا تمثيل، قال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}(الشورى: 11).

كما لا يجوز في أسمائه وصفاته التفويض المطلق، بل نفوض علم كيفيتها إلى الله سبحانه وتعالى، ونثبت علم معانيها، على الوجه السابق بيانه.

     وعلى هذا؛ فالله -تعالى- واحد لا شريك له في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته. والإيمان بالقَدَرِ خيره، وشره، حلوه، ومره، من الله تعالى، وأنه لا يصيب المرءَ إلا ما كتب الله له، وذلك وفق علم الله تعالى، وحكمته.

ومراتب القَدَرِ أربعة:

1 - العِلم: فالله يعلم ما كان، وما يكون، وكيف يكون أزلا.

2 - الكِتابة: فقد كتب سبحانه في اللوح المحفوظ ماهو كائن إلى يوم القيامة.

3 - المشيئة: فلا يكون شىء في السموات، والأرض إلا بمشيئته سبحانه؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

4 - الخَلْقُ: فنؤمن بأن الله -تعالى- خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد. والإيمان بأن الله -تعالى- قد جعل للعبد اختيارا، وقُدرة على الفعل، أو الترك.

     كما بين منهج الجمعية موقف المسلم من العلماء، وأهل العلم: ومما جاء فيه: المقصود من العلماء: هم أصحابُ العلم الشرعي، العالِمُونَ بشرع الرحمن عز وجل، المتفقهون في دين الله، المتبعون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسلف الأمة من الصحابة، والتابعين، وهم ورثة الأنبياء، والمراد بأولي الأمر: الأمراء والعلماء، وإنما تجب طاعتهم في المعروف، كما قال كثير من السلف في تفسير قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم}.

     وهم أهل الحل والعقد في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم أهل الشورى الذين يُستشارون في أمور الأمة، ومصالح المسلمين، وهم أئمة الدين، كما قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا}. وهم أهل الذكر قال تعالى: {فَسْئَلوا أهل الذِّكْرِ إن كنتم لا تعلمون}. واحترام، العلماء وتبجيلهم، وذكرهم بالجميل هو طريق أهل السنة والجماعة، قال أبو جعفر الطحاوي: «وعلماء السلف السابقون، ومَنْ بعدهم، أهل الخبر، والأثر، أهل الفقه، والنظر، لا يُذكَرُونَ إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل». فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن الكريم، ولاسيما الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يُهتَدَى بهم في ظلمات البر.

     وجاء في منهج الجمعية أيضاً بأن الأمة مأمورة بنبذ التفرق والاختلاف، وأن طريق الوحدة والاتفاق الذي أمر الله -تعالى- به إنما يتحقق بالاعتصام بالكتاب والسنة، وَفَهمِ السلف الصالح لهما. ومعلوم أن الوصية بكتاب الله وصية بالسنة؛ لأن القرآن الكريم أمر بطاعة الله ورسوله؛ فقال سبحانه فى كـتـابه العظيم: {مَن يُطِعِ الرسولَ فقد أطاع الله}.

     فسبيل الوحدة إذاً هو معرفة أحكام الله تعالى من كتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، واتباع فَهْمِ السلف لهما، وإن خالفت آراء البشر، وأهواءهم، والمتفقون مع أحكام الشريعة هم الجماعة، وما سواهم هم أهل الفرقة، والشذوذ، وإن كانوا أكثر الناس، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه ، وغيره. وبين المنهج بأن الاختلاف من حيث الظاهر نوعان: اختلاف تضاد، واختلاف تنوع. وقد وضع العلماء للخلاف السائغ ضوابط منها:

1 - عدم مخالفة النص الشرعي، أو الإجماع؛ إذ لا اجتهاد مع الدليل، والأدلة الظاهرة تحسم مادة الخلاف، فإن كان الخلاف سائغا قبل الاطلاع على الدليل فإنه لا يكون كذلك بعد الاطلاع عليه.

2 - أن يكون المخالف لأهل العلم من أهل العلم والاجتهاد، فأما الجاهل فلا يسوغ له مخالفة أهل العلم بمجرد نظره ورأيه، فالذين أفتوا المشجوج في البَردِ بوجوب الغسل؛ فاغتسل؛ فمات؛ قال فيهم عليه الصلاة والسلام: «قتلوه، قتلهم الله! هلا سألوا إذ لم يعلموا، إنما شفاء العيِّ السؤال» فهؤلاء أخطؤوا، وأفتوا بغير علم، ولم يكونوا من أهل الاجتهاد؛ فدعا صلى الله عليه وسلم عليهم، وأغلظ.

3 - أن يكون قَصْدُ المخالف الحق، والموافقة للصواب، لا مجرد الخلاف والبَغي، والتعدي، والهوى، قال تعالى ذامًّا أهل الكتاب: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ماجاءهم العلم بَغيًا بينهم}.

4 - عدم الاحتجاج بالخلاف، وهو باب مهم لضبط الخلاف، ومنع التقول على الله بغير علم؛ إذ المُعتَبَرُ مراعاة الخلاف لا الاحتجاج به.

     أما موقف المسلم من اختلاف العلماء: قد ثبت بالكتاب، والسنة، والإجماع أن الله -سبحانه وتعالى- فرض على الخلق طاعته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به، ونهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى كان صِدِّيقُ الأمة، وأفضلُها بعد نبيها يقول: «أطيعوني ما أطعتُ الله، فإذا عصيتُ الله، فلا طاعةَ لى عليكم».

     وأجمع أهل العلم أنه ليس أحد معصوماً في كل ما يأمر به، وينهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولهذا قال غير واحد من الأئمة: «كل أحد يُؤخَذُ من قوله وَيُترَكُ إلا رسول الله  صلى الله عليه وسلم ».

     وقد اختلف أهل العلم لأسباب كثيرة ذكرها العلماء في مُصَنَّفاتهم، منها: عدم الوقوف على الدليل، أو نسيانه له. أو وصوله للعالم بطريق ضعيفة، أو اعتقاده أنه منسوخ، أو خاص، أو أنه لا دلالة فيه، أو أنه مُعَارَض بغيره، ونحو هذه من الأسباب.

     وقد يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع عليها، وقد يُبْدِي حجته لأحد فَتُنْقَلُ، وقد لايبديها، وأما نحن فإنه لا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم، إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة، وإن كان أعلم؛ فالعالم قد يكون معذورا في تركه للدليل لخفائه، أو عدم وصوله، أما نحن فلا عذر لنا في ترك الدليل بحجة أنَّ فلانا قد قال بخلافه.

     كما تطرق منهج الجمعية إلى موقفها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ومما جاء في ذلك: لقد امتن الله - تبارك وتعالى - على هذه الأمة المحمدية بأن جعلها خير الأمم؛ حيث قال سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(التوبة: 71)، فبعد أن ذكر الله -عز وجل- وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض، ذكر ما تميزوا به من الصفات عن المنافقين والمنافقات، من الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والجهاد.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ثلاث حِكَم:

- الأولى: إقامة حجة الله على خلقه، كما قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}(النساء: 165).

- الثانية: خروج الآمر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف، كما قال تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ} (الذاريات: 54). فدل على أنه لو لم يأمر وينهى لكان ملوما.

- الثالثة: رجاء النفع للمأمور، كما قال تعالى: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} وقال سبحانه: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}(الذاريات: 55).

ويُشتَرَطُ في الآمر بالمعروف أن يكون عالما بأنَّ ما يأمر به معروف، وأنَّ ما ينهى عنه منكر، فالداعي إلى الله -تعالى- لا بد أن يكون على بصيرة، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس فيه.

     ولا بد للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من استعمال الرِّفق فيما يأمر وينهى، فإن الله -تعالى- يُعطِي على الرفق مالا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه، كما جاء في الحديث الصحيح. وقال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(النحل: 125)، ولابد كذلك للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من الحلم والصبر على أذى الناس، بفضلا عن بقية الأخلاق الحسنة؛ وذلك لأن الناس مجبولون على معاداة من يتعرض لهم فى أهوائهم الفاسدة، وأغراضهم الباطلة؛ ولذا قال لقمان العبد الصالح الحكيم لولده: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ}(لقمان: 17).

كما يُشتَرَطُ في جواز الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مراعاة المصالح والمفاسد.

     أما موقف الجمعية من العمل الجماعي، فقد جاء في ذلك: من الأصول المهمة التي أكدتها الشريعة، وحث عليها القرآن، الاعتصام بحبل الله، والتعاون على البِرِّ والتقوى، كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}(آل عمران: 103)، وقد نظَّمَ الإسلام حياة الإنسان من المهد إلى اللحد وفق نظام جماعي يقوم على الكتاب والسنة.

     وأن الدعوة إلى الله -تعالى- واجبة على كل مسلم مكلف حسب الاستطاعة، ونرى أن العمل الجماعي في أمور الدعوة إلى الله -تعالى- أنفع وأفضل من العمل الفردي، ونرى أنَّ إقامة جماعة سلفية واضحة الأهداف إنما هو وسيلة لخدمة الدين، والعمل على رعاية مصالح المسلمين، وتقديم الخير لهم، وليس ذلك من الحزبية التي نهى الشرع عنها، بل نرى أن ذلك من الوسائل الميسرة لخدمة الدين، ونشره، والقيام بواجب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، ولاسيما في البلدان التي أهملت هذه الفريضة، ولم تَرعَهَا حق رعايتها. ونرى أن الأصل في الدعوة الظهور والعلنية، وأن تكون أهدافها مُعلنَة، وأن تجتنب كلَّ وسائل التآمر، والخداع، فالإسلام ظاهر بَيِّنٌ واضح، ولكل أهل بلد حرية الأخذ بما يَرَوْنَه من الوسائل التي تُعينهم على قيامهم بأمر الدين بما لا يخالف المنصوص عليه من الشرع.

     كما حددت الجمعية موقفها من جماعات الدعوة والفِرَقِ، ومما جاء في المنهج حول ذلك: نرى وجوب وحدة المسلمين، وائتلافهم كما أمر الله تعالى، فالجماعة نجاة، والفُرقَةُ عذاب. قال سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}(آل عمران: 103)، وهذه هي وصية الله -تعالى- لجميع أنبيائه بالائتلاف، والجماعة، والبعد عن الفرقة والاختلاف، كما أوجب سبحانه على نبيه البراء من هذه الفرق والأحزاب التي حادت عن صراطه المستقيم.

     وأن الاختلاف والافتراق واقع في الأمة كما قال تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رَحِمَ ربك}. والله - عز وجل - استثنى المرحومين من المختلفين، وهم أهل الفرقة الناجية المهتدية المتمسكة بكتاب الله تعالى، وسنة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم . وقد وقع في الأمة ما أخبر به صلى الله عليه وسلم فظهرت الفِرَقُ الضالة والمنحرفة.

     وأما موقفنا من هذه الفرق الضالة والمنحرفة، فهو موقف أهل السنة والجماعة من البدع والمبتدعة، وذلك بعدم إقرارهم على بدعتهم، وكشف اللثام عن كل قول، أو فعل يخالف القرآن، والسنة، وإجماع الأمة حسب القدرة والاستطاعة طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .

     وأما موقفنا من جماعات الدعوة، فالذي نراه أن العمل الجماعي مشروع وفق ضوابط: أن يكون الاجتماع على الكتاب والسنة، وهدي السلف الصالح، وألا يؤسس على الأهواء، والتحزب للأشخاص، وعقد الولاء، والبراء عليه، وألا تُعْطِي هذه الجماعة الدعوية لنفسها ما يُعْطَى لجماعة المسلمين العامة كالمبايعة للإمام العام، وأن يكون عمل هذه الجماعة الدعوية مما يؤيد الإمام العام، ويكون عونا له في الواجبات التي ألقاها الله على عاتقه من إقامة شرع الله في الأرض، والجهاد في سبيله.

وجاء في منهج الجمعية حول الجهاد في سبيل الله: بأن الجهاد فريضة ماضية إلى يوم القيامة، وللجهاد في سبيل الله (أي: القتال) شروط لابد من توفرها لكي يكون جهادا صحيحاً، وهي:

1 - وجود إمام للمسلمين وهو الحاكم المسلم القائم الظاهر: والأدلة على ذلك كثيرة منها: قوله صلى الله عليه وسلم : « إنما الإمام جُنَّة، يُقَاتَلُ من وَرائِه، وَيُتَّقَى به، فإن أَمَرَ بتقوى الله عز وجل، وَعَدَل، كان له بذلك أجر..» ووجه الدلالة أن (إنما) تفيد الحصر، فكأنه قصر مهام الإمام في كونه سترا - قال النووي: أي كالستر؛ لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين. فالوقاية من أذية العدو منتفية إذا لم يكن لنا إمام شرعي، والجملة الفعلية (يُقَاتَلُ مِن وَرَاِئِه) صِفَةٌ للجُنَّةِ، فهي داخلة في الحصر فكأنه قال: لا قتال إلا من وراء إمام، قال النووي: ومعنى يُقَاتَلُ مِن ورائه، أي: يُقاتَلُ مَعَهُ الكفار، والبُغَاة، والخوارج، وسائر أهل الفساد، والظلم مطلقا.

     وفي حديث حذيفة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر الدعاة على أبواب جهنم، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها، ثم ذكر وصفهم، قال له حذيفة - رضي الله عنه -: فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: « تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة، ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفِرَق كلها».

2 - تميز الصفوف: وقد جاء في صحيح مسلم أَنَّ أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال:، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما يُغِير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانا أمسك، وإلا أغار. وهذا واضح أيضا أن الحكم بالإسلام يثبت للقوم إذا أعلنوا شعيرة من شعائر الإسلام، وهى الأذان، وأنهم يأخذون بعض حقوق المسلمين، وهي عدم جواز الهجوم عليهم وقتالهم، وكذلك جاء النص القرآني في سورة الفتح الذي يُعلِن الله فيه أنه صَرَفَ المسلمين عن قتال الكفار في غزوة الحديبية؛ لأن بمكة مسلمون مستترون، قال تعالى: {َلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}(الفتح: 25).

     وتاريخ الصحابة كله شاهد أنه لا قتال إلا بعد تَمَيُّزِ الصفوف، وانحياز أهل الإسلام إلى إمامهم وعلمهم، وانحياز أهل الكفر إلى قوادهم وجيشهم، وأما المجموعات السرية المختبئة في الجحور التي تخرج على الناس فجأة، فتغدر، وتقتل، وتضرب على غير هدى فليسوا دعاة إسلام، وليس لفعلهم هذا شبه، ولا مثال في كل تاريخ مَن يُقتَدَى به من أهل الإسلام.

3 - تَوَفُّرُ القُدْرة:

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن الأمر بقتال الطائفة الباغية مشروط بالقُدرة، والإمكان»؛ إذ ليس قتالهم بأولى من قتال المشركين، والكفار، ومعلوم أن ذلك مشروط بالقُدرة، والإِمكان، ويشهد لذلك أن الرسول-صلى الله عليه وسلم - أخبَرَ بظُلم الأمراء بعده، وبغيهم، ونَهَى عن قتالهم؛ لأن ذلك غير مقدور، إذ مفسدته أعظم من مصلحته.

     ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه -: «مَن رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» وهكذا فأنت ترى كيف يسقط الإنكار باليد، واللسان عند عدم الاستطاعة.

     وفي نهاية الكتيب تطرقت جمعية إحياء التراث الإسلامي لبيان منهج السلف في تقويم أخطاء الحكام، ومما جاء فيه: من أوائل الأمور التي وقع الخلاف فيها بين المسلمين أسلوب تغيير المنكر، فبالرغم من أن هناك اتفاقاً عاماً، أو إجماعاً بين المسلمين جميعاً على أن المنكر يجب تغييره بوسيلة من الوسائل الثلاث: اليد واللسان والقلب، فإن المسلمين اختلفوا قديماً في الأسلوب الذي يجب أن يصحب تغيير المنكر بواسطته، وكذلك اختلفوا في المواضع التي يجوز استعمال اليد، أي: القوة فيها، ومتى يجوز استخدام اللسان؟ وما الأوقات التي يعذر المسلم إن أنكر بقلبه فقط؟ وبالرغم من أن المسلمين – أيضاً – متفقون على وجوب اتباع الحكمة في كل ذلك، إلا أن تفسير الحكمة يختلف من طائفة إلى أخرى، ومن فرد إلى فرد، ويظهر هذا الاختلاف واضحاً وجلياً في إنكار منكر الإمام المعلن للإسلام، فبينما رأى الخوارج والمعتزلة وجوب إنكار منكر الإمام بكل صورة من صور الإنكار: اليد، واللسان، والقلب، نجد أن أهل السنة وعلماء السلف قديماً وحديثاً قالوا بتحريم إنكار منكر الإمام المعلن للإسلام باليد، وأنه لا يجوز إنكار منكره إلا باللسان والقلب فقط.

      وقد رد علماء السنة والسلف على ما قاله الخوارج والمعتزلة في ذلك بقولهم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم استثنى الإمام من تغيير منكره بالقوة، بل لم يجز أصلاً إنكار منكره إلا باللسان فقط، وقد جاء في أحاديث كثيرة منها حديث الإمام البخاري في صحيحه عن عبدالله بن عباس – رضي الله عنه – عن النبي –صلى الله عليه وسلم : «من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية».

     قال ابن بطال: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان والجهاد معه، وإن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن للدماء، وتسكين للدهماء.

     وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: سمعت الصادق المصدوق يقول: «هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش»، فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة، فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان: بني فلان لفعلت».

     قال ابن بطال: و في الحديث أيضاً حجة لما تقدم من ترك القيام على السلطان ولو جار؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أعلم أبا هريرة بأسماء هؤلاء، وأسماء آبائهم، ولم يأمرهم بالخروج عليهم مع إخباره بأن هلاك الأمة على أيديهم، لكون الخروج أشد في الهلاك، وأقرب في الاستئصال من طاعتهم، فاختار أخف المفسدتين، وأيسر الأمرين، وهذه قاعدة فقهية مهمة.

     والجدير بالذكر أن هذه هي الطبعة الثالثة، وقد ألحق بها الطبعة الخامسة من إصدار (شهادات مهمة لعلماء الأمة) في منهج الجمعية وأعمالها وإصداراتها، الذي تضمن: شهادات لـ(29) من الشيوخ والعلماء الذين زكوا جمعية إحياء التراث الإسلامي، وأثنوا على أعمالها وإصداراتها المختلفة.

     كذلك تضمن هذا الإصدار الجديد من كتاب (منهج الجمعية للدعوة والتوجيه) ملحقاً خاصاً حول جهود الجمعية وإنجازاتها لنشر المصحف والكتاب الإسلامي؛ حيث تضمن هذا الملحق (4) أجزاء رئيسية: الأول: حول المصحف الشريف وتفسيره، والثاني: حول ترجمة تفسير القرآن الكريم وطباعته وتوزيعه، والثالث: عن إصدارات خاصة لتعليم القرآن، أما القسم الرابع: فكان مخصصاً لمكتبة طالب العلم.

والجدير بالذكر أن كتاب (منهج الجمعية للدعوة والتوجيه) متوفر لدى أغلب اللجان التابعة للجمعية، كما يتم توزيعه مجاناً في المقر الرئيسي لجمعية إحياء التراث الإسلامي.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك