رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: علاء إبراهيم عبدالحميد 22 يوليو، 2018 0 تعليق

إبطال دعوى وقوع السلف في التأويل الفاسد (1)

بينت سورة الحشر صفات جيل النصر المنشود، التي هي صفات الصحابة -رضوان الله عليهم- من المهاجرين والأنصار، السابقين إلى الله ورسوله، الذين قام الإسلام على أكتافهم، ونقلوا إلينا القرآن والسنة غضين طريين كما أنزلا؛ فهم مصابيح الدجى وأعلام الهدى؛ لذلك كان لابد أن نعرف صفات هذا الجيل وواجبنا نحوهم، لعلنا نقتدي بهم وبآثارهم، واليوم نتكلم عن حب الأنصار للمهاجرين .

 

     من المعلوم أن إثبات المذاهب عمومًا -في قضية ما، أو مسألة معينة- لا يكون بتتبع الأقوال الشاذة والغريبة – على فرض ثبوتها- وإنما يكون بتوارد الأقوال وتتابعها في طريق مَهْيَع، وسبيل واضح، ونهج مستقيم، ومع وضوح هذا المسلك في إثبات مذاهب العلماء؛ فإن بعض المنتسبين إلى المذهب الأشعري يحاولون تقوية طريقتهم في تأويل صفات الله -تعالى- وصرفها عن ظاهرها وحقيقتها؛ بادعاء وقوع بعض علماء السلف فيما يطلقون عليه تأويلًا.

     وسنعرض في هذه الورقة العلمية -بعون الله تعالى- تفنيدًا لهذه الدعوى، بوضعها على بساط العلم والبحث، والحكم عليها بالقسط والعدل؛ امتثالًا لقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8).

منهج السلف في صفات الله -تعالى

     أوَّل ما يُستهل به هو إثبات منهج السلف في صفات الله -تعالى-، وهو إثبات صفات الله -تعالى- على حقيقتها وظاهرها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل؛ معتصمين بقوله -تعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11)، وقطع الطمع عن إدراك العقول لكيفية صفاته سبحانه؛ متمسكين بقوله -تعالى-: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} (طه: 110).

وفي هذا المعنى يقول الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت 310 هـ) -رحمه الله-: «فإن قال لنا قائلٌ: فما الصواب من القول في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله -عز وجل- ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله[؟

قيل: الصواب من هذا القول عندنا، أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه جل ثناؤه، فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}»(1).

إجماع السلف على هذا المنهج

     هذا المنهج الذي حكاه الطبري وغيره من حمل صفات الله -تعالى- الواردة في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة على حقيقتها، وعدم اللجوء لتأويلها وصرفها عن ظاهرها، ليس منهجًا مختلفًا فيه عن السلف، وإنما هو قول السلف الكرام -من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان- كافة، لا خلاف بينهم في ذلك البتة، وهاكم بعض الأقوال الدالة على إجماعهم: يقول أبو يعلى الفراء (ت 458هـ): «دليل آخر على إبطال التأويل: إن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق؛ لما فيه من إزالة التشبيه، ورفع الشبهة، بل قد روي عنهم ما دل على إبطاله»(2).

الصفات الواردة في القرآن والسنة

     ويقول حافظ المغرب أبو عمر ابن عبد البر (ت 463 هـ): «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرَّ بها مشبِّه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة، والحمد لله»(3).

تنازع الصحابة

     ويقول الإمام ابن القيم (ت 751 هـ): «قد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانًا، ولكن – بحمد الله – لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلًا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلًا، ولم يبدوا لشيء منها إبطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرًا واحدًا، وأجروها على سَنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع؛ حيث جعلوها عِضين، وأقروا بعضها وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه»(4).

ويقول أيضًا: «ولم يتنازعوا -يعني: الصحابة -رضي الله عنهم- في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها«(5).

     حقًّا لقد سَعِد السلف ومن تبعهم بإحسان بهذا المعتقد المبني على ما جاء في الكتاب والسنة، ووقع بعض من جاء بعدهم في مخالفات أبعدتهم عن سبيلهم، نسأل الله -تعالى- لنا ولهم الهداية والسداد، وفيما يأتي بؤرة الشبهة التي أوقعتهم في تلك المخالفات، وأودت ببعضهم؛ فادعى وقوع بعض السلف في التأويل الفاسد لصفات الله تعالى.

الشبهة الدافعة

     الشبهة الدافعة لمن ادعى على السلف وقوعهم في التأويل: يعتقد كثير من المنتسبين إلى المذهب الأشعري أن ظاهر نصوص الصفات ليس بمراد؛ لأن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو من خصائصهم، هذا محصل الشبهة التي وقعوا في شِراكها، فأخذوا يلتمسون المخارج بالتأويل وحملها على خلاف ظاهرها، بل وصل الأمر ببعضهم إلى الادعاء بأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من الكفر(6)، نسأل الله -تعالى- العصمة من الزلل.

     واندرج تحت هذا قياس الأمر في صفات الله -تعالى- بما يشاهده العبد من صفات المخلوقين؛ يقول أبو سليمان الخطابي الشافعي (ت 388 ه): «وإنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث «يعني: الأحاديث التي تذكر فيها صفات الباري من النزول ونحوه» من يقيس الأمور في ذلك بما يشاهده من النزول الذي هو نزلة من أعلى إلى أسفل، وانتقال من فوق إلى تحت، وهذا صفة الأجسام والأشباح، فأما نزول من لا يستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه...»(7)، وقد دفع هذا بعضهم إلى البحث عن أقوال عن السلف تؤيد ما ادَّعاه، فأخذ يجمع الغث والسمين، وسيأتي مناقشتهم تفصيلًا.

الجواب على هذه الشبهة

      والجواب عن هذه الشبهة إجمالًا(8): إن هذا المعنى الذي اعتقدوه باطل بلا ريب؛ إذ السلف الكرام -رضي الله عنهم- والأئمة لا يسمون الظاهر تمثيلًا بصفات المخلوقين، كما أنهم ينكرون أن يكون ظاهر القرآن والسنة باطلًا؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ): «لكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، والله -سبحانه وتعالى- أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال، والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين:

تارة: يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك.

وتارة: يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ؛ لاعتقادهم أنه باطل»(9).

بالمثال يتضح المقال

- أولًا: جعلهم المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، وبالتالي يلجؤون إلى تأويلٍ يخالف هذا الظاهر، ومن الأمثلة على هذا: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»(10). فقالوا: ومعلوم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق -سبحانه-؛ فجعلوا المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، ثم ذهبوا يتأولونه.

الجواب عن هذه الشبهة

     لو أننا أنعمنا النظر في الحديث، وأعطيناه حقه من الفهم؛ لتبين لنا جليًّا أن ظاهره لا يدل على ما ادعوه؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه، ولا في قول القائل: «هذا بين يدي» ما يقتضي مباشرته ليديه، وإذا قيل: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} (البقرة: 164)، لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة»(11).

المعنى الحق

- ثانيًا: ردهم المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ؛ لاعتقادهم أن هذا الظاهر باطل، ومن الأمثلة على هذا: إثبات السلف لصفة اليدين لله -تعالى-؛ بقوله -سبحانه-: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (ص: 75)، فلم يقبل بعض المتكلمين ذلك، وجعلوا تلك الآية مثل قوله -تعالى-: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} (يس: 71)، واعتقدوا أن ظاهر الآية الكريمة باطل(12)، فردوا المعنى الحق؛ لاعتقادهم بطلان ظاهره.

الجواب على الشبهة

     والجواب عن تلك الشبهة(13): إن ظاهر الآية الأولى يدل على إثبات صفة اليدين لله -تعالى-، وهو الحق الذي دلت عليه نصوص كثيرة من الآيات القرآنية، والأحاديث المتواترة وإجماع السلف؛ قال تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} (المائدة: 64)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا»(14).

     وبين الآية الأولى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، والآية الثانية: {خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} فروق كثيرة نجملها فيما يلي: في الآية الثانية أضاف الفعل إلى الأيدي، فصار شبيهًا بقوله -تعالى-: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} (الشورى: 30)، وفي الآية الأولى أضاف الفعل إليه -سبحانه- فقال: {لِمَا خَلَقْتُ}، ثم قال -تعالى-: {بِيَدَيَّ}.

     في الآية الأولى ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد {خَلَقْتُ}، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية{بِيَدَيَّ}، كما في قوله -تعالى-: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} (المائدة: 64)، بخلاف الآية الثانية، حيث أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع، {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا}، فصار كقوله -تعالى-: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} (القمر: 14).

الجمع في الآية الثانية نظير المفرد في قوله -تعالى-: {بِيَدِهِ الْمُلْك} (الملك: 1)، وقوله -تعالى-: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} (آل عمران: 26)، فإن الله -تعالى- يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد، وتارة بصيغة الجمع للتعظيم الذي يستحقه -سبحانه.

وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور، وهو -سبحانه- مقدس عن ذلك.

فدل ما تقدم على أن قوله -تعالى-: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، بخلاف قوله سبحانه-: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا}. تقدم معنا خلاصة ما عليه السلف الكرام في صفات الله -تعالى- وبُعدهم التام عن التأويل الفاسد – الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره المراد.

(المراجع)

(1) التبصير في معالم الدين للطبري (ص: 140).

(2) إبطال التأويلات (ص: 71).

(3) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (7/ 145).

(4) إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 39).

(5) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (1/ 210).

(6) قاله الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين عند تفسير قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه} (آل عمران: 7).

(7) ينظر: الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 378).

(8) ولجواب مفصل عن هذه الشبهة ينظر: مقال بعنوان: «دفع التلازم بين اعتقاد ظواهر نصوص الصفات والتشبيه» في موقع مركز سلف للبحوث والدراسات.

(9) مجموع الفتاوى (3/ 43).

(10) أخرجه مسلم (2654).

(11) التدمرية (ص: 73).

(12) ينظر: مفاتيح الغيب للرازي (26/ 410).

(13) ينظر: مجموع الفتاوى (3/ 45- 46).

(14) أخرجه مسلم (1827) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك